الديك والتنين


 

من الطقوس الدينية عند اليهود طقس ” الكاباروت ” ، وهو صيغة الجمع لكلمة «كابَّاراه» العبرية، وتعني الـ ” كفّارة ” بالعربية ، وهو عبارة عن شعيرة دينية رمزية يتم من خلالها نقل خطايا اليهودي الآثم بشكل رمزي إلى ديك أو دجاجة ؛ حيث يقوم الشخص بتدوير الديك حيًّا حول رأسه ثلاث مرات ، وخلال ذلك تُتلى بعض المزامير وفقرات من سفر أيوب ، ثم يعاد تدوير الديك الأضحية حول رأس الشخص الأضحية، ويُفضَّل أن يكون أبيض اللون، ويُتلى الدعاء التالي ” هذا هو بديلي، قرباني، الذي ينوب عني في التكفير عني”. ويتم ذبح الديك، و يُعطَى بعد ذلك لأحد الفقراء، أما أمعاؤه فتُقدّم للطيور لتأكلها طعاما .

إلا أن هناك معارضة لهذا الطقس ، من قبل المتدينين اليهود ، حيث يرون أنها عادة غير يهودية وتضاد روح الديانة اليهودية لأن تقديم الأضاحي يجب أن يتم داخل المعبد وليس خارجه . لذا ، قلّ من يمارس هذا الطقس , ومع ذلك ظلّ الديك حاضرا في المخيّلة اليهودية ، لأنه من الطيور المسموح بذبحها في شريعتهم . والديك يرمز عادة إلى التجدد واليقظة والقوة ، مثلما يرمز إلى العدوانية والشراسة .

*****

يمكن أن نشبه الولايات المتحدة الأمريكية بأنها مثل التنين ؛ هذا الكائن الأسطوري الضخم ذو شكل أسطواني الشبيه بالزواحف، والذي ورد ذكره في الكثير من القصص والأساطير في ثقافات الشعوب بجميع أنحاء العالم. وقيل إن له أجنحة، وله القدرة على نفث النار من فمه ، فيحرق كل من يعارضه .

وهو ما ينطبق على الولايات المتحدة ، بوصفها الدولة الأكبر في العالم : اقتصاديا وعسكريا وسياسيا ، فهي تتحرك وتنفث نيرانها ، وفق أجندة اللوبي الصهيوني ، الذي استطاع السيطرة على صناعة القرار في البيت الأبيض ، حتى إننا نستغرب من تحكم الصهاينة في الحزبين الرئيسيين في أمريكا : الحزب الجمهوري ، والحزب الديمقراطي ، فأي كان المرشَّح في الانتخابات الرئاسية أو انتخابات الكونجرس ، فلابد أن يكون مؤيدا للصهيونية ، داعما لإسرائيل، ويخشى

من نفوذها الإعلامي والمالي والسياسي . لأنه يمكن إسقاط الرئيس إذا اتخذ موقفا مضادا لإسرائيل ، التي هي في النهاية مجرد دولة صغيرة ، لا يتجاوز عدد سكانها خمسة الملايين نسمة ، ومع ذلك فهي كالديك ، في السياسة العالمية ، من يعارضها تنقره . وقد استطاع هذا الديك اعتلاء التنين الأمريكي الضخم ، واختار رأسه ليستقر عليها . فإذا حاول التنين الانحراف عما هو مخطط له صهيونيا ، فإن الديك يؤلمه بنقراته ، ليصحح مساره ، فإن أبى ، فالديك قادر على أن يبدل رأس التنين نفسه ، والذي يعني تغيير الرئيس الجالس على المقعد البيضاوي ، ليأتي الديك برأس جديدة، تخاف النقرات، وتنظر برعب إلى الديك الصغير الذي يعتليها ، غير ناظرة إلى الجسد الضخم للتنين ، المليء بالقوة والغنى والثروة .

*****

كلنا نتذكر الرئيس جورج بوش الأب ( 1989- 1993م ) ، والذي خدم الصهيونية كثيرا ، حتى أنه شنّ حربا ضد صدام حسين في العام 1991م ، لأن صدام تجرأ وأعلن في لحظة عنترية متفاخرا : ” لديّ أسلحة سأحرق بها نصف إسرائيل”. وكان يقصد ساعتها الأسلحة الكيماوية .

