بين الرومانسية والكلاسيكية

 

الرومانسية

الرومانسية حركة في الفن والفكر والأدب بدأت في أوروبة في أواسط القرن الثامن عشر ثم انتشرت لتشمل العالم بأثره ويصعب أن نقارب مسألة أو قضية في هذا العالم من دون التطرق لموقف الرومانسي المسيطر .

ونجد في جوهر الرومانسية مواقف الثقة بالمشاعر والفطرة لدليل سام في الحياة ونجد فيها الشك في المنطق والعقل والتحليل . وفيما يخص الحب ، تلهمنا الرومانسية بالإيمان بعواطف جياشة ترشدنا إلى الشريك الذي نقضي معه خمسين عاما بسعادة مطلقة . وتميل الرومانسية إلى تمجيد الجنس لتعبير خالص النقاء في التعبير عن الحب ( وهذا الوضع قاد إلى الفجور وتحول من مشكلة إلى كارثة ) .

أما فيما يخص العمل ، تؤمن الروح الرومانسية بالاعتقاد بأن العبقرية تلقائية وتؤمن أيضا بأن الموهوبين يستمتعون بقوة الموهبة . وفي الحياة الاجتماعية ، تناقش الرومانسية مسائل تنافي التأدب في الحديث والسلوك كما ترفض التقاليد وتناصر الصراحة والانفتاح في الحديث . وتعتقد أن الأطفال طاهرون و أنقياء وطيبون والمجتمع هو من يخربهم ويفسدهم . تكره الرومانسية المؤسسات وتمجد الشجاعة وتحارب ببطولة ضد الواقع القائم . وتفضل الجديد على المتكرر .

تتخندق الروح الرومانسية ضد التحليل وتعتقد أن التفكير العميق يوازي التفكير الرديء . ولهذا لا تفضل المنطق وسيلة في الحوار أو الخطاب . وتُعدُّ الموسيقا وسيطا فنيا مفضلا لتوصيل الرسائل . وتشعر الرومانسية باليأس من الرتابة والأشياء العادية وتتوق دائما للخاص والنادر والمميز و الحصري .

تفضل الرومانسية الثورة على التطور ويزدري الموقف الرومانسي الرتابة والتنظيم والدقة في المواعيد والوضوح والبيروقراطية و الصناعة والتجارة والروتين . وتذهب الرومانسية إلى الاعتراف بأهمية هذه الأشياء لكنها تصفها بأنها غير رومانسية وبائسة وتفرض على البشر وتساهم إلى حد بعيد في زرع البؤس لدى البشر .

للرومانسية حكمتها الخاصة التي تميزها عن غيرها من الفلسفات ولكن كان لرسائلها الكونية في العديد من البقاع على الأرض نتائج مدمرة على الحياة . تدفعنا الرومانسية عن سابق قصد نحو

مقاصد غير مفيدة وتستشهد بأقوال وأمثال وحكم غير واقعية لدرجة أننا لا نصبر على أنفسنا ولا تشجعنا على التبحر في الكشف عن الدوافع والقراءة بين السطور وتعمينا عن خطر إطاعة الغريزة والفطرة الأولى في الحب والعمل وتبعدنا عن واقعنا الذي نعيشه وتقودنا إلى رثاء حالتنا الكونية وسبب وجودنا.

ويكون واجبنا ورسالتنا الكبرى هو تفكيك المواقف والأفكار الرومانسية واستبدالها بما يمكن أن نسميه التناسق والدقة التاريخية أو بكلمة أخرى الكلاسيكية .

الكلاسيكية

تتأسس وجهة النظر الكلاسيكية في الحياة على الإدراك المتشائم والكثيف لنقاط الضعف الإنساني والشك في الفطرة غير المدروسة والمدققة جيدا . ويعرف الموقف الكلاسيكي أن العواطف يمكن أن تسيطر علينا وعلى وجهات نظرنا ويعرف الكلاسيكي أيضا أننا يمكن أن نسيء فهم الأشياء وفهم الآخرين ولن نكون بعيدين عن الخطأ والجنون وارتكاب الحماقات . ونظرا لمعرفة الكلاسيكي بنقائص البشر فهو يميل إلى تصحيح الإخفاقات والهفوات من خلال الثقافة والمعرفة .

تشعر الكلاسيكية بالقلق من توق الإنسان نحو بلوغ الكمال . في الحب تنصح الكلاسيكية بالقبول المجيد للجنون داخل كل شريك . وتدرك جيدا أن لحظات النشوة لا يمكن أن تستمر وأن أساس العلاقات الجيدة هو التسامح والتحمل والعطف المتبادل.تقدر الكلاسيكية عاليا الحياة الزوجية وتهتم بدراسة التفاصيل العملية والجهود والعناية لبنائها ولا تجد غيضا في ترتيب الغسيل في خزانة الملابس أو القيام بالواجبات المنزلية نظرا لأن هذه الأعمال تدخل في نطاق أعمالنا اليومية وتتداخل مع مفاهيم وتفاصيل حياتنا اليومية .

