احداث ايران الاخيرة : انطباعات وذكريات من التاريخ


 

اذكر انني اشرت في مناسبات عديدة الى كرهي الشديد للحديث عن المستقبل الذي يصاغ أحياناً بشكل نبوءات قاطعة كما اكره تلك التحليلات او التعليقات التي تخلط بين الأمل والتوقع وما أكرهه اكثر هي السماجة والسخافة التي تسود تعليقات دونالد ترامپ بشأن التطورات الاخيرة في ايران ولعل هذا الرئيس الجاهل لايعلم من فرط جهله انه يسيء ايما إساءة الى الشعب الايراني والى قضية المتظاهرين في الشارع بسبب حساسية تاريخية مفرطة تجاه اي تدخل امريكي او اجنبي في الشأن الايراني . من اجل ذلك سأقدم قراءة تاريخية في محاولة لفهم مايجري واعتقد بشكل قاطع ان حركة التاريخ ذات نهايات متعددة الاحتمالات ويصعب توقع ثمار حركته المباشرة رغم ان المحصلة العامة قد تكون من جنس غير ماتوحي به الاحداث اليومية التفصيلية .

حين عملت دبلوماسياً في طهران مطلع التسعينات في المرحلة التي تلت الحرب العراقية – الايرانية كنت استمع من بعض المواطنين الايرانيين العاديين الى بعض الشكاوى من نوع التي يرفعها متظاهروا اليوم في شوارع المدن الايرانية وايضاً من نوع تلك التي رُفعت خلال الثورة الخضراء لعام ٢٠٠٩ ؛ ذات الشكاوى وان كان يُعبَّر عنها بنِسَب متغيرة من ذات الشعارات حسب كل مرحلة ، ولكن هنالك شكوى دائمة من طبيعة النظام القائم حالياً ، وكذا كان الحال مع الذي سبقه او ماقبل الذي سبقه ؛ أسباب التذمر لها جذور في الشخصية الايرانية وفي طبيعة التركيبة السكانية لهذا الشعب وفي تراثه الثوري – الديمقراطي ، وهي تتزايد في عصر اصبح فيه العالم متصلاً ببعضه بفعل وسائل التواصل الحديثة ؛ هنالك أسباب ذاتية تعود الى تزمت النظام وشيوع الفساد جراء تعدد مراكز القوى وتقاسم مناطق النفوذ في ساحات الحياة الايرانية العامة ، ومن المؤكد ان عوامل التذمر ليست مصنوعة او مجلوبة من الخارج ولكنها أصيلة متجذرة ؛ لكن لابد من الإقرار ان هنالك دائماً عوامل قوية مضافة جراء التدخل الخارجي تساهم في صناعة حالة التذمر لكنها وفق معطيات علم الاجتماع السياسي وبديهياته لن تكون قادرة على صناعة حالة عامة من التذمر تصل حدود المواجهة مع أنظمة سياسية لاتنقصها الشراسة في الدفاع عن مواقفها ، ناهيك عن وجودها ذاته .

مظاهرات ايران الحالية ليست ظاهرة مستحدثة فقد كانت التظاهرات موضوعاً دائماً في تقارير عملنا خلال فترة التسعينات ثم أصبحنا نتابعها باستمرار عبر وسائل الاعلام والاتصال العام فيما بعد وان كانت الأسباب متنوعة ، لكنها في الجملة تتضمن التعبير عن الاحتجاج على سياسات داخلية كالانفاق على التسلّح واستمرار الاقتصاد أسيراً لاسعار النفط وسوء توزيع الثروة الوطنية بفعل تعدد مراكز القوى السياسية والاجتماعية واعادة التموضع الاجتماعي لشرائح محددة على حساب شرائح اخرى …الخ ، وخارجية تتضمن الانفاق على سياسة خارجية ذات جوهر ايديولوجي في ظاهرها دون عوائد مادية فورية او منتظرة ؛ لقد بلغت كلفة هذه السياسة حوالى ستة مليارات دولار في سوريا وحدها سنوياً وهي لاتمثل اي نوع من الاستثمار ( كانت السياسات الاستعمارية ذات الطبيعة التوسعية ومازالت تحظى بشعبية كبيرة في الإمبراطوريات السابقة او الحالية لانها امنت سبل الازدهار وفتح الاسواق والهيمنة على الموارد وهذه ليست الحال بالنسبة للوضع الايراني ) كما يجري الحديث الان عن كلفة اجمالية بلغت حوالى مائة مليار دولار لهذه السياسة الخارجية في الاقليم المحيط وحده خلال السنوات القليلة الماضية ، وهذه السياسات الخارجية يدفع المواطن الايراني أثمانها من قوت يومه ومن مستقبله في ظل اقتصاد تمتص الزيادة السكانية لوحدها معظم عوائد نموه المتعثر اصلاً ويشكل الشباب الاكثر عرضة لنتائج التعثر الاقتصادي أوسع شرائحه . كما ينبغي الاّ ننسى ان الشعب الايراني لاتنقصه الذخيرة التاريخية في اسقاط الأنظمة عن طريق التظاهر . خلال القرن العشرين وحده تم اسقاط نظام الشاه مرتين من خلال المظاهرات ومرتين مع نظام مصدق أولاهما جاءت به وثانيهما أسقطته ، وهي احد العوامل التي فرضت على نظام الجمهورية الاسلامية تنويع العابه السياسية مثل ممارسة لعبة المُلا الضاحك المتبسم والملا العابس المتجهم ، او من يسمون في الادبيات المتداولة بالمعتدلين والمتشددين .

