الفن الرقمي عند المسافة الفاصلة وعند عصام أبو الحسن

 

تساؤلات كثيرة يطرحها الفن الرقمي حول مستقبل العمل التشكيلي فهل يمكن لتقنيات الحاسوب أن تكون بديلاً يشبع الروح ؟ .. وهل يمكنها أن تدخل في إطار عملٍ فنيّ تشكيليّ.. أم هي أقرب إلى التصوير الضوئي، أم لها استقلاليتها عن هذا وذاك ؟.

تظلّ الأفكار الضمنية ما بين خطرٍ يهدد أو وسيلة تخدم .. ويبقى لكل قيمته .. فالعمل التشكيلي بأدواته المعروفة له فرادته كتحفةٍ فنية هي الأصل.. وتعبر عن بصمة الفنان بالفعل والنسخ عنها ما هي سوى أشباه أبناء، ويبقى الأصل عند البنّاء.. أما الفن الرقمي فقد فتح المجال واسعاً للخلق والابتكار، وأتاح المجال لشريحةٍ أوسع لتطرح ما عندها من أفكار.. فكثر عدد المصممين والفنانين، وبقي للزمن مهمته في تحديد فرزهم وانتقاء المبدعين .. فأدوات اللوحة الرقمية أكثر ابتكاراً وحداثة ، ابتداءً من الرسم بالماوس والقلم الضوئي ، إلى برامج تتيح المجال لمعالجة الصور عبر مؤثرات وتعديلات تبعدها عن الأصل لتصير عملاً إبداعياً بالفعل

لكن أهمية الفن الرقمي تأكدت عبر فنانين أدخلوا الروح إلى حواسيبهم فأعطوها من نبضهم وأحاسيسهم وأعطتهم كل الدروب المؤدية إلى فهم أفكارهم وترجمتها فشكلوا معاً كينونة لا تتجزأ عمادها أفكار وفنان وإنسان وأجهزة تعالج ما يطلب منها بأمان عبر برامح مطاوعة ومفتوحة فكانت الأوامر تختصر المساحات وكان القلم الضوئي يحل مكان الفرشاة أما المعرض الأول لهذا الفن فقد كان للمهندس عصام أبو الحسن هو واحد من الفنانين الأكثر بروزاً وتمثيلاً لذاك الاتجاه عبر غزارة في الكم والنوع امتاز بها فكانت لوحته بحق منافساً قوياً ليكون رائداً لفن تتشكل ملامحه المستقبلية بسرعة حاجتنا إليه وبسرعة قدرته على اختصار الزمن ولأن الفنان عصام يعرف ما يريد ابتداءً من موضوعه الأولي الذي يعيش معه قصة عشق صوفية فيصوره من جوانب عدة ثم يمارس عليه لعبته مستفيداً من كل ما يخدمه من تطبيقات الفوتوشوب وبرامجه المطورة و مستنبطاً كل جماليات موضوعه ليقدمه لنا بما يتوافق مع رؤاه التجريدية التي لا تخلو من إيحاءات ودلالات تخدم الفكرة والتعبير فهو يمتلك تلك الفرادة وتلك الخصوصية وهو يدعونا لنشاركه فرحه مع الطبيعة التي صارت ترقص حيناً وتتكور في أحيان أخرى حزناً فهي الشاهد الوحيد على كل ما مرّ من أحداث و هي لن تتوانى عن التحول موغلةً غضبها وأشواكها في وجه كل من حاول حرقها والاعتداء معتقداً أنه يستطيع قتل الشاهد الأخير بلا حياء عصام أبو الحسن يكشف عبر أدوات معاصرة عن كل تلك الحالات وعن كل تلك اللحظات ثم يهرب في بعض أعماله إلى زمن آخر عبر وشاح شفاف يرقص إلى أن يتلاشى كما جسد أنثى وكما الدخان ثم إلى لحظات أكثر هدوءاً عبر وردتين يفوح منهما نقاء الحب و سكون وصفاء الفجر بكل انعكاساته الضوئية واللونية الحالمة

وفي أعمال أخرى نجده يقدم تكوينات من روح الخط والحرف العربي لا تخلو من انسيابية آسرة كما بقية أعماله وكما خياراته اللونية المنبثقة عن ظلالها الساحرة


يتحدث عصام أبو الحسن عن طريقة عمله في هذا المجال فيقول:

أنا أقوم بتصوير المواضيع بكاميرا ديجتال احترافية، وأختار بعض اللقطات التي تصلح للعمل عليها، أضع مخططًا لما أريده من هذه الصورة، وهناك ثلاث حالات الأولى : تعديل بسيط على الصورة من ناحية الإضاءة واللون أو الكثافة والظل والنور إلخ، وبذلك أحصل على صورة مطابقة للأصل ولكن برؤية مختلفة.