وقد تحمس ملايين العرب لصدام ، فهم محرومون من هذه الشعارات الرنانة ، إلا أن الرد الإسرائيلي جاء بطريقتين : الأولى : إعلان إسرائيل بأن لديها عشرة صواريخ نووية موجهة لكل عاصمة نووية ؛ ولا مقارنة بين النووي والكيماوي .

والثانية : قرار بتأديب صدام ، وتحجيمه عسكريا . فسقط صدام في شرك غزو الكويت ، ولم يكن الديك ساعتها بعيدا عن تقارير المخابرات التي زينت له ذلك ، ولا بعيدا أيضا عن السفيرة الأمريكية ” غلاسبي ” التي أعطت الضوء الأخضر لصدام وصرحت بأن أمريكا غير مسؤولة عسكريا عن أمن الخليج ، وتمت الحرب ، وهزم صدام ، ومات عشرات الآلاف من العراقيين ، وأُذِلَّ صدام .

كل هذا فعله ” بوش الأب ” ، ولكنه ارتكب خطأ دفع ثمنه غاليا ، حين أجبر إسرائيل على حضور مؤتمر مدريد للسلام 1992م ، بقطع مساعدة اقتصادية يسيرة عنها ، فانقلب اللوبي الصهيوني عليه ، وسعوا لإفشاله في الانتخابات الرئاسية أمام المرشح الديمقراطي ” بيل كلينتون ” ، أي أسقطوا رئيسا جمهوريا مؤيدا لهم ، وجاءوا

برئيس ديمقراطي أكثر تأييدا ، حتى أنه امتنع عن إدانة إسرائيل عندما غزت لبنان عام 1996م ، فيما يسمى عملية ” عناقيد الغضب ” ، وكانت مذبحتا ” قانا ” من أبرز مذابحها . حدثت مجزرة ” قانا ” الأولى في 18 أبريل 1996 ، في مركز قيادة فيجي في ” يونيفل ” وهو مقر الأمم المتحدة في لبنان ، حيث قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي المقر ، بعد لجوء المدنيين إليه هربا من القصف الإسرائيلي الوحشي ، ولم تراعِ إسرائيل أنه مركز للسلام دولي . وقد أدى قصف المقر إلى استشهاد (106) من المدنيين وإصابة الكثير بجروح. واجتمع أعضاء مجلس الأمن للتصويت على قرار يدين إسرائيل، إلا أن الولايات المتحدة أجهضت القرار باستخدام حق النقض الفيتو ، بأمر من الرئيس كلينتون نفسه ، والذي خرج مبررا فعلته : من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها .

ثم حدثت مجزرة قانا الثانية ، في الثامن عشر من إبريل عام 1996م ، بعد الثانية ظهراً ، عندما أطلقت المدفعية الإسرائيلية نيرانها على مجمع مقر الكتيبة (الفيجية) التابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، في ذلك الوقت كان ما يزيد على 800 مدني لبناني قد لجأوا إلى المجمع طلباً الحماية فتناثرت أشلاء ما يقرب من 250 قتيلاً وجريحاً، حمل ( 18 ) منهم لقب مجهول يوم دفنه .

ونعلم من هذا ، أن كلا الحزبين : الجمهوري والديمقراطي خاضع للديك الصهيوني ، الذي ينقر رأس التنين الأمريكي ، أولا بأول ، يرشده ويوجهه ، أو ينذره ويهدده ، قبل أن يقطع رأسه .

هذا ، وسيستمر معنا اسم جورج بوش إلى نهاية المقال ، حيث سنرجع إلى جد العائلة ، كما نشير إلى دور الأب ، ثم ما فعله الابن .

*****

لقد أعطى ” جورج بوش ” الأب إلى ابنه ” جورج دبليو بوش ” ، الذي انتخب رئيسا عام 2000م ، نصيحة مهمة وهي : ” كن معهم دوما ” . أي كن مع الصهاينة ، ولا تخالفهم ، فأنت مثاب على ذلك دينيا ، وسيضمنون لك كرسي الرئاسة مرة ثانية.

