التحديات التي تواجه أميركا خلال العام الجديد ٢٠١٨


 

جرت العادة أن تضع كل إدارة أمريكية جديدة النزاعات و الصراعات الدولية و الحروب على رأس سلم أولوياتها، و هي إعتادت أن تحاول إثبات قوتها و هيمنتها و سطوتها و سيطرتها على العالم، سياسايا و عسكريا و إقتصاديا و تجاريا، من خلال حروب و نزاعات و صراعات هنا و هناك لم تكن لتنتهي و تزول، و لن تنتهي، فهذا هو ديدن الإدارة الأمريكية التي باتت ضعيفة معنويا و سياسيا و معزولة نسبيا خاصة في هذه المرحلة تحت إدارة الرئيس المتهور الأهوج ترامب ..

لو رجعنا بذاكرتنا قليلا، لوجدنا أن معظم الرؤساء و خاصة الجمهوريون، كانو يحرصون دائما على إثارة حرب ما في بداية حكمهم بشكل خاص، ليستخدموا هذه الحرب في تأليب الرأي العام العالمي و الأمريكي، و في تحشيد الرأي العام الأمريكي لما فيه مزيد من الدفع و الدعم خلال فترة الرئاسة التي غالبا ما تمتد لفترتين و لمدة ثمان سنوات، و هذا ما لاحظناه في زمن بوش الأب و الإبن، و ريغان ..

و غالبا ما يحاول الرؤساء الديموقراط التخفيف بقدر الإمكان من حدة النزاعات، و تجنب الحروب الكبيرة بقدر الإمكان، و التركيز على البناء و النمو و النهوض الإقتصادي و بناء البلد و المجتمع، و هذا ما لا حظناه بشكل عام في أوقات حكم كارتر و كلينتون و أوباما ..

الرئيس الحالي ترامب، رغم أنه يسير بشكل عام على نهج اليمين المتطرف، و على نهج سابقيه من الجمهوريين، إلا أنه يتميز عنهم بكونه أكثر تهورا و أكثر تمردا على التقاليد و الأعراف التي طالما حاولت الإدارات الأمريكية الإلتزام بها، كذلك يتميز بأساليب غير تقليدية في الحكم و إتخاذ القرارات و التعامل مع الآخرين، نادرا ما نجدها عند آخرين، و هنا نجد تميزه بالتعامل الجاف المتعالي الأجلف مع الكثير من كبار الموظفين في إدارته و الذين إضطروا بعد فترة قصيرة للإستقالة و ترك العمل معه لأسباب معلنة عديدة، كذلك يتميز بتصرفاته الخرقاء و تصريحاته الغريبة في ما يتعلق بالسايسة الخارجية و العلاقة مع الرؤساء و القادة الأجانب ..

العالم كله يضع يده على قلبه و هو يتابع أخبار المجنون ترامب و هو يلهث هنا و هناك في سعيه لنشوب حرب ما يظهر فيها بصورة القائد الهمام المنتصر، كما فعل قبله بوش الإبن الطفل المدلل لأبيه بوش الأب، و مدمن المخدرات و المسكرات ، فنلاحظ أن ترامب مرة يهدد إيران، و مرة يهدد كوريا الشمالية، و مرة أخري يلوح بعصاه في وجه روسيا، و أحيانا و لو بشكل خفي بوجه الصين ..

ما نعرفه، و ما تطرحه و تعلنه التقارير السياسية و الإستخبارية، أن العقيدة العسكرية الأمريكية الغربية، هي و حلفاءها في الناتو، لا زال بعض القادة فيها يعتبرون أن هناك مهام لم تنجز و تكتمل بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، و أن بقاء الصين و روسيا على قوتهما بل تزايد و تعاظم هذه القوة ، برأي الأمريكان ذلك يهدد أمنها أولا و الأمن و السلام العالمي، و خاصة الحلفاء، و إنهما يقفان عائقا أمام تفرد أميركا في السيطرة و حكم العالم ..

لذلك فأنها، أي أميركا يجب أن تتصيد الفرص المناسبة لما فيه إنهاء تهديد هاتين الدولتين، لكي تتسيد العالم و تكون هي ليست القوة الأكبر فقط، بل الأكبر و الأوحد، و برأيي أنا هذا حلم بعيد المنال و بعيد جدا عن الواقع، خاصة في ظل تعاظم قوة الصين، و بشكل ما روسيا، و إستيعابهما جيدا الأهداف و الغايات التي تدفع و تقف وراء كثير من المواقف و القرارات الأمريكية و تحدياتها على الساحة الدولية ..

بتاريخ ٢ / ١ / ٢٠١٨ نشرت مجلة، THE WEEK , مقالة مهمة و ممتعة بعنوان ، خمسة تحديات للأمن القومي الأمريكي خلال عام ٢٠١٨، بقلم الكاتب هاري كازيانز ، يتطرق فيها الكاتب بشكل مختصر لأهم ما يتوقعه من تحديات تواجه الأمن القومي الأمريكي، سيحاول الرئيس ترامب التعامل و التعاطي معها، و بأولويات مختلفة و متباينة ربما ستفرضها عليه الظروف و المعطيات و التطورات ..

تشير المقالة، أن عام ٢٠١٧ كان عاما عصيبا صعبا بكل المقاييس و ملئ بالتحديات و المفاجآت و المخاطر، منها مثلا، و ربما أهمها و أصعبها تسلم الرئيس الأمريكي الغريب الأطوار و المثير للجدل ترامب للحكم في أميركا .. التجارب الصاروخية و الأسلحة النووية لكوريا الشمالية و التي تثير أعصاب أميركا و معظم الدول الغربية و العالم عامة، و تعيد إلى الأذهان ذكريات الحرب الكورية التي ذهب ضحيتها الملايين من الأشخاص .. تصاعد الأزمات و التحديات مع روسيا و رئيسها بوتين، خاصة بعد الإتهامات بشأن تدخلها و تأثيرها في نتائج الإنتخابات الأمريكية الأخيرة، و التي أوصلت ترامب ذاته للبيت الأبيض .. و أيضا المشاكل ما بين روسيا و أوكرانيا و تفاقم هذه الأزمة و تدخل أميركا في مواجهة روسيا و فرضها نوع من الحصار كعقوبة على روسيا و تجاوزاتها .. أضف إلى ذلك الأزمات المستمرة و غير المنقطعة في الشرق الأوسط و بقايا ما يسمى بالربيع العربي و تصفياته النهائية إن صح التعبير ..

لكن العالم و مع بداية عام ٢٠١٨ يشعر بمزيد من القلق و الخطر في ظل هذه الأوضاع و الأزمات المتصاعدة، و هو يرى أن عددا من القوى العسكرية الكبرى، بعضها مسلحا نوويا، و على رأسها أميركا طبعا، الكل يجدون أنفسهم على حافة الهاوية، و يقفون قاب قوسين أو أدنى من حرب نووية طاحنة قد تشتعل نتيجة خطأ ما، كتحرك خاطئ ما للقوات هنا أو هناك، إطلاق صاروخ يتجه أبعد من مداه أو يتجه بالخطأ للموقع الخطأ، إسقاط طائرة أو تصادم طائرتين من جهتين مختلفتين، أن يطلق جندي أو عسكري إطلاقة خاطئة في الإتجاه الخاطئ، و غير ذلك من

الأحداث البسيطة التافهة التي يمكن أن تشعل فتيل حربا عالمية ذرية طاحنة لن تبقي و لن تذر ..

برأي كاتب المقال، و نحن نؤيده في بعض ما جاء به، هناك خمسة تحديات كبيرة و صراعات خطيرة يتوقع إنفجار واحد منها و تطورها خلال هذا العام الجديد ٢٠١٨ ، و التي تهدد أميركا و العالم أجمع، و هي :

* الخلاف و الصراع الأمريكي الروسي بشأن القضية السورية :

الصراع و النزاع السوري هو الأقسى و الأكثر إيلاما و الأسوأ إنسانيا في التاريخ الحديث، و الغريب أننا نجد أن الطيران الروسي و الأمريكي يعملان معا هناك و معهم قوى و طيران عددا آخر من الدول و الجيوش التي ربما تكن العداء بعضها للبعض الآخر، لكنها و يا للغرابة توحدت لكي تضرب و تدمر و تقصف و تقتل الشعب السوري و الأرض السورية ..

و مع وجود المنافسة و العداء التاريخ ما بين أثنين من أكبر الجيوش و أقوى ترسانتين نوويتين، روسيا و أميركا، فأن أي خطأ أو إحتكاك على الأرض أو السماء السورية، بشكل مقصود أو غير مقصود، قد تكون الشرارة التي تشعل حربا عالمية كبرى يذهب الآلاف أو الملايين من الأبرياء ضحيتها ..

