البلدان تموت بشكل عام من الانتحار وليس القتل ” – ج2


 

في المقالة السابقة، رقم 1، اشرت الى تحول العالم من الفحم الحجري العالي الكلفة مقارنة بالنفط والملوث للبيئة بشكل حاد الى البديل النفط الخام .

وهنا اجدني مضطر لان اوضح باختصار موضوع يقع ضمن الاقتصاد العام وليس السياسي من اجل توضيح او تسهيل فهم المقالة .

فراديا لا يستطيع اي بلد منتج للنفط و مصدر له ان يبيع الكمية التي يرغب فيها وبالسعر الذي يرتايه ولا العملة التي يسعر بها برميل النفط. لان هذا يخضع لقوانين العرض والطلب العالمي وقانون الاحتكار . فان اراد بلد ما زيادة حصته النفطيه فانه يفعل ذلك على حساب بقية البلدان المصدرة للنفط ، اي ياخذ من حصتها . كما وان هناك اخلاف جوهري في مصالح البلدان المصدرة للنفط نابعة من حجم الاحتياطي النفطي لدى كل بلد. فعلى سبيل المثال ليس من مصلحة السعوديه رفع سعر برميل النفط الى مستويات معينه تصبح بعدها من المغريات دخول منتجين جدد كانوا خارج الانتاج لارتفاع تكليف الانتاج لديهم كما حدث في انتاج النفط الصخري في الولايات المتحده . كما وان ارتفاع سعر برميل النفط سيؤدي الى ربحية الاستثمارات في المجالات الاخرى غير النفطيه

مثل الاستثمار في مجالات الطاقه المتجدده ، النوويه الرياح الطاقة الشمسيه.

السمات المشار اليها خلقت شعورا قويا لدى قادة الدول المنتجه للنفط شعورا مشابه لشعور مدراء الشركات في السعي باقصى جهد نحو تحقيق اعلى عوائد شعورا بعزلتها عن بلدها لان جميع الدخل الناتج هنا تولد من عوامل السوق العالميه وليس الداخليه.

لندخل الان في المجال الموضوع هنا عن ترابط النفط مع الدكتاتوريه في بلدان الشرق الاوسط .

نسبيا من بلدان الشرق الاوسط هناك ثلاث دول تتمتع بحريات نسبيه اعلى من بقية الدول. بعض هذه الدول تمارس ديموقراطيات اكثر تطورا من البقيه. لبنان مصر و تونس ، دول ليس فيها نفط من اجل التصدير وان وجد فبكميات بسيطه لا تشكل حيزا كبيرا في الدخل . و منذ تشكل هذه الدول الثلاث لم تكن الدوله هي الراعي و المنفق على دخول المواطنين بل بالعكس، فعبر الضرائب كان المواطن هو الممول لميزانيات الدوله. وكان لعمل المواطن خارج هذه البلدان الممول الاساس لاحتياجيات الدوله للعملة الصعبه. كل هذا خلق وعيا لدى هذه الشعوب بنوع من الاستقلاليه عن السلطة السياسيه .فتونس على سبيل المثال كانت السباقة في مجال حقوق المراة ، وبعد بوعزيزي 2011 لم تتراجع الجماهير لتفسح المجال لاستيلاء الاصوليه على الحكم لا بل حدث العكس ان الاخوان المسلمين في تونس تراجعوا امام المطالب الجماهيريه. لبنان

الدوله الاكثر تطورا في مجال المجتمع المدني. مصر هناك تيار قوي جدا يقوده المثقف المصري نحو التنوير. الا ان غالبية عوامل الارتداد في مصر متاتيه من اموال الخليج النفطيه، وهي تشكل الخطر على الديموقراطيه المصريه و التي ما تزال طفله.