هذا الإيجاز صحيح بالجملة لكنه لايقدم كل الحقيقة عن الوضع في ايران وأسباب استمرار النظام رغم هذا التاريخ الطويل من التظاهرات والاحتجاجات ؛ لابد من الاعتراف هنا بحقيقتين : الاولى ان للنظام قواعده الشعبية المستعدة لدعمه واعتبار أمنه قضية وجود بالنسبة لهذه القواعد . الثانية هي تطور مدرستان في قلب النظام الايراني القائم حالياً تحت مظلة ولاية الفقيه ، ومن اجل فهم هذه الاحجية الاخيرة لابد من العودة قليلاً الى تاريخ وتقاليد السياسة الايرانية منذ مطلع القرن العشرين حيث شكلت هذه المرحلة منعطفاً لازالت ايران تعيش تفاصيله ولعلها تقدم تفسيراً لظاهرة التظاهر المستمر طوال القرن العشرين والعقد والنصف الماضيين من هذا القرن في ظل أنظمة مختلفة وما قد يمكن ان تؤول اليه .

ان الامر المدهش في هذا المنعطف الذي بدأ قبيل سقوط الاسرة القاچارية عام ١٩٢٥ هو ظاهرة سرقة الثورات الساعية لتحقيق قيام نظام ديمقراطي ؛ هذه لعبة تكررت في التاريخ الايراني الحديث وخاصة منذ بداية القرن الماضي . في عام ١٩٠٦ حين أفلحت التحركات الشعبية التي عرفت بالحركة الدستورية في فرض ارادتها على الشاه القچاري وتم إصدار دستور وتأسيس پرلمان لكن هذه الثمار سرعان ماتعرضت للسرقة على يد طاغية جديد هو رضا خان الذي اعتلى السلطة والعرش فيما بعد وأحال الپرلمان الى مؤسسة تابعة لرغباته وارادته ؛ لقد كان هذا الشاه الجديد واقعاً تحت تأثير ماتم انجازه في تركيا تحت قيادة اتاتورك وشرع في حملة تحديث للبنى الاقتصادية والاجتماعية للبلاد قادت الى تفكيك المجتمع الايراني التقليدي وخاصة في المدن الكبرى ومنها طهران بشكل خاص . عرفت ايران خلال عهد هذا الطاغية أشكال عديدة من التقدم على الجبهات الاقتصادية والاجتماعية لكنه أمسك بالسلطة بيد من حديد . لقد ظهرت خلال عهده تحركات سياسية معارضة عديدة جراء اعادة التموضع الاجتماعي لشرائح واسعة من المجتمع الايراني وظهور طبقة وسطى واسعة فضلاً عن تنوع التركيبة الاثنية والطائفية للبلاد وعدم قدرة النظام على التعامل معها على قدم المساواة ، وكان مصير هذه المعارضة القمع ولكن قدوم الحرب العالمية الثانية وانحيازه لدول المحور قاد الحلفاء الى إقصائه وإحلال ابنه محمد الذي ورث كل تركة والده .

في مطلع الخمسينات عادت الحركة الديمقراطية الى اليقظة من جديد مع قدوم مصدق الى رئاسة الحكومة ؛ كان الموضوع الذي طغى على سطح الاحداث هو تأميم النفط ، ولمن يدقق في وقائع الاحداث سيكتشف ان قضية النفط جاءت في سياق قضية أوسع تلخصت في اهتمام مصدق بتفعيل سلطة الپرلمان في مقابل سلطة الشاه . لقد تعرضت الحركة للتآمر الدولي والأمريكي تحديدا في إطار التنافس الدولي داخل المعسكر الغربي لاعادة توزيع النفوذ بعد الحرب العالمية الثانية ومحاولات امريكا الحلول محل الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة . لقد تم اسقاط نظام مصدق من خلال مظاهرات نظمتها المخابرات الامريكية وفقاً لما تم نشره من وثائق في فترات لاحقة .

لقد تكررت القضية مرة اخرى في الحراك الشعبي ضد نظام الطغيان الشاهنشاهي خلال عامي ١٩٧٨-١٩٧٩ . علق الايرانيون امالاً كبيرة على الثورة الجديدة لاحلال نظام ديمقراطي جديد ومن اجل ذلك تشكّل تحالف واسع ضم طلاب الجامعات والحوزات الدينية وتجار البازار وعشرات الالاف من اصحاب الدكاكين الصغيرة والمثقفين والعمال والموظفين وأبناء الارياف . خلال هذه المرحلة كانت منظمات رجال الدين هي الاكثر تنظيماً والأوسع انتشاراً على الخارطة الايرانية وقد امتد نشاط هذه التنظيمات من الريف الى المدن ولم يكن يدور في خلد اياً ممن شاركوا في هذا الحراك الواسع ، باستثناء قلة صغيرة ، ان الامر سينتهي بنظام مفرط في ثيوقراطيته كما هو الحال في النظام الحالي . لقد كانت الخطابات التي وجهها الخميني وألهبت الشارع خلال تلك الفترة تتضمن الوعد باقامة نظام ديمقراطي يلتزم بضمان حرية الصحافة وحرية التعبير ولم تبدُ من الخميني آية إشارات توحي برغبته في تولي السلطة او اقامة نظام ديني ثيوقراطي يتولى فيه رجال الدين ادارة دفة السلطة والحكم . لقد كانت قضية الاسلام كهوية للنظام القادم في ايران فكرة متداولة في الاوساط الثورية انذاك بما في ذلك الاوساط اللبرالية الايرانية وحتى بعض اليسار الماركسي ؛ لقد رفعت حركة ” حرية أيران ” بزعامة مهدي بازرگان وهي الحركة الاكثر لبرالية في الطيف الثوري انذاك شعارها المشهور ( استقلال ، تحرر ، جمهورية إسلامية ) في الوقت الذي بلورت فيه حركة مجاهدي خلق تفسيرها الخاص للماركسية الاسلامية ، وكان هذا التوجه منسجماً مع التراث الثوري الديمقراطي لايران بدءاً من الحركة الدستورية مطلع القرن العرين وصولاً الى الفكر آذي قدمه الدكتور علي شريعتي والذي حاول في محاضراته المشهورة الموائمة بين الفكر اللبرالي الغربي ( وخاصة أفكار عالم السوسيولوجيا الشهير ماكس ويبر ) والتراث الثوري الغني للمذهب الشيعي وحركات التجديد الاسلامي بشكل عام ؛ لقد كانت قضية تفعيل الإرادة الشعبية تحت مسميات عديدة ، في مقدمتها الديمقراطية حاضرة ، في التراث الثوري الايراني بشكل دائم وخاصة خلال ثورة ١٩٧٨-١٩٧٩ .

في الفوضى العارمة وغبش الشعارات التي رفعت خلال ايام الثورة وهي في أوج استعارها ، استطاع تنظيم الملالي الموالي لخميني من استثمار هذه الوصلة بين الثورة من اجل الديمقراطية والفكرة الغائمة حول الجمهورية الاسلامية الثورية الشيعية لتمرير دستور يقوم على مبدأ ولاية الفقيه وكان ذلك باغلبية شعبية كبيرة ، ولكن لم يخطر في بال الايرانيين انذاك ان الامر سيؤول الى نظام يستحوذ فيه المعممون على الصغيرة والكبيرة وان تتحول بلادهم من نظام الخوف الى نظام الرعب . في أعقاب تلك الفترة مباشرة بات مألوفاً منظر الالاف من الجثث التي علقت على أعمدة النور ورافعات البناء في إطار تصفية جميع الحركات التي عارضت هذه التوجهات حتى تلك التي يعزى لها اكبر الفضل في ادامة الحراك الثوري بين الطلاب والشباب والذي قاد الى سقوط الشاه ومنها تحديداً حركة مجاهدي خلق واليسار الايراني بشكل عام ومنه اليسار الاسلامي من بقايا فدائيان اسلام ،

لقد سارع النظام الجديد ، والنَّاس مازالوا يتظاهرون في الشوارع ، الى تأسيس العديد من الأجهزة القمعية لكي تتولى حفظ آمن النظام وضمان وجود اليات يصعب اختراقها من قبل المعارضين مستقبلاً . تم تأسيس الحرس الثوري وقوات التعبئة وأتيح لمئات الالاف من ابناء الارياف للموالين للملالي الدخول الى مدينة طهران وتم تسليحهم وإسكانهم في جميع المساحات او المباني الفارغة والعمارات غير المكتملة بضمنها دور سكن هؤلاء الذين غادروا ايران خوفاً والذين بلغ عددهم وفق بعض التقديرات حوالي ستة ملايين نسمة ؛ لقد شكل هؤلاء الريفيون الكتلة الصلبة الاولى لقوات البسيج ( الفقراء والمستضعفين ) التي تشكلت بعد اشهر قليلة من سقوط الشاه بأمر من خميني ، وتم تسييس المناصب العسكرية لصالح النظام بعد تصفية معظم أعضاء الصفين الاول والثاني من ضباط الجيش ، كما جرى قمع اي تحرك قومي او نزوع انفصالي على خلفيات اثنية ، وشهدت مناطق الاكراد حملات تصفية دموية ومثلها كذلك مناطق البلوش وعرب الأحواز . لقد كانت ذروة هذه الحملات هي تلك التي شنها الملالي ضد ابو الحسن بني صدر اول رئيس إيراني مدني منتخب ذو توجه لبرالي ، وقد تمت اقالته من قبل الپرلمان الخاضع لارادة خميني ورجال الدين في شهر حزيران عام ١٩٨١ وأدى ذلك الى هربه الى العراق الذي كان يشتبك في حرب دموية عنيفة مع النظام الجديد على خلفية تدخله السافر في الشؤون الداخلية العراقية وتحريضه الطائفي العلني ضد النظام العراقي القائم انذاك . بلغ عدد من تم إعدامهم لاسباب تتعلق بموقفهم السياسي خلال ستة اشهر في تلك الفترة حوالى ٢٧٠٠ شخصاً ، كما امتدت يد التصفية لاهم الرموز الدينية التي عارضت توجهات النظام الجديد وتم فرض الإقامة الجبرية على كل من آية الله محمود طالقاني وهو رجل دين ذو تفكير متحرر واية الله العظمى كاظم شريعتمداري الذي أعلن معارضته لمبدأ ولاية الفقيه استناداً لأسس فقهية وانتهى الامر فيما بعد بعزل آية الله منتظري الذي كان مرشحاً لخلافة خميني نفسه ويُعتقد ان ذلك تم على خلفية موقف قريب من موقف شريعتمداري اضافة لما قيل عن رفضه الإصرار على استمرار حرب عبثية مع العراق بعد ان انسحبت قواته من الاراضي الايرانية وكرر من جانب واحد احلال وقف لإطلاق النار وانهاء الحرب وابلغ الوسطاء الدوليين قبوله بالتحكيم الدولي فيما يتعلق بالمسؤولية عن قيامها .

لقد اصبح القمع والقهر السياسي سمة ملازمة لنظام الجمهورية الاسلامية منذ بواكير نشوئها ، وفي ذات الوقت فقد واصلت شرائح مهمة من المجتمع الايراني رفضها ذلك واعتبرت ان الثورة قد خرجت عن أهدافها التي تمثلت بتحقيق حلم طالما راود الايرانيين في العصر الحديث وهو حلم أقامة نظام ديمقراطي يتمتع فيه المواطنون من مختلف الأديان والطوائف والعرقيات بالعدالة وحكم القانون وتأسيس حكومة خاضعة للمساءلة والتمتع بخيرات البلاد الوفيرة ويتوج التضحيات الجسيمة التي بذلها الايرانيون في هذا الطريق ؛ لقد ظلت هنالك فجوة كبيرة بين الجمهور والطبقة الحاكمة .

رغم كل ذلك فأن الايرانيين لم ينقطعوا عن قدر واضح من الحماس للمشاركة السياسية سواء في اطار قواعد عمل النظام او خارجها . لقد كان يثير استغرابي خلال فترة وجودي في طهران الحماس الذي كان يبديه الأصدقاء الايرانيون عندما تحل مواعيد الانتخابات للمشاركة فيها وقد كان جوابهم متطابقاً حين نسالهم عن سر هذا الحماس في ظل نظام يعلنون بغضهم له بان مشاركتهم تهدف لدعم الاقل سوءاً وتعنتاً من بين المرشحين ؛ على هذا الاساس كان رفسنجاني يحظى بدع شرائح اجتماعية واسعة ولذات الأسباب تمكن خاتمي من الفوز باغلبية كبيرة في انتخابات الرئاسة لعام ١٩٩٧ ، ومن هنا ظهرت لعبة التشدد والاعتدال في اطار النظام السياسي في البلاد ولعله من المفيد الإشارة الى اصول نشأة؛ هذه اللعبة التي أمدت النظام بعتاد وفير آمن له ، من بين عوامل اخرى ، البقاء لما يقرب من اربعة عقود .

لم يكن هنالك فرز واضح عند قيام النظام الحالي بين معتدلين او متشددين رغم ان هذه التعبيرات قد استخدمت من قبل المراقبين الأجانب حينها لتصنيف المواقف دون وجود تصنيف واضح للشخصيات ، وكان هنالك نوع من الضبابية في تصنيفها ؛ كان رفسنجاني يصنف على جناح المعتدلين في القضايا الخارجية بينما تم اعتباره من المتشددين في بعض القضايا الداخلية ، وكذلك كان الحال مع خامنئي وبهشتي ومنتظري واخرين . لقد بدأ الفرز يأخذ طريقه الى التبلور مع تطور الحرب مع العراق ، ثم بدأ الموضوع يتطور بشكل اكثر وضوحاً وتتسع دائرة موضوعاته بعد انتهاء الحرب وبداية المعالجة الجدية للاوضاع الداخلية وماخلفته الحرب من دمار هائل وتحديات على الجبهات الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية وهي موضوعات كانت مؤجلة تحت وطأة متطلبات الحرب ، ويبدو ان الموضوع قد تحول الى نوع من اللعبة المتبادلة بين الجمهور العريض والنخبة الحاكمة . كانت قضية الحريات الاجتماعية من اولى الموضوعات التي اصبحت من معايير التمييز والتصنيف بين المواقف والشخصيات وانسحبت الى التصنيف السياسي للشخصيات والكتل التي بدأت تتبلور بشكل أوضح مثل مجموعة علماء الدين المجاهدين بفرعيها المعتدل والمتشدد ونقابة المهندسين اضافة لكتل تميزت بهوية شخصيات التفت حولها ؛ وبدات هذه القضية تاخذ شكلاً واضحاً مع تزايد ادراك الجمهور انه قادر على لعب دور مهم في بلورة توجه معتدل او متشدد من خلال صناديق الانتخابات كما تبلورت القناعة لدى افراد نخبة الحكم انهم قادرون على استثمار توجهات الجمهور لتعزيز مواقفهم السياسية ، لكن اللعبة ظلت تدور تحت مظلة المبادئ العامة للنظام وخاصة قضية مبدأ ولاية الفقيه .