وقد قام به جورج بوش الابن بالمطلوب بكل حماسة ، فشن حربا ضد العراق ، وأسقط صدام ، ثم أعدمه في صبيحة عيد الأضحية عند المسلمين عام 2006م، مواصلا ما انتهجه أبوه من قبل ، أي من تأديب صدام ، إلى قتله . فالصهاينة لا ينسون أعداءهم ، وعلى المعادي لهم ؛ أن ينتظر ليدفع الثمن ، وإن طال الزمن.

وهنا نستحضر الديك ثانية بدلالته الدينية ، عندما يضحي به اليهود تكفيرا عن الذنب ، بينما اللوبي الصهيوني الأمريكي أراد مجاملة المسلمين في عيد أضحيتهم ، فاختار رئيس دولة عربية مسلمة ليضحَّى به .

*****

استطاع اللوبي الصهيوني ( الديك ) السيطرة على البعد الديني لدى قطاع عريض من الشعب الأمريكي ، والساسة الأمريكيين ، وبدأ في الصعود إلى الرئاسة مع الرئيس ” رونالد ريجان ” ( 1981-1989م)، والذي كان يستحضر في أحاديثه الخاصة معركة ” هرمجدون ” في فلسطين ( أرض الميعاد ) ، وهي إحدى سرديات التوراة المعروفة . علما بأن كلمة هرمجدون مأخوذة من العبرية وتعني “جبل مجيدو”، وتشير للمعركة المتوقعة ، التي سينتصر فيها الله على جنود المسيح الدجال كما هو مدون في النبوءة التوراتية (رؤيا 16:16 و 1:20-3 و 7-10).

وهو لبّ ما يؤمن به اليمين المسيحي المتصهين الذي تزعّمه جورج دبليو بوش الابن بعد ذلك ، وله أتباع حوالي ثمانون مليون من الأمريكيين ، ويعتقدون بضرورة عودة اليهود إلى الأرض المقدسة فلسطين، وبناء دولة “إسرائيل” يتوافق مع النبوءات التوراتية ويمهد لعودة المسيح، الأمر ظهر بشكل أكثر وضوحًا عام 1844م في كتاب أصدره أستاذ العبرية بجامعة نيويورك وكان قسا أيضا ، ويدعى ” بوش ” وهو الجد المؤسس ، لعائلة بوش الرئاسية ، عنوان كتابه : ” وادي الرؤى، أو إحياء العظام النخرة لإسرائيل” ، ودعا فيه بوضوح لرفع اليهود إلى مصاف أمم الأرض المحترمة عبر إعادتهم إلى أرض إسرائيل، الكتاب باع أكثر من مليون نسخة قبل عام 1860م ، وانتشرت تعاليم ” بوش ” الجد ، وتمددت ، ليصل أحفاده إلى سدة الرئاسة الأمريكية ، مدعومة باليمين المتصهين ، والمفارقة أن والدة جورج دبليو

بوش الابن ( زوجة بوش الأب ) ، تعجبت عندما فاز ابنها بالرئاسة مرتين ، وقالت كلمة مشهورة : لقد فاز أغبى أولادي بحكم الولايات المتحدة .

*****

على جانب آخر ، فإن هناك منظمات دينية وكنائس مؤيدة للصهيونية بشكل صريح ، منها منظمة ” مسيحيون متحدون لأجل إسرائيل ” ، وهي منظمة إنجيلية مسيحية تقوم بإغراق أعضاء الكونغرس بالرسائل التي يشارك في إرسالها مئات الآلاف من أعضائها الذين اقترب عددهم من 2 مليون أمريكي، لدى المنظمة صلات بالحكومة الإسرائيلية بما في ذلك برئيس وزراء الحكومة.

*****

إذن ، فإن الديك الصهيوني نجح بامتياز في السيطرة على التنين الأمريكي على مستويات عديدة ، أبرزها الديني ، والسياسي ، والمالي .. ليكون السؤال : إلى متى نستمر في المراهنة على دور أمريكي في قضية فلسطين ؟

فنحن نراقب منذ عقود طويلة : انحياز تام للصهيونية من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية ، فكلهم يرجون الثواب من الرب ، فيسلّحون إسرائيل عسكريا ، ويسلمون قيادتهم للديك الصهيوني سياسيا .

1 تعليقك

  1. اسرائيل هى ديك وأخطبوط عملاق لها يد في كل شيء يحدث في العالم. مقال واقعي رائع سلمت دكتور وبارك الله فيك

اترك رد