و إذا أخذنا بنظر الإعتبار أن الملف السوري يبدو و كأنه في مراحله الأخيرة، و لو أنه لا يعرف بالتحديد كيف سيغلق، إن كان سيغلق فعلا، عليه يمكن إعتبار هذا التهديد ضعيف و بعيد الإحتمال، على الأقل حاليا، عدا أن وجود شخص كترامب في موقع القيادة، لا يمكننا توقع قراراته و لا خطواته و لا أفعاله، يبقى كل شئ محتملا ..

* الخلاف و النزاع الأمريكي الروسي بشأن أوكرانيا :

على الرغم من كون هذا الخلاف و النزاع قد إبتعد قليلا عن الواجهة و عن مقدمات و إهتمامات الصحف و الأخبار، و البعض يظن أنه ربما تمت معالجته بشكل ما، لكن الحقيقة غير ذلك، و الفضل يعود لقرار ترامب الأخير بتزويد كييف بأسلحة مضادة للدبابات، مما يرشح هذا الصراع ليطفو مرة ثانية على السطح و يحتل الواجهة الإعلامية و الدبلوماسية و السياسية للعلاقات ما بين البلدين ..

كما يبدو أن الطرفين الأمريكي و الروسي لا يرغبان في أي تصعيد أو مواجهة على هذه الجبهة ، لكن الرئيس الروسي بوتين و حفاظا على ماء الوجه قد يلجأ إلى مزيد من التسليح للقوات الإنفصالية الموالية له، و هذا قد يدفع ترامب بدوره إلى مزيد من الدعم و التسليح للأطراف المعادية للتدخل الروسي، و هكذا دواليك ربما تستمر الأمور على هذا المستوى لفترة زمنية قادمة، مما يساعد على إبقاء نار هذا الخلاف مشتعلة و لو بشكل خافت و ربما تحت الرماد بشكل ما ، و هنا يرى الكاتب أن إحتمالات تطور هذا النزاع إلى مستويات خطيرة لا زالت غير متوقعة خاصة على المدى القريب، إلا إذا حدث ما لم يكن بالحسبان مما يساعد في قلب موازين القوى هناك بشكل جذري، و تأجيج نار الصراع من جديد ..

* الخلاف و النزاع الأمريكي الإيراني :

أرى شخصيا أن هذا النزاع و الصراع بات يحتل قمة إهتمامات أجهزة الإعلام و المختصين و المحللين و الدبلوماسيين، ليس الآن فقط لكن منذ سنوات، و ليس فقط في أميركا بل حول العالم و في بلادنا العربية خاصة لأسباب معروفة، و ربما يعود إلى بداية الثورة الإيرانية و قضية المحتجزين الأمريكان قريبا بعد عودة الخميني ليتسيد الموقف في إيران، و التي لا زال البعض يعتبرها مسرحية متفق عليها بشكل ما بين البلدين، أميركا و إيران، خاصة أن العلاقت بين البلدين، و لو أنها لم تكن على أحسن ما يكون ، لكنها لم تصل أبدا إلى درجة القطيعة الكاملة، و هي مستمرة منذ فترة طويلة بين مد و جزر، و ربما كانت في أوج و أفضل حالاتها أيام أوباما، و لا ندري إن كانت فعلا تمر بأتعس و أسوأ حالاتها الآن في زمن ترامب، كما يوحي إلينا الإعلام ..

يشير الكاتب، أنه لا يمكن أن يحب الإتفاقية النووية مع إيران بسبب كونها تتضمن موعدا محددا لنهايتها، و لأنها لا تعالج الكثير الكثير من الأمور الخلافية القائمة بين أميركا و إيران، و أنه يتوقع أن يكون هذا العام ٢٠١٨، و مع التطورات الأخرى الجارية حول العالم و خاصة في منطقة الشرق الأوسط، أن يجد المحافظين الجدد في أميركا و معهم حلفاءهم في إسرائيل، يجدون السبيل المناسب لتنفيذ خططهم و نواياهم المعلنة لشن حربهم ضد إيران، و التي باتت إسرائيل تعلن إنها التهديد الأهم في المنطقة، بعد أن تمكنت من التخلص من أي تهديد آخر، إبتداءا بالعراق و مصر و سوريا و غيرها ..

و كما يبدو، الظروف في المنطقة و دوليا أيضا مهيأة لمثل هذه المغامرة الأمريكية الجديدة، فهناك تأكيد و عزم من قبل ترامب و إدارته لمواجهة التمدد و الإمتداد و التمادي الإيراني، خاصة تواجده و تدخله بل و إدارته و رعايته للعديد من الصراعات و الخلافات و النزاعات في دول عديدة من الشرق الأوسط، من لبنان إلى اليمن إلى سوريا إلى العراق، و هكذا، فأن الأرضية جاهزة و معدة لمثل هذه المواجهة، أمريكيا و عالميا و حتى إيرانيا كما يبدو، و هناك توجه حتى لمراجعة الإتفاق النووي الموقع مع إيران في عهد أوباما، و هذه النقطة مهمة و حساسة جدا لإيران، و ترفضها دائما ..

التوقعات بشكل عام، أن ما يجري في العلن و الخفاء بين أميركا و إيران لا زال ضمن الحدود و القدرة على الإستيعاب، و لا زالت الإحتمالات تميل لمزيد من الحوار و الضغوط و ربما حصار محدود لإيران، و ربما تغيير لبعض الفقرات في الإتفاقية النووية كما تشير كثير من التقارير و التحليلات، ذلك سيكون على الأغلب أكثر من إحتمالية حروب و معارك و ضربات جوية أو صاروخية بين البلدين، خاصة و كما أشرنا آنفا، مثل هذا الخلاف و الصراع الإعلامي يمتد لسنوات طويلة، و قد تمكن كلا البلدين، خاصة إيران من إدارة هذا الصراع و الخلاف دون اللجوء للقوة و القطيعة التامة، آخذين بنظر الإعتبار العلاقات التاريخية بين البلدين، و تمكن إيران من خدمة المصالح الأمريكية و الغربية و الصهيونية أحيانا كثيرة و بشكل متميز حتى لو لم تعلن هي أو أميركا عن ذلك، كما نرى ذلك حاصلا على الجبهة السورية مثلا ، و كذلك في مواجهة ما يسمونه بالإرهاب و محاربة داعش خلال الفترة الماضية ..

* الخلاف و النزاع الأمريكي الصيني :

العلاقات الأمريكية الصينية ليست في أحسن أحوالها دائما أو غالبا، و هذا ليس جديدا، و ربما آثارها التاريخية تعود إلى مخلفات و ذكريات الحرب العالمية الثانية، لكن صعود نجم الصين كقوة إقتصادية و سياسية و عسكرية و تكنلوجية و بشرية عظمى جعل من الصين صداعا دائما و قلقا مستمرا لأميركا و حلفائها ربما أكثر من أي شئ آخر ..

كان عام ٢٠١٧ عاما صعبا و حساسا للعلاقات الأمريكية و الصينية، و ربما كان سيكون عاما متفجرا دمويا لو أساءت كوريا الشمالية التقدير و التوقيت في تصعيد ملفها النووي أكثر قليلا ..

فمنذ فترة طويلة، و كما أشرنا نظرا للعلاقة و الإرث التاريخي الطويل، و لوجود كثير من الملفات و التفرعات الحساسة و المقلقة للعلاقات ما بين البلدين، فأننا نجد أحيانا و كأن الإدارة الأمريكية كانت تتحين الفرص و تقتنصها لتفريغ شحنة من قلقها و غضبها و ثورتها لسبب ما في وجه العملاق الصيني، لكن سرعان ما كانت الأمور تعود لمجاريها..

و برأيي أنه لا أميركا و لا حلفائها باتو ينظرون بجدية لمواجهة حاسمة عسكرية أو غير عسكرية مع الصين، نظرا لضخامة حجم العملاق الصيني و صعوبة تهديده و التأثير عليه، عدا خصوصية العلاقات التجارية و المالية و الإقتصادية بين الغرب بشكل عام و الصين، و الذي يميل لصالح الصين على الأغلب، خاصة و أن الأمور العالقة أو المختلف عليها بين البلدين بشكل خاص لم تكن بتلك الدرجة من الخطورة و الحساسية، لولا بروز النزاع النووي مع كوريا الشمالية و خصوصية علاقتها مع الصين التي تعتبر الداعم و الجار و المصدر الرئيس لكثير من إحتياجاتها ..

