العراقيون بين شهادة الحياة و شهادة الوفاة

 

مع بداية كل عام تنشغل دوائر التقاعد العامة و دائرة التصديقات بوزارة الخارجية والدوائر القنصلية و سفارات العراق حول العالم بجباية رسوم بقاء المتقاعد على قيد الحياة إذ أن إضافة عام جديد لعمره يعني أنه سيستمر بتحميل الحكومة هم بقائه حياً بدفع راتبه التقاعدي علماً أنهم إنما يعيدون له أمواله التي استقطعوها من رواتبه أيام كان مستمراً في الوظيفة ، عندما كانت تجبى منه الدنانير ذهباً ( الدينار كان يعادل 3,3 دولاراً ) و شغلوها في المصرف المركزي طيلة تلك السنين و انتفعوا بفوائدها لتعود إليه بتراب قيمتها محملة بالمنّ و الأذى . و شهادة البقاء على قيد الحياة التي يجب على المتقاعد تقديمها كل عام إلى مديرية التقاعد العامة بعد استحصالها من سفاراتنا إن كان مقيماً في الخارج عدا موضوع جباية الرسوم لا حاجة فعلية لها على الإطلاق إذ أن استلام المتقاعد راتبه بنفسه في الشهر الأول من السنة بواسطة البطاقة الذكية معناه انه لازال على قيد الحياة إذ ليس من المعقول أن يكون ذووه قد قطعوا إصبعه بعد موته و احتفظوا به في المجمدة لغرض استلام راتبه ببصمة إصعبه .
كل يوم تتفتق العبقرية الإدارية في العراق و هي سادرة في بيروقراطيتها اللذيذة عن أحكام و طلبات جديدة تشغل بال و وقت و جيوب و أعصاب المواطن اللحوح البَطِر و العجول لإنجاز معاملته .
الموظف الذي سُمح له بالتدخين أثناء العمل (لأن المراجعين يثيرون أعصابه) ينفث دخانه في وجهك بعد صفنة طويلة ويطلب منك دفتر الخدمة العسكرية ضمن المستمسكات المطلوبة لإنجاز معاملتك و هو يعلم أن دوائر التجنيد التي تصدر هذه الوثيقة ألغيت عندما حُل الجيش العراقي ( الأصلي ) و على فرض أنك فقدت هذه الوثيقة فلن تستطيع تعويضها و بالتالي لن تنجز معاملتك ، ثم لماذا يريد أن يعرف تفاصيل خدمتي العسكرية في جيش لم يعد موجوداً ؟
لكن معاناة العراقيين في قضية إثبات وجودهم تبدأ قبل ذلك بكثير ، من لحظة ولادتهم ، اليوم يعاني ملايين العراقيين النازحين من مشكلة استخراج بيانات الولادة لأطفالهم و بقية المستمسكات الثبوتية بسبب احتراق أو حرق دوائر التسجيل في محافظاتهم ، بعض المسؤولين و لأسباب معروفة يحاولون الإصطياد في الماء العكر فضمن حملة إدعاءات مغرضة لا أساس لها من الصحة حول آلاف الولادات التي حدثت في مناطق تواجد داعش أبان استباحتهم إياها إدعى عضو مجلس محافظة بغداد في لقاء تلفزيوني سابق أنهم لآباء أجانب ينتمون لهذا التنظيم و الحقيقة أن آباءهم قتلوا أو اختطفوا في تلك الأحداث و لا علاقة لهم بهذا التنظيم و قال أنهم سيصدرون لهم بطاقات كتب فيها ( كريم النسب ) ، و (كريم النسب) بنظر جناب العضو كريمِ النسب تكريمٌ لا تحقير !
ولا تنتهي معاناة العراقي حتى بموته فشهادة الوفاة هي الأخرى معضلة كبيرة ، الشهر المنصرم خرجت نسوة في تظاهرة مطالبات بمعرفة مصير أبنائهم المغيبين منذ سنوات وكان من بين مطالبهن الحصول على شهادة وفاة أبنائهن إن كانوا قد ماتوا فهناك حقوق شرعية يجب تصفيتها بعد معرفة مصائرهم .
الروتين الإداري ضارب في القدم في الدولة العراقية و يمتد لأيام الحكم العثماني و لا مجال للتخلص منه إلا بثورة إدارية لا وقت لحكومات هذه الأيام للقيام بها . حادثة طريفة كنت شاهدا عليها في زمان كان للمشمولين بنظام الرعاية الإجتماعية حصة شهرية من المواد الغذائية انقطعت عن أحد المشمولين و كان شيخاً طاعناً في السن و وحيداً لم يتزوج في حياته و عند مراجعته للدوائر المختصه طلبوا منه شهادة وفاة والديه ليثبت لهم أنه بدون معيل ينفق عليه ! و هذا الشيخ المسن توفي والده في أربعينات القرن الماضي و تعذر عليه الحصول على شهادة وفاته حيث لا تتوفر سجلات تلك الحقبة ، عندها طلب منه الموظف مضبطة من مختار و اثنين من الشهود عاصرا والده و شهدا وفاته ، قال له أن ذلك الجيل انقرض كله و لم يبق منه من يشهد بذلك ، تطورت القضية و وصلت الى القضاء الذي وجه له تهمة دفن والده بدون إخبار السلطات قرر محاكمته ! تنازل الرجل عن حصته وفضل حريته على حصته التموينية !
لكي تثبت لهم أنك على قيد الحياة لا يكفي أن تكون كذلك و البعض لا يريدك حياً و البعض الآخر يقيس بقاءك حياً بمقدار الضريبة التي تدفعها لقاء ذلك و الا فلا مانع لديه من امتلاء اشارات المرور بالشحاذين و الأرصفة بالمشردين فهؤلاء لا يدفعون الضرائب
لكي تثبت لهم أنك ميت لا يكفي أن تكون ميتاً بالفعل حتى لو قتلوك و دفنوك بأيديهم .
أين المفر ؟

لا تعليقات

اترك رد