والحالة الثانية: هي المحافظة على الصورة مع بعض التعديلات أو الإضافات والمؤثرات التي تضيف للصورة قيماً جمالية، وتجعلها أقرب إلى الرسم..

الحالة الثالثة: وهي تعديل كامل للصورة بحيث إنها تختلف تماماً عن الأصل، وهي أقرب إلى العمل التجريدي ولكن باستخدام عناصر الصورة الأصلية نفسها.

وعن مميزات هذا الفن يقول: إن العمل الواحد يمكن تعديل ألوانه بحيث يناسب المكان الذي سيعرض فيه، وبواسطة الطابعات الحديثة يمكن طباعته على مواد مختلفة كالورق والقماش والزجاج والخشب إلخ… كما أنك تستطيع طباعته بمقاييس مختلفة حسب الرغبة.
ورداً على الانتقاد الذي طال الفن الرقمي عموماً يقول: لو تابعنا تطور الفن التشكيلي سنرى الوضع نفسه.. كل مدرسة جديدة كانت مجالاً للانتقاد وهكذا حتى الآن.. حتى في الموسيقى، وأتذكر الآن أول أغنية لأم كلثوم أُدخلت فيها الآلات الغربية، والهجوم الكبير عليها، واليوم لا تخلو فرقة موسيقية من هذه الآلات

في النهاية أقول :
ربما استطاع الفنان عصام عبر نتاجه الغزير وخطواته الراسخة أن يقدم لنا على أقل تقدير تصوراً عما سوف تثمر عنه تقنيات الحاسوب، بحيث تتسع للتعبير عن شكل الفن القادم والجديد ، فرغم كل المواقف المسبقة المتعلقة بالفن الرقمي على اعتبار أن الحاسوب ينتج من العمل الفني ما يمكن طباعته ملايين النسخ المكررة دون أن تستطيع تمييز الأصل تبقى اللوحة الرقمية فن قائم بذاته له خصائصه المستقلة ضمن التصنيف الذي يوضع فيه فلا يمكن أدراجه ضمن التشكيل كما لا يمكن أدراجه ضمن التصوير الضوئي ربما كان يتجول عند المسافة الفاصلة وربما كان مفتوحا ومتاحا لنواح تطبيقية أكثر وذلك عبر الاستفادة منه في مجالات الإعلان وفي صناعة الأفلام السينمائية , كما أن العقول المنفتحة مواكبة دوماً لتغيرات العصر وكلما كان الإبداع قوياً و غرائبياً كلما كانت محاولات التهميش أقوى .

شارك
المقال السابقمعيار الكفاءة
المقال التالىقوة الدائرة
حسين صقور.. (الفينيق) فنان وناقد تشكيلي.. يكتب القصة والشعر وقد صدر له حديثا كتاب شعري بعنوان حين تشتعل الحروف شارك في عدة أمسيات كما أقام عدداً من المعارض الفرديّة والجماعية وملتقيات بالإضافة إلى مشاركاته في معارض الربيع ومعارض الخريف والمعارض السنوية لفناني القطر وكافة معارض اتحاد التشكيليين .. أع....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. كلما سار بنا الزمن للامام وضع بين ايدينا ادوات جديدة اكثر فعالية تختزل من الوقت والجهد أكثر ويجعل من هذه العوائق والعراقيل المادية اقل تاثيرا على فنية العمل وهذا اجمل ما بالامر واكثر ما يبرر جدواها وضرورة تطورها … اتفق مع ما جاء في المقال بأن هذه الادوات خلقت فنا جديدا موازيا يحمل صفات بعض الفنون من الرسم التشكيلي الى التصوير الضوئي وهذه الموائمة والممازجة تمت بابداع بشري محض وعلينا الترحيب بهذا المولود الغض والعمل على بث الروح فيه لا طمسه والتقليل من شأنه من قبل ارباب سالفه من باقي الفنون ومدارسه تحت اي مسمى … في الفن طالما ان التقنية تقوم بمهمة الرسول وليس الخلق فهي في مسارها السليم .
    محمد شامية

اترك رد