خلاصة ما اردت قوله ان هناك ترابط بين غياب النفطـ، في هذه الدول الثلاث و درجة من الديمقراطيه مقارنتا ببعض الدول الاخرى التي ساوردها لاحقا هنا بعد حين. و اعتقد ان الضعف من انطلاق قوي في هذه الدول نحو الديموقراطيه متاتي من غياب البرجوازيه الصناعيه في هذه البلدان، او ان شئت غياب الراسمال الصناعي واساب ذلك هي ثقافيه وتحديدا المفهوم الجمعي في الموقف من العمل والادخار والاستثمار. وهذا موضوع اخر خارج نطاق هذه المقاله، وانما جرت الاشارة له فقط لتوضيح وجة نظري في الموضوع.

البلدان الاخرى للمقارنة هي، السعوديه و العراق و ايران. باستثناء السعوديه فان العراق و ايران بلدين ذي كثافه سكانيه فوق الجيده. و باستثناء ايران فان العراق والسعوديه بلدين لاتزال القبيلة فيها متجذه. و باستثناء العراق والسعوديه، فان ايران متجمع مدني متطور الى حد ما، وهو دوله منذ امد لا باس به، عكس الواقع للعراق و السعوديه.

استكشاف النفط في هذه البلدان الثلاث سبق بعشرات السنوات استكشافه و استخراجه في بقية دول الشرق الاوسط. واقعيا فان هذه البلدان الثلاث تمثل اكبر منتجي النفط في عالم اليوم:

مليون برميل/ يوميا

السعوديه 10,250

روسيا 10,050

ولايات متحده 8,744

عراق 4,146

ايران 3,693

عائدات النفط في هذه الدول الثلاث خلقت طبقه طفيليه لا تنتمي لا مصلحيا ولا مصيريا مع ابناء شعوب بلدانها. طبقه ترتبط مصالحها بالسوق العالميه، وتحس بقمة السعادة عندما تنتعش الصين والهند،مثلا، اقتصاديا لان ذلك سيؤدي الى ارتفاع الطلب على النفط الخام وبالتالي ترتفع عائداتها من تصديره لهما.

ولا يفوتي ان اشير الى ان درجة الحريه في هذه البلدان الثلاث منخفضه مقارنت بتلك في البلدان الثلاث المشار اليهم اعلاه، و السبب حسب ما اعتقد هو درجة الريعيه العاليه في العراق والسعوديه وايران.

ان مصطلح طفيليه استعرته من ما سبقني في استخدامه من العديد من المهتمين بالاقتصاد السياسي، وهم يعنون انه لا دور ايجابي لهم في الاقتصاد الا انني اذهب الى ابعد من ذلك. ” يتعلق الضرر والمنفعة في العلاقات التطفلية بما يسمى التكيف البيولوجي بين الكائنات الحية التي تمثل طرفي العلاقة. ذلك حيث تقلل الطفيليات من قدرة عائلها على التكيف مع البيئة من عدة جوانب، بدايةً من التأثير عليه سلبًا من منظور علم الأمراض (مثل الإخصاء) وضعف الخصائص الجنسية الثانوية إلى تغيير سلوك العائل. من ناحية أخرى، تزيد الطفيليات من قدرتها على التكيف مع البيئة من خلال استغلال العوائل كمصدر للطعام والإقامة والانتشار”. بمعنى ان الطفيليه تغير من طبيعة المعيل الذي تعتاش عليه. ولما كانت الثروة الطبيعيه هي ملك للشعب اذن فان الشعب هو المعيل الذي تعتاش عليه الطفيليه فهو معيلها، الا انها تسبب له الضرر عبر التكيف الاجتماعي بحيث تخلق مجتمعا كسولا اتكاليا غير منتج.

المقال السابق( “666”..؟!! شريحة الدجال )
المقال التالىغيبوبة
الاسم: د. اثير يوسف حداد مكان وتاريخ الميلاد : بغداد-العراق 1949 التحصيل الاكاديمي : دكتورا اقتصاد دولي 1986 الحالة الاجتماعيه: متزوج وجد لثلاث احفاد و فخور انني اب لابنتين الخبرات . عملت كاكاديمي في الجامعات الليبيه والعراقيه لمدة اكثر من 20 سنه المؤتمرات العديد من المؤتمرات العلميه في المجال ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد