التكرار والاجترار من سمات الحداثة الفنية – ج 3


 

إن التاريخ “الممزق” الذي نعيشه كما أوضحنا آنفا وبينا بعض أسباب تمزقه وتشظيه، وما خلفه ذلك من آثار سلبية على فكرنا وثقافتنا وفنوننا الحديثة والمعاصرة، يحدد هويتنا الثقافية وجنسيتنا الفكرية، تلك الهوية التي لم نستطع بعد الوقوف على معالمها، وتحديد بنياتها التي تتنازعها أيادي التاريخ “الممزق” وترمي بها على حافات جزر لا يربط بينها رابط، ولا يمكن اختراق حدود الواحدة منها للوصول إلى الأخرى. إن تاريخ الفكر العربي، وحينما أتحدث عن الفكر العربي في مجمله، لا أستثني “الفكر التشكيلي” إذا صح هذا التعبير، نجده كما بين ذلك محمد عابد الجابري، تتجاذبه حقب تاريخية ثلاث: العصر الجاهلي والإسلام والعصر الحديث، مع العلم أن العصر الجاهلي يعد فترة “ما قبل التاريخ” وأن الإسلام كان بداية للتاريخ، مع عمليات التدوين التي شملت جميع فروع الثقافة العربية من علوم الدين وعلوم الكلام وترجمات وغير ذلك،

نتساءل إذا كان جائزا إسقاط التحقيب نفسه على تاريخ الحركة التشكيلية العربية، واعتبار ما قبل ستينات القرن الماضي فترة ما قبل تاريخية، ومن بداية الستينات إلى أواسط الثمانينات، مرحلة ازدهار، فيها تنمى نسبيا الوعي بالذات المبدعة وتشكلت نواة “الحداثة التشكيلية العربية”. واعتبار ما جاء بعد الثمانينات، فترة غير واضحة المعالم تميزت بالتعددية والتراكم والفوضى والتكرار والتهجين.

حاولت الحداثة التشكيلية بصيغتها العربية، تأسيس هيكل شرعيتها انطلاقا من إعادة الاعتبار للموروث الثقافي والجمالي، بإبرازه، مستلهمة وجودها من ذاكرة الفنون الإسلامية، كالحرف العربي والأرابيسك… ومستوحية ذاتها، في المغرب العربي على الخصوص، من ذخائر الرموز والأوشام الأمازيغية. وكان ذلك ترسيخا وتثبيتا لمقولة التمسك بالھوية الثقافية والفنية الوطنية، بغية تحقيق الاختلاف عن الآخر. ومن تم تكون الخطوة إلى الوراء، نحو الماضي، مسارا معاكسا للذي قطعته الحداثة الفنية الغربية التي “حاولت إيجاد ھوية ثقافية وحضارية شاملة (عالمية) الملامح، متجاوزة بذلك حدود ھويتھا الثقافية والحضارية والجمالية الضيقة المستمدة من تاريخھا، متخلصة من عقدة (الھوية)، ومن التعصب لھا، وصولاً إلى تعريف شامل للفن والإبداع والإنسان، بين الاعتراف بالمنجز الجمالي للآخر المختلف والمتخِّلف”(كنعان). وجاء ذلك كنتيجة حتمية، بل اعتبره النقاد تتويجا لبحث مجدي ومتواصل عن الجديد والجدة، ومغامرة جمالية كان لها الصدى القوي، امتد لعقود من الزمن، بل لقرون فاقت التاريخ والجغرافيا الأوروبيين. فأطلق العنان لحرية الإبداع واخترقت الحدود وانتهكت المعايير المتخشبة، وأخذ العمل الفني والتجربة الجمالية أبعادا مفهومية جديدة، خلقت انبهارا لدى من حاول تتبع خطى الحداثة الغربية واقتفاء آثارها، ليجد نفسه في مواجهة تجارب تتجاوزه في الزمن والتاريخ.

إن الحقيقة التاريخية والجمالية تكشف بوضوح أن هناك حداثات مرتبطة بكل قطر من أقطار الوطن العربي، لكل منها رؤاها الخاصة وهمومها الذاتية حاولت التعبير عنها بأشكال ومضامين مختلفة المتوح، والحقيقة التي لا يجب نكرانها او تجاهلها أن تعدد الحداثات وتنوعها واختلافها لم يكن أبدا صحيا بالنسبة للجسد التشكيلي العربي، بل شاهد على أوضاع التشتت والعزلة الناتجين عن الأزمات والاختناقات التي عرفها الوطن العربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا. لم تكن لدى رواد الحداثات في الوطن العربي رؤية موحدة لبناء حداثة عربية فنية أصيلة، تنافس قرينتها الأوروبية، وتكون لبنة جديدة أضيفت إلى صرح تاريخ الفن العالمي.


“لقد ابتدأ الفن العربي الحديث محاكيا لمظاهر الفن الغربي وكان على الفنان العربي أن يعيش صراعا داخليا بين الأسلوب المستورد وبين المضمون المعاش”(بهنسي). الواقع أن الفنان العربي “ابتدأ” وما زال يحاكي مظاهر الفن الغربي لأنه يعيش على ثنائية الاستيراد/الاستهلاك. ورغم محاولات الرواد التي سجلها لهم (عفيف بهنسي) كمبادرة محمودة “لإبراز خصائص الفن التقليدي القديم، على الرغم من غياب الدراسات الجمالية والتاريخية التي تفسر وتعرف بالفن العربي القديم”(بهنسي)، فإن تلك المحاولات بدون استثناء كانت عبارة عن مضامين صبت في قوالب فنية/تشكيلية مستوردة، لم تكن للفنان العربي أية يد في تأسيسها ولا في تكوين بنياتها، فهي “لم تكن على صعيد واحد من الأصالة ومن الانتماء العربي”. ففي الشرق مثلا، اعتمدت الأساليب الشعبية بمواضيعها وأشكالها لبناء فن أصيل، بعد هيمنة الأساليب الاستشراقية، إلا أن المحاولات ركزت على الموضوع دون الأسلوب الذي يتميز به الفن الشعبي التقليدي وبه تتحدد معالمه، فبدت النتائج مفتعلة وغير أصيلة. نفس الملاحظات يمكن تعميمها على الخط والرقش ومحاولات اقتباسهما كمواضيع لتأسيس الفن العربي وتأصيله. كانت التجارب مقبولة لو صحبها الابتكار والتجديد، لكنها بدت تكرر الماضي وتصب محتوياتها في قوالب تنتمي أصلا إلى نزعات غربية حداثية متجاوزة.

والمتعارف عليه أن الجديد الذي عرفه الفن التشكيلي عبر التاريخ لم يقتصر على المضامين وحدها، بل تجاوزها إلى “عالم الفن” Le monde de l’art. فقد يلاحظ المتصفح لمجلدات تاريخ الفن العالمي، أو الزائر للمتاحف الغربية تواتر مضامين بعينها (دينية، اجتماعية، بورتريهات، ملاحم…)، لكن تناولها يختلف من مدرسة إلى أخرى، عبر رؤى إستيتية وخامات وتقنيات تشكيلية متعددة. فالموضوعات الكبيرة لا تضمن بالضرورة خلق عمل فني عظيم، أي أن أكثر من لوحة جميلة لا تعتمد على موضوع جميل.

هذا لا يعني بتاتا إسقاط المضمون واستثناؤه كطرف فاعل في فهم بنية العمل الفني. “إن الشكل الجمالي للعمل الفني يشمل دلالاته الثقافية وكذلك صفاته الحسية؛ التي بدورها تعد مصدر المتعة والبهجة. وليس بالضرورة أن يساء فهم القيم الروحية للفن والاعتقاد أن التمتع الجمالي هو واحد من وظائفها” (مونرو).

