متلازمة الاغتراب الحادّة .. دلائل راسخة في نصوص الشاعر صلاح حمه أمين


 

إن ” الضائقة اللحظية” ( = الآنية ) بوصفها ” التنفيس ” تنفث كل المكبوت بساعة( = لحظة ) غضب ، فتريح عما يخالجهُ من شعور بات مخمراً ، لذا سينتج من هذا الكم ؛ بأن العقل الباطني يخزن ما تجهلهُ العين الناظرة للعيان ، رغم المسايرة للواقع المألوف بكل تمظهراتهِ ، إلا أنهُ أقتحم ما يروم وما تملي عليهِ طبيعتهِ المتمردة ربَما ، فهنا الرؤية سطحية لا يمكن سبر ألأغوار الذات الكامنة في الأعماق – المكمن – الخزين العاطفي ، إلا أن يحاور نفسهِ صمتاً . هذا ما نلاحظهُ في العديد من الصّور التي تم إلتقاطها فورياً بفنٍ عبثي في قصائدهِ ؛ الشاعر ” صلاح” بمعيار المفردات المتطاحنة .

القصائد التي تفضي إلى الأسى بكل مسمياتهِ ، والتي بثها هنا رغم تأريخها السالف في عقدي التسعينات ومطلع الألفية الثانية . أنها تشكل قصيدة طويلة بمحورها المرتكز على الأسى الراسخ عمقاً من متلازمة ، الإغتراب ، الضياع والتشرد والكبت ، يميلُ إلى التعبير الانفعالي من تجربة الحياة القاسية وذلك متآتياً من ضغوط قهرية كابدها .إن بعضاً من قصائدهِ من ذوات النفس الطويل بإمتداد الحسّرة التي يزفرها ، لهذا تأخذهُ الهواجس التي ما إنفكت أن تغادرهُ فأفصح في الإسترسال التعبيري والسّيِل العاطفي للمِحنة ، وتراكماتها البائنة على ما يبدو توشك أن تصبح سردية – تقريرية في مقاطعٍ منها نتيجة الإنفعال والكشف عن الذات المقموعة ، وخاصةً في قصائدة الطِوال منها .

ويمكن أن نقول : إنها قصائدهِ على عنونتها بذات التشكيل المتاهي لتلك اللغة التي إبتدعها كطريقة يمكن أن تشافيهِ بتلك الأبجدية التي يرومها ؛ أي اللغة الأخرى ” الثانية – المؤقتة ” مثل – الحافات – النهايات القلقة – ظِل اللغة – والتشكيل القلق بنهايات حادَة غير مستقرة ” قلقة ” على جذر ومثابة بإرتكازها الثابت المطمئن بذاتهِ – نفسيتهِ مثل : موطئ حُلم ، متاهة ، مما تراكم مني ، مركب آخر ، ومضات مفتتة ، لهاث خلف العدم ، عبث ، هذه العنونات لا يمكن مسكها واللحاق بها وفق الصياغة اللفظية ، كون حركتها هوائية وظليه تتماوج على إيقاع هلامي ، وبعدها تتلاشى بعبثية منثورة عند حافات ونهايات الكلام وأقاصيه المضطربة ، أو يمكن القول عند شاطئ الكلام الذي وظفهُ وهو في حالة نفسية متأرجحة لا يُحسد عليها .

هذه المعمارية التي يوظفها طبقاً للمناخات التي يواكبها ووفق البناء – الطراز الذي يؤسس فضاؤهُ النثري ؛ ، لهذا كانت نهاياتها قصوى وحادَة معمارياً للمفردة التي تتحمل ثقل نفسيتهِ في متاهات بعيدة عن واقعهِ على أقل تقدير .ربما يستدل المتلقي بأن سيرتهِ وفق المفهوم السيكولوجي بأنها تحملت مصائب وتصدَعات حياتية قد مرِت بهِ فتنفسها وشهق بهذهِ النصوص كتنفيس ليس إلا ، وكما قلنا بأن مراحل حياتهِ وعوالمها قد داهمها التوجس والتشتت ، لذا أثرت على مسيرتهِ بكل هذا الكم من الويلات التي رصدناها بتروي وجلَ ما نطقت به نصوصهِ بالتصدع القهري الذي لازمهُ طيلة الفترة التي عانى منها .

