قلب الأم


 

تتظاهر بالاستماع إلى محدثتها ، تومئ برأسها موافقة على ما تذكره المرأة من معلومات ، و تجلس رغما عنها ، آداب الحديث المغروسة في نفسها ، منذ نعومة أظفارها ، قد علمتها حسن الإصغاء ، وعدم مقاطعة المتكلم، حين ينهمك في محاولة إيصال ما يريد إلى السامعين ، قلبها يتمزق ، تحاول القفز من مكانها، والانتقال بالسرعة التي تستطيع إلى مكان آخر ، علها تريح نفسها الولهى ، وتأتي بالراحة إلى قلبها المتعب من عناء الانتظار…

أخبروها انه عليها أن تذهب وتغادر المكان ، وإن احتاجوا إليها ، فسوف يرسلون في طلبها:

– في أية غرفة تقيمين ؟

– في الغرفة رقم 40

– اذهبي الآن ، وسوف نناديك..

معاناتها بلغت حدا كبيرا ، ومتاعبها كثيرة ، وتحاول دائما أن تخفف قليلا من قسوتها ، نصحوها أن ترتاح والا تدع القلق يهيمن على عقلها ، لئلا تصاب بانتكاسة لا تحمد عقباها ، طبيبها يعلمها ان تختار بين الهدوء والرغبة بما هو كائن او جعل المخاوف تفترس طمأنينتها ..

– اهدئي ولا تعيشي في صراع

تستمر المرأة في كلامها ، حكايات طويلة عن المرض ، وخطأ وقع فيه الطبيب ، في تشخيص العلة والانتقال من طبيب إلى آخر ، وتغيير الدواء ، بما يتطلبه تشخيص المرض الجديد ، ونزف في دفع النقود ، والاستغناء عن حاجات أساسية، للوصول إلى الصحة المبتغاة بشق الأنفس..

حديث عن نفس متعبة ، أرهقها التردد على عدد من الأطباء، علها تظفر بالشفاء المنشود ، تتفق مع المرأة في حديثها ، وتؤمن بصحته ، فقد جربت المرض كثيرا ، ويفرحها أن تعثر على سبل الشفاء، حتى لو تبددت ميزانية المنزل التي تعبت كثيرا في ايجادها …

تستمر المرأة متحدثة عن متاعبها ،في غرف الكشف، وجريها الطويل خلف هذا الطبيب وذاك باحثة عن الصحة المفقودة في العيادات الخاصة بعد أن أعياها البحث في المستشفيات

– ما مرضك ؟

– لست المريضة ـ إنها ابنتي الصغيرة

– مم تشكو ؟

– من عيب خلقي في التنفس

– يا ستار ، يا الله ، ماذا سيفعلون معها ؟

– عملية بسيطة للتشخيص الصحيح

تواصل المرأة حديثها الطويل ، عن محاولاتها العديدة ،في الحصول على علاج شاف من مرض ، ما إن يستوطن الجسد أو النفس ، حتى يجد المأوى الدائم فيهما ، ولا تفلح محاولات الأطباء ووصفاتهم للدواء في قلعه أو التخفيف من حدته

بكاء مستمر يستولي على صغيرتها ، لا يعرف احد أسبابه ، تظل تصرخ باَلتياع ، دون أن تتمكن الأم من وضع حد لبكائها المتواصل ، لا تستطيع الخروج من المنزل ، جربت ان تفرح مع الناس ، وتقبل بصحبة بعض الأصدقاء ، علها تروح عن نفسها الحزينة ، ولكن ابنتها الضعيفة ، تستمر بالنشيج ، فتعجز عن معرفة السبب ، وتسرع بالعودة الى منزلها ، لتعود الطفلة الى هدوئها المفقود ، حتى الأطباء عجزوا في البداية عن تشخيص الداء ، ثم أشاروا عليها بإجراء العملية..

– هل تسمعين صوتا؟

– لا ، أبدا ، أي صوت ؟ ماذا تعنين ؟

– طفلة تبكي ؟

– لا أسمع ، ليس هناك من يبكي ، الجميع نائمون ، خذي قليلا من الراحة ، وحاولي أن تنالي قسطا من النوم

– لكن البكاء مستمر..

– أنت تتوهمين .. لا أحد يبكي هنا ، الجميع قائمون بواجبهم ، نامي عزيزتي ، وحاولي ان ترتاحي قليلا

تهرع السيدة إلى المكان المقصود ، تقطع المسافة الطويلة من غرفتها ( رقم 40) الى الغرفة الأخرى ( رقم 1) تجد ابنتها الصغيرة تحملها إحدى الممرضات ، وهي صرخ بألم ..

– هل أنت أمها ؟ أين كنت ؟ منذ فترة وهي تبكي ، تطلب رؤيتك ،ولا نعلم مكانك ،

– اخبروني إنهم سوف ينادونني حين تطلبني ابنتي.

– تغير طاقم الممرضات منذ دقائق.. ولا نعرف مكانك

تحمل ابنتها بين يديها ، تداعبها وتعيدها إلى سريرها ، تنتظر حتى تغفو ، تضعها في مكانها، تتأكد من استغراق الصغيرة بالنوم ، وقبل أن تعود الى غرفتها من جديد. تطلب منهم :

– اخبروني حين تصحو..

تعود الى محدثتها المريضة :

– لم تجدي من يبكي ؟

-بلى ، ابنتي كانت الباكية

– وسمعت رغم بعد المسافة ؟ قلب الأم مزعج ، لا يعرف الطمأنينة أو الراحة ، يسبب لها الإرهاق ان كان أولادها صغارا أم كبارا

لا تعليقات

اترك رد