لم تتوصل الحداثة الفنية العربية إلى الإتيان بالجديد، الذي لم يشاهد مثيله من قبل، بل أخفقت في إبداع قوالب تشكيلية جديدة مغايرة للسائد، وفي الإتيان برؤى جمالية “عربية” خاصة. “لقد تمثل ھذا الإخفاق أول ما تمثل في المدرسة الحروفية، التي تعتبر واجھة الخطاب الحداثي التي استندت في حقيقتھا إلى المدرسة الحروفية الغربية التي ظهرت في أوروبا وفرنسا تحديداً في أربعينيات القرن العشرين”(كنعان).

وعكس ما يعتقد العديد من النقاد والمتتبعين، لم تكن التجارب الفنية التي جاءت بها الحداثة بنسختها العربية، تشهد على وحدة في التوجهات والرؤى، وتقارب في الأفكار خلال المعارض المشتركة التي جمعت بين فناني الأقطار العربية، ويشهد على ذلك التضارب والتباين والصراعات التي أدت إلى فشل العديد من المشاريع، كمشروع البينال العربي، الذي كان بمثابة فرصة لتبادل الخبرات والرؤى والمهارات وصقل الممارسات ونشر الأخبار، يمكن على إثره تحديد “أوجه التوحد والتلاقي لتكوين فن عربي حديث، ذي شخصية متميزة، سعت إلى إنقاذ الحداثة الفنية من العدمية”. (بهنسي)

يقول الفنان فريد بلكاهية: “المهم أننا أضعنا فرصة كان ممكننا أن نطرح ونثير فيها عددا من المسائل، لا تعطي حلا، بل فقط أن نقول بأن هناك مرضا في البينال في بلادنا نفسها، وأن العلاج يمكن إيجاده مع الزمن”. بل إن محمد المليحي، زميله في درب الريادة الحداثية يعتبر البينال ” قنبلة ذات مفعول بعيد المدى”، مازالوا أنفسهم يستنتجون عددا من الأمور التي لم يكونوا يدركونها قبله. (الثقافة الجديدة)

هل تحقق فعلا الإنقاذ من العدمية الذي تحدث عنه بهنسي؟ وهل توصل الفنان العربي، مع الزمن إلى العلاج/الترياق للوضعية المأساوية والمتأزمة التي أصبح يعيشها الفن في الوقت الراهن؟

نجد جوابا مقنعا لهذا التساؤل عند عبد الكبير الخطيبي، الذي يرى أن محاولات الفنان العربي في ترويضه للماضي لم تكن سوى “تعبيرا عن الحنين الانطوائي وتقديسا للرقع والأطلال (…) دون أن يبتكر المستقبل حتى يتجرد العمل الفني وينفلت من الزمن”. ولا ننس أن ل “ترويض الماضي” معنيين مزدوجين، ماضي المضمون وماضي الشكل.

خلاصة القول إن هذا كله لا يمنع من الاعتراف أن اهتمامات الفنانين العرب كانت جادة إلى حد كبير رغم التفاوتات الملحوظة على صعيد الرؤى والأفكار، وتنوع المرجعيات، مما أعطى نتائج وممارسات تشهد على مستوى الإبداع التشكيلي الذي وصل إليه الفنان العربي الفرد.

* هوامش:

– إياد كنعان، إشكالية “الحداثة” الفن التشكيلي في الوطن العربي، جريدة الدستور، 30 نونبر 2012
– د. عفيف بهنسي، رواد الفن الحديث في البلاد العربية، دار الرائد العربي، الطبعة الأولى، بيروت لبنان، 1975
– عبد الكبير الخطيبي-الفن العربي المعاصر، مقدمات، ترجمة فريد الزاهي – شبكة قامات الثقافية.
– Thomas Munro- Les arts et leurs relations mutuelles, Tr. J.M.Dufrenne, PUF, Paris 1954
– الثقافة الجديدة-السنة الثانية، عدد 7، ربيع 1977.

لا تعليقات

اترك رد