.. ويمكن رصد ذلك من خلال مفردة ” الأحلام” التي وظفها لمراتٍ عدة وكأنها أحلام عصيَة لا يمكن

شرخٌ
صَوبَ جوفهِ
تَجرفُني بقايا شواظٍ
كَواكبهِ السَيارة ، من فَوهةِ مَداهُ
يَقْذفُني ……

في هذا النص بنى على صيغة المجهول ” شرخٌ ” ولم يسمي المكان ؛ بل تابع مسارة إلى أن إستقر عند نهاية مشتتة هي ” بقايا شظايا ” وهنا أن لابد من تسمية الشاعر بلقب ربَما أسميهِ الشّاعر الغاضب ” شاعر الحدث ” والساعة الآتية التي يتصور بها هي ” الغضب الآتي ” والذي رمى جّم غضبهِ على الوطن في قصيدة طويلة هي ” طنينُ وطن ” تليق بقاهريته التي أستمدها من عنفوان الضيم ، وكذلك قصيدة ” إعراب وطن ” هي الأخرى سارت بنفس المنحنى بلائمة ، إذْ تتوالى بها الصور مشحونة بالفقدان والضياع والإحباط ؛ دونما رومانسية تُذكر ، ثم بدأ يراقب مايؤول إليه ذاك الذي أطلقهُ عن بعدٍ بصيغة ” التماهي ” صوب الحدث ولم يقل ” في ” بدلالة إنهُ يفكر في مشغلهِ الرؤيوي على حافة الكلام ، النهاية ، ظِل اللغة ، ولم يفصح عنهُ ، بل إشتغل على الغموض المريح بإستعارات مفهومة قد تبعدهُ عن المباشرة التي تحتم على متعاطيها مسايرة الواقع بأحداثهِ .

وفي قصيدة ” متاهة ” والتي هي بحد ذاتها حافة عابرة نحو المجاهيل والتشتت والتحير لأجل الخلاص من حيرة وضائقة قبل كل شيء :

في متاهة الخلاص
أمتطي صَهوة الحُلم
ومن منافِذها المُتسخة بالسراب
أرحل …. هارباً من أجِنات أحلامي

يحس المتلقي عند قراءتهِ لهذا المقطع من أنهُ مضطرباً بما يشبه الدوار أو الحيرة من عدم الإهتداء لمنفذ حياتي بالخلاص .. لذا تراهُ قد أُستهل أي – النص – بـ متاهة المخاض – حركة متلاشية من قوة دفع حياتي ، هي التي يبان منها أنها تستعيض عن كل الإشكاليات المطروحة واللاحقة للتفسير … بداً من السَراب

والرحيل مروراً للأحلام – يلاحظ بأن الغربة والحلم هما من أولويات توظيفهِ في الحافات القصوى قصدْ التمويه وخلخلة المقصود – المتعارف عليهِ – فـ مفرداتهِ التي جاءت بها نصوصهِ تلك مثل : الحُلم ، السَراب ، الغربة ، عواصف ، هلاك ، صحاري ……… أغلبها حركية خشنة من طبيعة المكان والواقع القهري تلائم المستهل أي ” متاهة المخاض ” كما أسلفنا ذلك .