تفهم الكلاسيكية أننا نحتاج الأصول والقواعد السلوكية وتربية الأطفال وتثق بوضع الحدود. إنها تحب الشباب لكنها لا تريدهم مثاليين بل واقعيين .

وفيما يخص الحياة الاجتماعية ، تمجد الكلاسيكية التأدب كطريقة مثالية للحفاظ على الذات والبقاء على شاطئ الأمان .تستوعب الكلاسيكية فكرة “أن تكون أنت ذاتك” ليست شيئا موجود في الجوار نبحث عنه ونهتم به . وتدرك أيضا إن الإطراءات الخفيفة والثناءات لها فائدة كبيرة بالنسبة لنا لأنها مصدر الهشاشة والضعف الطبيعيين. والكلاسيكية لا تزدري أبدا فكرة تقديم بطاقات الشكر للآخرين .

تؤمن الكلاسيكية بالتطور لا بالثورة وتثق بأن الأشياء الجيدة يمكن انجازها وتحقيقها من خلال المؤسسات أكثر من العناصر البطولية المنفردة وتقبل بعقد التسويات الضرورية المرتبطة بالعمل مع الآخرين .

وفيما يخص العمل ، يقف الموقف الكلاسيكي موقف الخلاف مع فكرة العمل ، ولا تعتمد على الغريزة والفطرة في حل المشكلات المعقدة لما نقوم به بفعالية في حياتنا. وبدلا من ذلك ، ترى الكلاسيكية بضرورة الحاجة للتفحص العميق والدقيق لرغبات الذات . وتفترض من البداية أن كل

الأعمال مجهدة ومتعبة بطريقة أو بأخرى وترفض فكرة العمل ” المثالي” نهائيا تماما كما ترفض المثالية في كل ميادين الحياة. وتعد الكلاسيكية نفسها مؤمنا حقيقيا ومتحمسا لفكرة أن الأشياء جيدة بذاتها بما يكفي .

وتنظر الكلاسيكية ، على خلاف الرومانسية ، بحذر نحو الرأسمالية وهي في ذات الوقت لا تشك بمسألة الأرباح لكنها لا ترى ضرورة للاهتمام بالمال ولا تنظر إليه على أنه شيء مهم جدا أو عار. المال بالنسبة لها مصدر يمكن أن تستخدمه بطيش ويمكن أن تستخدمه بحكمة . وتعتقد الكلاسيكية أن الحديث عن المال خاطئ إذا كان الغرض منه الزواج وتقبل الرومانسية المال فقط لخدمة الحاجات الحياتية .

تمتلك الكلاسيكية طموحات ثابتة نحو الفن . وتنظر إليه على أنه صاحب رسالة مغرية تعتمد الغواية والإغراء والعرض الحسي بغرض إبقاء الأفكار الجيدة والنبيلة والمفيدة في عقولنا وأمام ناظرينا . فن العمارة الكلاسيكي على سبيل المثال منظم وهادئ ومتجانس لأنه يعترف بحساسية أرواحنا الداخلية تجاه ما يأتينا من بيئتنا المحيطة ويقدر عاليا الحاجة الإنسانية للشموخ و الهدوء والوقار. وهذا ليس منبعه الخوف من ملل الأشياء لكن الكلاسيكي لا يعتبر الحياة الهادئة مهينة للشرف.

تُكبرُ الكلاسيكية التسويات التي تجري حول الأشياء التي يصعب إجراء التسويات بشأنها . وتؤمن بالتقدم البطيء الوئيد الثابت أكثر من الانفجار والتدفق السريع . ولا يصدمها الرشوة والفساد والأنانية لأنها تعتقد أن هذه القيم من نقائص الشخصية الإنسانية لكنها تحب المؤسسات والأصول والقوانين والقواعد السلوكية لأنها تلعب دورا هاما في تقييد الجموح الإنساني .

ورغم التناقض الواضح بين الكلاسيكية والأشياء الموجودة في الحياة والشائعة بين الناس فهي لا تميل إلى رفض الشيوع بحد ذاته. في حقيقة الأمر ، الطموحات الكلاسيكية شائعة بين الناس بثبات . وفي حال وجود فكرة معقدة يصعب فهمها ، تقترح الكلاسيكية ضرورة شرحها وتمحيصها والتركيز عليها . والكلاسيكية تتوجس من ضيق الروح الأكاديمية وانعزال الثقافة والمعرفة . فالأفكار التي يحتاجها الناس يمكن أن تقدم لهم بيسر وسهولة .

إعداد مدرسة الحياة
ترجمة محمد عبد الكريم يوسف

العنوان الأصلي والمصدر

Two World Views: Romantic and Classical, The School of Life ,2017

لا تعليقات

اترك رد