اساء بعض السياسيين فهم قواعد اللعبة فذهبوا بعيداً على خلفية حجم الضيق الذي يعيش في ظله المواطنون ولذلك أصبحوا يأخذون موضوع تمييز انفسهم في داخل النظام وقد ارتفعت أصوات بعضهم اكثر من اللازم رفضاً لسياسات التشدد ووصلت حداً يثير القلق نظراً لما سببته من ردود فعل وصلت مؤشراتها قدراً كبيراً من تهديد أسس النظام واستدعت لذلك تدخلاً خشناً للغاية من جانب اجهزة الامن كما حصل اواخر التسعينات حين تمت تصفية عدد من رموز المعتدلين بطرق متعددة ؛ جرى قتل اثنين من قيادات المعتدلين وجدت جثتاهما في المنزل فيما قتل آخران من الكتاب من دعاة العلمانية ووجدت جثتاهما في الشارع ، فيما فرضت الإقامة الجبرية على عبدالله نوري وزير داخلية خاتمي وغلام حسين گورباسشي عمدة طهران ومن مؤيدي خاتمي ، بل ان خاتمي نفسه تعرض لنوع من العزل السياسي رغم انه كان يُعتبر اكثر الشخصيات الايرانية شعبية خلال فترة رئاسته ؛ كذلك لم تتوقف عمليات تصفية المعارضين في اوروپا . نعلم ايضاً ماتم خلال الثورة الخضراء عام ٢٠٠٩ من اعتقال عدد كبير من رموز المعتدلين ومازال بعضهم رهن الإقامة الجبرية مثل ناطق نوري ومير حسين موسوي رغم تاريخهما في خدمة النظام .

لقد اخذت قضية التشدد والاعتدال تخرج عن طورها والإطار الذي تم رسمه لها منذ عام ١٩٩٨بشكل واضح . لقد تم إقرار ستراتيجية الاعتدال والتشدد على اساس توزيع مساحات العمل السياسي والعام بين الطرفين ويقف المرشد وبعض الأجهزة الرقابية في قمة الهرم لضمان سير اللعبة بما لايمس جوهر النظام . لقد اعتبرت قضية الحريات الاجتماعية وفق المنظور والمعايير الاسلامية التقليدية جزءاً من ساحة المعتدلين الذين أعلنوا انهم ليسوا بصدد دخول حياة الناس الشخصية في بيوتهم كما سعوا لتخفيف قبضة الرقابة عن قضية الحجاب والمظهر الخاص للأفراد خارج بيوتهم فتحول الحجاب من الچادر الايراني التقليدي الى المانتو وقطعة قماش جميلة توضع فوق الراس دون ان تستر الشعر بالكامل بعد ان كان التشدد في هذا الامر قد وصل حدود المبالغة المفرطة وسقطت بعض النساء برصاص اجهزة الرقابة في وقت مبكّر من سنوات الثورة وحتى منتصف التسعينات عندما قام الشيخ هاشمي رفسنجاني برمي كامل ثقله السياسي لكف يد المتشددين في هذا الشأن ؛ تمتع الإصلاحيون بقدر لابأس به من القدرة على التعبير عن رفضهم لسياسات الحكومة وخاصة في المجالات الاقتصادية وتمت متابعة بعض جوانب الفساد باستثناء المؤسسات التي ترتبط بالقائد مباشرة مثل الحرس السوري وإمبراطوريته الاقتصادية التي يُبلغها البعض الى ٤٠٪‏ من حجم الاقتصاد الايراني الكلي ، ومؤسسة الشهيد وماتديره من شركات ومشاريع وغيرهما . اما السياسة الخارجية فقد قسمت بين الطرفين . لقد تم منح المعتدلين مساحة عمل واسعة لقيادة السياسة الخارجية قدر تعلق الامر بالعلاقات مع اوروپا وإفريقيا وامريكا اللاتينية والصين وروسيا وغيرها . تمت احالة الملف النووي ومايتصل به من نشاط سياسي خارجي بالجناح المعتدل منذ عام ٢٠٠٥ تقريباً وتولى السيد روحاني هذا الملف بنفسه بشكل مباشر او بعدد من مساعديه ومستشاريه ممن يحسب اغلبهم على المعتدلين . لكن السياسة الاقليمية ظلت حكراً على المتشددين ويصادف ان تكون هذه السياسة الاقليمية هي الاكثر كلفة باعتبارها الميدان المباشر لتنفيذ شعار الثورة الاساس وهو تصدير الثورة ؛ هذه السياسة الخارجية التي تتوافق مع اهواء ومزاج شريحة كبيرة من الشعب الايران كانت على درجة كبيرة من التعقيد بحيث استعصى على دهاقنة السياسة الخارجية الايرانية المهرة مواصلة تنفيذها دون تكاليف باهظة تثقل كاهل المواطن حيث كان بوسع ايرادات النفط الايراني استيعابها وتغطيتها في فترة ارتفاع أسعار النفط ، لكن ذلك لم يعد ممكناً في السنوات القليلة الماضية بعد تدهور هذه الأسعار في وقت كانت ايران فيه منغمسة في الشأن الاقليمي الى الحد الذي جعل اي انسحاب او تراجع في الساحات الرئيسية في العراق وسوريا ولبنان واليمن يُعتبر هزيمة يمكن ان تشكل خطراً مؤكداً على وجود النظام ذاته . كان ذلك جزءاً من حساب خاطئ وقع فيه الايرانيون وقادهم الى الاندفاع في توسيع نفوذهم في الاقليم مستخدمين في مناورة ماهرة قضية الملف النووي والتنسيق الموثق مع الاسرائيليين وأطراف معينة داخل ” المؤسسة ” الامريكية ، ولكن فاتهم حساب النوايا البعيدة وهشاشة الموارد الذي تم التعويل عليه لتمويل سياستهم الاقليمية .