ولهُ في قصيدة ” بعد 2000عام ، بداية قرن وسنة مجهولة ، والتي إستفتحها بـ أصدقائي حيثُ أفردها في سطرها الأول بشكل منفرد وسطرٍ خاص ، بغية الإلتماس من هذا الشَمل المعاضدة على أقل تقدير ، أو قُل للتنبيه عن أصل المعضلة الآتية :

أصدقائي
الذين من هُم في غربتي الآن
ينامون كالرؤى ،
في فجر الأحزان
بعيداً يهربون

التحذير يواكب تطور الحدث من التشتيت إلى المتاهة بتوجس حدثي قائم بتخمين الترحيل ومن ثم الإغتراب والهروب بضفاف النجاة …… هكذا يبني الشاعر مرتكزاتهِ الأساسية في متن كل نصِ يبنيهِ وفق معيارهِ الهندسي – النفسي كما يسمىهِ أصحاب التأويل لذا تراهُ لا يحيدُ عن هذه ” اللبنات ، الأساسيات ” والتي تشكل أكثر قصائدهِ توظيفاً .

” ومما تراكم مني ” القصيدة التتابعية الأخرى والتي تفوح منها سقطات الضيم بكل اشكالهِ ، هذهِ الإفرازات هو ناتج إغتراب عياني ، قطرة من الأعماق ، هي الأخرى من بين القصائد التي أسميها ” حافة الكلام ” – ظِل اللغة ، النهايات البعيدة – الحادّة – المجهولية ، التيهان يقول فيها :

قطرةٌ فقطرة
في أعماقي تنسكبين
مأهولةً بمساحة التعادل
بين المد والجزر
لتجرفي القمامات من صدري
وتتفردي !….

هي ومثيلاتها المفردات التكرارية والتي تلحق قرينتها مثل كـ لحظةً فلحظة ، قطرة فقطرة، رويداً رويدا ، هذا التكرار التأكيدي نابع عن إستمالة الآخر لإستعطاف التشكي الحاد ، كونهُ يمرُ بضائقة تنمُ عن حالة الإغتراب ، البعاد … هذهِ ؛ وغيرها من مضايقات جاثمة على كاهلهِ .

ومن قصائدهِ المعتبرة ” مركب آخر ” حيثُ عنونتها بـ مجهول يشق لُجة بحر وعُبابٍ من سديمٍ يخيمُ على الروح والفكر معاً :

في فضاء الشعر

فناراً !…
إليهِ أعودُ بأدراج قصائدي
وفيهِ أذوبُ
مثل ” موكبٍ سكران ”

هنا يُمثل التيه بحد ذاتهِ ، أطلقها في المستهل ومضى يمتطي الغربة بتناسلهِ شيئاً فشيئا ، إلا أن ذاب في كلمتهِ ، مثل موكب سكران” = مركب سكران ” الذي ترنح ” رامبو ” في متناهٍ بعيدةٍ، كما هو صلاح الذي أوضح في مركبهِ محاورة للنفس عبر ماهو مجهول ، لكن الواقع الذي أسس عليهِ ، أبعد المجهولية وعَظّم الواقع أكثر، أنهُ ألبسهُ رداء الحزن ، ربما غُرق …. هذا المركب العيني الذي يستغلهُ في متاهة عجيبة على الورق يرتطم بالمسافات النهائية لمصيرهِ ببوصلة معطوبة ، كيف يرسو؟.. وهو المُثقل بالأنين والهم والإشعاع النفسي – الحياتي .

مقطع من نص ” أرثر رامبو” لابد من ذكرهِ كي يُقارن القارئ بين المركبين الغريقين في عتمة خانقة :

إذا تقت إلى ماء أوربي ، فتلك البركة
سوداء باردة حيثُ النسق المُعطر ” المنحط ”
طفل مقرنص مملوء أحزان وخوفاً ، مسترخ
مركب واهٍ تماماً

مثل ” فراشة آيار ” لذا أرى بأن التسمية لكلا النصين تصلح عنونتهما ” مركب الأحزان ” .