و لو راجعنا الملفات السياسية و التجارية، لوجدنا و كما أشرنا عددا من الملفات العالقة بين البلدين، منها وضعية تايوان التي لا زالت الصين تعتبرها جزء منها و تطالب بعودتها تحت السيادة الصينية في حين تعتبر واشنطن من الحلفاء القليلين لها، كذلك هناك الخلافات الصينية بخصوص بحر الصيني الجنوبي و إمتداد العملاق الصيني فيه و معارضة عدد من دول المنطقة لذلك، و وقوف أميركا في مواجهة الموقف الصيني، كذلك نجد هناك الخلاف الصيني الياباني بخصوص بحر الصين الشرقي، خاصة و أن اليابان تعتبر حليفا إستراتيجيا لأميركا..

فلو أضفنا كل هذه الملفات الملتهبة إلي الخطورة التي تستشعرها واشنطن من صعود نجم الصين دوليا في مجالات عديدة، عدا تفوقها الكبير من حيث المساحة و الموقع الجغرافي و الكثافة السكانية، لوجدنا أن واشنطن تنتظر أي فرصة للإنقضاض على العملاق الصيني عسى أن تكون قادرة على الأقل الإبطاء من نموه و تطوره و توسعه و سيطرته إن لم يكن ممكنا القضاء عليه بشكل كامل ..

خلاصة الأمر، و كما في حالة الخلافات الأمريكية الروسية، و مع وجود الملف الكوري الشمالي ملتهبا و قائما، فأن أي خطأ مقصود أو غير مقصود، إطلاق قذيف أو صاروخ بإتجاه محدد، تصادم بين طائرتين صينية و أمريكية، أو ما شابه، كل ذلك قد يكون كفيلا بإطلاق الشرارة لبداية حرب كبيرة بين الشرق و الغرب حسب المفاهيم القديمة، أو بين اميركا و حلفائها و بين الصين و لا ندري من يقف معها، لكن بالتأكيد ستكون حربا شاملة مدمرة تحرق الأخضر و اليابس، و لو أن

تقديري الشخصي أن الصين و على عكس أميركا لديها قيادة حكيمة فاهمة واعية، و هم يركزون اليوم على الإقتصاد و البناء و حسن الجوار و العلاقات المتميزة مع الكثير من الدول حول العالم، و أعتقد بقوة إنها لن تندفع و لن تستجيب بسهولة للتهور و النزق الأمريكي الترامبي إلا إذا كان ذلك هو الشر الذي لا بد منه ..

* الصراع النووي الأمريكي الكوري الشمالي :

مع وجود إثنين من الأطفال غير البالغين و لا العاقلين و لا الواعين و من المجانين الذين يتحكمون بمصير كل من أميركا و الكوريا الشمالية و ربما معهم العالم كله، و تزايد حدة و شدة و قسوة الظروف و الحصار الذي تعيشه كوريا الشمالية، و محاولة الضغط عليها من قبل أميركا و حلفائها، و إجبار الصين على الإستجابة لهذه الضغوط أيضا، فأن هذا النزاع يعتبر اليوم الأكثر جدية و خطرا و الذي يواجه كوريا الشمالية و أميركا أولا، و معهم كوريا الجنوبية و الصين و اليابان ثانيا، و عددا كبيرا من الدول القريبة لمنطقة النزاع، خاصة و أن الصراع أو الحرب إن حدثت فعلا فستكون حربا نووية ذرية هيدروجينية، أي بإستخدام أسلحة فتاكة غير تقليدية ..

هذا العنصر المدمر القاتل في هذه المواجهة بقدر أهميته و خطورتها، فأنا أعتبر بشكل ما عنصر تهدئة و نوع من الأمان، فالمواجهة إن حدثت ستكون فتاكة مدمرة قاتلة ليس فقط لهذين البلدين بل لكثير من الدول و المناطق، و هذا ما يجعل الجميع، حتى المجانين و المتهورين منهم، أن يعدون ليس فقط للعاشرة، بل ربما للألف أو المليون قبل أن يضغطوا على الزر النووي، و سيحاولون بالتأكيد كل ما امكنهم لوقف تدهور النزاع و الخلاف و دون الوصول إلى مرحلة اللا عودة، و برأيي ربما ستلجأ أميركا و حلفائها إلي إسلوب التخريب الداخلي و الثورة و المعارضة و أساليب أمنية مخابراتية تتقنها جيدا، و لو إن مفهوم المعرضة شبه معدومة في الحالة الكورية، أو اللجوء إلى ضربات إستباقية محددة تقلل أو توقف الخطر الكوري، قبل أن تندلع الحرب الكبرى ..