في فترات سبقت هذه المرحلة كان احد اهم عناصر القوة في السياسة الخارجية الايرانية ، وفقاً للپروفيسور عباس ميلاني ، هو انها ظلت في أيدي محترفين ممن تلقوا تعليمهم في الغرب وفي امريكا وهم يعرفون السياسة الامريكية وكيفية صناعتها بشكل جيد ؛ لقد ابعدو عن اعتبارهم آية قضايا غير المصالح والذرائع وقد أجادوا اداء مهمتهم والدليل على ذلك هو النجاح المبهر الذي حققوه في أفغانستان ، لكن تولي بعض الاطراف رسم وتنفيذ السياسة الخارجية في الاقليم المحيط وفق أسس ايديولوجية وخاصة بعد عام ٢٠٠٣ أوقع السياسة الاقليمية في حسابات خاطئة رغم انها كانت سهلة الملاحظة والإدراك وخاصة مع المرونة غير المألوفة التي أبدتها ادارة اوباما التي كادت سياستها الشرق اوسطية ان تشبه دعوة مفتوحة لايران للتوسع في الاقليم دون ان تغلق باب العقوبات وفق ماتضمنته روح الاتفاق النووي . صحيح ان هذا الاتفاق كان نصوصاً وله اليات تفسير محددة ولكنه كان وفق فهم الكثيرين يمثل نقلة نوعية في آفاق العلاقات الامريكية – الايرانية ، اما على الجانب الامريكي فيبدو انه لم يكن كذلك بل كان وما ترتب عنه من اجواء اقرب الى فخ سقط فيه الأيديولوجيون الايرانيون . لقد بات الان واضحاً ان اوباما كان يبيع ايران اوهاماً ، وكان وزير خارجيته جون كيري يقوم بتنفيذ سيناريو متقن وصل حد تمثيل دور السمسار الذي يروج للعلاقات الغربية مع ايران ، حسب وصف رئيس مجلس النواب الامريكي في حينه ، بينما كان المصرفيون الاوروپيون مترددين بشكل واضح بخصوص تمويل آية عمليات اقتصادية كبرى في ايران بسبب عدم ثقتهم بالطرف الامريكي . ولكن هل بوسع ايران الان تصحيح المسار ؟! من المهم للإجابة ان نعيد تقييم الموقف برمته !