وهناك التأسي الواضح في بث لواعجهُ لنصهِ ” لِهاث خلف العدّم ” حبذا لو كانت مفردة ” ما وراء بدلاً من خلف ” لكانت العونة أرصن بُعداً وأكثر وطأة :

في مشارق الأرض ومغاربها
تمنح وجوهاً شاحبة ، شاردة
جوازات وتأشيرة خروج
وأمتعة تتدحرج خلفهم
عبثاً تحاول اصطياد الزمن

مع مجمل ما قرأتُ لهُ في هذهِ القصائد التي تناولتها ، وما إطلعتُ لهُ أيضاَ في الصحف والدوريات والمواقع الإلكترونية ،رأيتُ بما تجود عليهِ لغتهِ من بصمة حركية ، إيحائية سارت على نسقٍ واحدٍ يتمايل بإضطراب قهري ، ” إيجاز + إطناب ” ويرصعها بإشارة وحركة ، وكما يسميها ” عبد القادر الجرجاني ” ” هيأة الحركة ” وعند ” قُدامة بن جعفر ” بـ ” الإشارة ” الموحية – اللاذعة ، وهي ” أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معانٍ كثيرة بإيحاء أو لمحة تدّل عليها ” .

لمستُ أنهُ يغطي رؤاهُ بحُزنٍ شفيف يكتسي معظم نصوصهِ المتسربلة بفجائعيات راسخة عمقاً في ذاتهِ لن تغادر مخيلتهِ أبداً ، مفرداتهِ التي يناور بها عما يمور بداخلهِ ، فهناك هاجس يستبطنهُ وهو ” الرحيل – الإغتراب – ربما القسري من طبيعة سيكولوجية يزاوج المفردة بأخرى بترتيب نفسي أكثر حدّية عن سابقتها ، ويراوغ كي يواكب بها مشغلهُ النصي بذات الركيزة من الّلبنة ، أي أن مفردات وأدوات بنائهِ غير ملموسة ، أي أنها متسارعة حينناً وحيناً بطيئة ً، ربما تركن إلى السكوت المفضي للصمت عند نهايات أو أقاصي الكلام حين يمر بضائقة نفسية تلمُ به وتداهمهُ اللحظة .

. ولايفوتني من أن أنوه خارج السياق : وعلى ما أتذكر بأن الشاعر يمتهن الفن التشكيلي” إلا أنهُ تخلى عنهُ لأجل الشعر ” ، ومن لوحاتهِ المميزة ، والتي رسمها في سنوات الثمانينيات والتسعينيات ، وكذلك بعد الألفية ، تأخذ نفس النهج الإسلوبي برؤاها التشاؤمية والعبثية ؛ ” إنها إسطورة سيزيف وصخرته “إجمالاً ؛ وهنا كـ رأي شخصي ، ولأني أخوض غمار رؤاهُ ،تيقنتُ جازماً من أن أسمي الشاعر” صلاح حمه أمين ” بلقب الشّاعر الغاضب ” شاعر الحدث ” والساعة الآتية التي يتصور بها هي ” الغضب الآتي ” والذي رمى جّم غضبهِ على الوطن في قصيدة طويلة هي ” طنينُ وطن ” تليق بقاهريته التي أستمدها من عنفوان الضيم ، وكذلك قصيدة ” إعراب وطن ” هي الأخرى سارت بنفس المنحنى بلائمة ، إذْ تتوالى بها الصور مشحونة بالفقدان والضياع والإحباط واللائمة ؛ في مجمل وريقاتهِ الشعرية والتي إطلعتُ عليها لم أجدَ رومانسية تُذكر سوى في بعض من مقاطع قصيدة ” توهج جلدِ ملتصقُ بالجدار ” لمستُ فيها بوح شفيف لترطيب حالة هيجان الغضب في تلك الساعة التي إكتنفتهُ ربما هي ” إستراحة ” كي يلجم غضبهُ الأبدي .

لا تعليقات

اترك رد