بالمناسبة، فأن الصراع و النزاع مع كوريا أيضا يعتبر من مخلفات الحروب العالمية، و تصفية حسابات ما بين من ربح و خسر تلك الحرب الأخيرة، و ربما هذه المخلفات كانت و لا زالت تلون سماء العلاقات الدولية رغم مرور أكثر من ستين عاما على إنتهاء الحرب العالمية الثانية، و لو راجعنا و تذكرنا لوجدنا تلك المخلفات عديدة و واضحة في تأثيراتها، من دول عدم الإنحياز و سقوطها و تبعثرها ، و تدمير و تقسيم يوغسلافيا، إلى تحطيم جدار برلين و توحيد ألمانيا الشرقية و الغربية معا، إلى تدمير و تقسيم الإتحاد السوفياتي، إلى موضوع تايوان و هونك كونغ مع الصين، إلى الخلافات المباشرة و غير المباشرة مع الصين و روسيا، إلى موضوع ولادة و بزوغ نجم إسرائيل ذاتها، و هناك كوريا الشمالية و الجنوبية و غير ذلك ..

نعود للتقرير موضوع المقالة، حيث يشير إلى أنه و للأسف فأن هناك إحتمالية كبيرة أن تكون هناك حربا قائمة ما بين كوريا الشمالية و أميركا خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة القادمة، خاصة و أن ترامب و إدارته و فريقه التفاوضي يصر على أن يكون البديل أن يخضع نظام كوريا للإرادة الأمريكية، و يأتي صاغرا لقاعة الإجتماعات و يتقبل الشروط و الإملاءات الأمريكية كاملة غير منقوصة، و على رأسها التخلي عن الأسلحة و التجارب النووية، و كما يبدو منطقيا و عقلانيا هذا أشبه بالمستحيل بعد كل هذا النضال و المعاناة التي بذلتها كوريا و قيادتها و حتى شعبها للوصول

إلى غايته و المرحلة الحالية، ويشبه الكاتب تندرا و هزلا، صعوبة فكرة قبول الرئيس الكوري التنازل عن سلاحه و ترسانته النووية، كصعوبة إجبار ترامب على التخلي عن حبه و ولعه في تناول سندويجات الهامبورغر و البطاطا المقلية من ماكدونالد ..

و يخلص الكاتب إلى توقعاته بهذا الشأن، فيقول أنه و على الرغم من السنين الطويلة التي قضاها متابعا للأحداث و التطورات في آسيا و ما يتعلق بكوريا الشمالية، إلا أنه لم يشعر بخطورة و حساسية الموقف كما هو عليه الآن، و إذا فضلت إدارة ترامب التعقل و التريث و التحلي بالصبر، فأنها يمكنها معالجة الموقف بشكل أكثر هدوءا و إتزانا، و ربما يكون ذلك من خلال إحتواء الرئيس الكوري و كبار قياداته بشكل ما دون اللجوء للخيار العسكري المدمر، بخلاف ذلك و في حالة إصرار الرجل المتهور الثاني، ترامب على الحل العسكري بهدف القضاء علي الخطر النووي الكوري الشمالي قضاءا مبرما، كما يقول و يدعي هو و إدارته، فأننا حينئذ سنكون مقبلين على عام جديد سنشهد فيه حربا مدمرة، نووية كيميائية بايولوجية هيدروجينية سيذهب ضحيتها مئات الآلاف، و على الأغلب الملايين من البشر في كل مكان ..

ما يأمله الكاتب، و ما نأمله و نتمناه نحن أيضا أن تحل الحكمة و التعقل محل التهور و الغباء المطبق ، لكي نتجنب و يجنب العالم محن كثيرة، و نعود لنقول مرة أخرى، أن إنتخاب ترامب كان خطأ أمريكيا تاريخيا كبيرا ربما يكون مقصودا و مخططا له، لكن سيتحمل العالم كله وزره، مع الأسف الشديد ..

لا تعليقات

اترك رد