يشكك المراقبون في قدرة ايران على اجراء تعديلات جوهرية في سياساتها الاقليمية لاسباب عديدة منها ماهو ايديولوجي يتصل مباشرة بهوية نظامها السياسي والمهمة التي ندب نفسه لها في العالم الاسلامي والتي جعلت منه في بعض مراحل تطور الاحداث في المنطقة ضرورة للمشروع الغربي – الامريكي ، وعملية تتصل بالمساعي التي دابت ايران على بذلها منذ قيام نظام الجمهورية على انشاء جسور متينة مع الحركات الشيعية بوجه خاص وبعضاً من حركات الاسلام السياسي وخاصة في منطقة الخليج وفلسطين فضلاً عن رعاية بعض مجاميع تنظيم القاعدة وحركات التطرّف الاسلامي مثل أنصار السنة بزعامة المُلا كريكار العراقي الكردي والعديد من المجاميع المسلحة الافغانية . هذه الشبكة الواسعة من العلاقات مع التنظيمات والمليشيات المسلحة في الاقليم المحيط اصبحت تمثل قضية آمن ستراتيجي وشبكات مخابرات وأدوات ردع ومكافحة للارهاب بأشكاله المستحدثة مثل تنظيم الدولة ؛ بالنسبة لايران تجاوزت هذه الشبكات كونها أدوات نفوذ وهيمنة فقط وان كانت هذه المهمة قد اصبحت تحصيل حاصل مع حجم الدعم والمساندة التي تتلقاها من ايران . لنا ان نتصور حجم ردود الفعل التي يمكن ان تصدر عن هذه الشبكات وفي مقدمتها حزب الله اللبناني والمليشيات المسلحة في العراق وسوريا لو تعرضت ايران لعمل مباشر او غير مباشر من قبل اسرائيل او الولايات المتحدة على خلفية برنامجها للتسلح الصاروخي او لما يمكن ان يمثل تهديداً لأمن نظامها السياسي ، لكن هذه الشبكات ومهمتها تمثل عبئاً ثقيلاً على قدرات ايران التي اتعبتها سنوات طويلة من المقاطعة الاقتصادية والعقوبات الدولية وخاصة إغلاق النظام المالي والمصرفي الدولي في وجهها . هذه العقوبات وماسببها من سياسات إيرانية وسياسات امريكية وغربية مضادة شكلت حلقة مفرغة ليس من السهل الخروج منها دون دفع أثمان سياسية وأمنية كبيرة ، وهذا رهن بالمستقبل ومدى مهارة الايرانيين في ادارة دفة سياستهم الاقليمية استناداً لدروس فرضت نفسها فرضاً وهو مايعني بالضرورة ان تغيراً ما سوف يطرأ ولكن لا احد يستطيع التنبؤ بمداه للاسباب التي ذكرناها آنفاً .

لعل السؤال الأهم الذي يطرح نفسه في نهاية المطاف هو : هل تشكل هذه الاحداث خطراً مباشراً على النظام ذاته او على المبادئ التي قام عليها ؟! في تقديري المتواضع ان النظام مازال يتمتع بحيوية كبيرة وهو مؤهل لادارة الموقف بما يجعل من أمثال هذه الاحداث قيد السيطرة ويعود ذلك الى حقيقة ان للنظام قواعده الشعبية الخاصة به رغم انها قد تكون قواعد نخبوية ومحدودة لكنها منظمة بشكل متقن ولديها من الوسائل مايجعلها قادرة على إيقاع قدر كبير من الاذى بخصومها في الداخل رغم اتساع نطاق المعارضة . لدى النظام احتياطي مهم في الجوار القريب في العراق وسوريا ولبنان وافغانستان والباكستان وهو احتياط منظم وقادر على اداء دور فعال في إسناد النظام ولديه ذخيرة مذهبية تذهب الى حد ربط مصيره بمصير النظام في ايران ، كما يمتلك النظام شبكة علاقات دولية متينة وفاعلة تبدّت في العزلة التي وجدت فيها الولايات المتحدة نفسها في اجتماع مجلس الامن الأخير حول الاوضاع في ايران ؛ من الجهة الاخرى فانه من غير المعقول ان تذهب كل التحركات الشعبية وخاصة منذ ” الثورة الخضراء ” وحتى الاحداث الاخيرة هباءاً . لاشك ان بعض أسس النظام قد تآكلت وبعضها قد تفتت بالفعل ، وهي تشكل نوعاً من التراكم الثوري القابل للانفجار في المستقبل خصوصاً مع التراجع الواضح في شعبية لعبة المتشددين والمحافظين التي اكتشفها الحس الجماعي للإيرانيين وراودهم الأمل لفترة ما في جدواها لتغيير مالايرغبون به من قواعد النظام ؛ في اعتقادي المتواضع ان هذا الحس الجماعي قد اكتشف انها لعبة عقيمة ولاجدوى منها، ومن هنا يتوقع الكثيرون ان النظام الايراني وهو غير قابل للتغيير سلمياً الا في حدود ليست جوهرية وبالتالي فان المستقبل يضم أحداثاً كبرى وربما تصل الى حدود حرب أهلية واسعة النطاق ولها من الوقود مايكفي في الواقع الاجتماعي والديني والاثني الذي بدأ يظهر تدريجياً متزامناً مع احداث التظاهرات الحالية والتي سلفت .

المقال السابقالعراقيون بين شهادة الحياة و شهادة الوفاة
المقال التالىمعيار الكفاءة
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد