عبدالحكيم الحسيني … من إنتاج العمل الفني إلى الوعي بجمالياته


 

” كانت البداية في عامودا تلك المدينة التي ترعرعت فيها ونهلت من ينبوع ثقافي واجتماعي معرفي كبير، في منزلي كانت المكتبة الضخمة مكان اهتمامي، وضمن هذه البيئة ترعرعت، بدايةً كانت الموسيقى هاجسي بسبب صديق لي في الطفولة أحن إلى لقائه شاب كيفورك يعزف على الكمنجا في المرحلة الابتدائية ومن ثم اهتمام والدي بالخط العربي”الكالوغرافيا” الأثر الأكبر الذي دفعني للتوجه نحو الأحبار الصينية والرسم، حيث أصبح ذلك تحريضاً نحو اللون فبدأت بالتصوير الزيتي، الأمر الذي اعتبره الآخرين في ذلك الوقت مبكراً على شاب صغير.”

هذا ما قاله فناننا التشكيلي عبدالحكيم الحسيني في أحد لقاءاته و هي تلخص سيرته و الجو الذي ترعرع فيه ، وبداياته العذبة و المبشرة ، كما إنه إبن عاصمة الجزيرة السورية عامودا المدينة الأغزر من أمازون في تدفق نهره الإبداعي فهي مدينة تطلق المبدعين و في مجمل الميادين الإبداعية نحو السموات التسع و بحضور جميل و مميز .


الحسيني كأبناء جيله كان لا بد من المرور بواقعية الشمال حيث الصيف بألوانه الحارقة كشمسه حين تمنحها لحقولها وبيادرها ، أو بواقعية رومانسية كما أحب أن يسميها الحسيني ذاته حيث الإقتراب من الفولكلور و التراث و مفردات الحياة اليومية حيث محور العلاقات الترابطية و الدخول في تفاصيلها المؤكدة لإرتياد عوالم و أمكنة تخص الناس البسطاء ، و بلغة أخرى فهو يدفع عمله ليكون على مستوى الحكاية أو إنه قد يجر الحكاية إلى عمله دون ترك فعل السرد البصري المرتبط بواقع إجتماعي غني بمشاهده و دون الخروج من مقولة التجريب التي قد تكون هاجسه الأهم ، و هنا أتساءل مالذي يجعل الحسيني يثير الأسئلة بشجونها ، هل لأنه على إطلاع عميق على ما أنجزته دوائر المكان بلغة أقرب إلى القاع ، أم أنه يدرك تماماً أن الإنخراط المفعم بوعي الإدراك هو ما يضع مسائله على المحك ، أم أن لغته الحوارية التي يمارسها مع ألوانه و هو يرشقها على بياض اللوحة هي التي تكثر محاوره و بالتالي شجونه التي تستيقظ كثيراً في تلك الأسئلة التي يطرحها لمتلقيه ،

و على الرغم من إزدهار ريشته ، و إدراكه بأن الإبداع قد يكون سبيلاً إلى الخلاص و الأمر لا يحتاج منه إلى إثبات ذلك ، فهو يترك صدى تجربته في أريحية البحث و الإنجاز ثم البحث دون الإكتفاء بوصول ما ، فهو يعطي الهيمنة لمشروعية المنتج الجمالي و بمؤازرة مجدية من وسائل إعتاقها محاولة منه الإنتقال مع المتلقي ذاته من فكرة إنتاج العمل الفني إلى الوعي بجمالياته دون ربطه بأي تابع بل ترك المخارج قائمة في مقاماتها المختلفة و ليخرج نفسه فيما بعد من جدل الإشتباكات بين قضايا متداخلة حتى في أفقها الجمالي لا كشكل من إشباع توقعات معينة بل كشكل من الإنشغال بسرديات جديدة تخص الحسيني على نحو كبير .


و لحسيني تجربة مع أكثر من تقنية ، و لعل الرسم بالألوان المائية إحداها و التي أبدع فيها منذ خطواته الأولى ولفت أنظار أساتذته في كلية الفنون الجميلة بدمشق لدرجة دعوته للمشاركة معهم ليكون الطالب الوحيد المشارك في معرضهم ذاك ، و لم يكتفي بذلك و لم يغره ذلك بل واظب على كسر طريق الصعود التقليدي راسماً لنفسه سلماً خاصاً به ، على إعتبار أن مسألة الصعود بحد ذاته يجب أن يكون مميزاً و خاصاً حتى يأخذ المكان الذي يليق به و يشغله بإهتمام حميمي و يتوافق مع تعقيباته الكثيرة منها خلق نوع من التوازن بين الأقطاب المختلفة و ذلك بعدم النفي بين تأويلاتها و ويلاتها فالمسألة جد معقدة و على جانب كبير من الأهمية ، فالحسيني يترك النوافذ مفتوحة مهما كانت إطلالتها متناقضة و مهما كان الهواء القادم و العابث بكل شيء ملوناً بل و ملوثاً أيضاً ، فهو يعيد تكريرها بتجريدياته لتكون ذخيرته في دراسات مفصلة و مستفيضة لوضع رؤيا لرؤية شيء كوني إنساني مع إضافات و إضاءات لما يخدم تغلغله في آليات تكريس الجسور لكسر الإخفاقات القبيحة الكثيرة .

و السؤال الآخر الذي يراودنا و نحن نقرأ أعماله من أين كل هذا الإنشطار الذي يفعله في خيالاتنا ، هل هو نوع من تعقيب رؤى المتلقي و تقاطعاتها مع ما يجري في البدايات دون أن تذهب إلى النهايات ، أم هو شكل من الإختيار الذي يركز على إطلاق محور شكلي إبداعي مختلف ضمن توالدات خاطفة لسرود الحكاية ، أم هو تحويل كل ما يخص العملية الإبداعية إلى ذخائر عتيقة تكون الركن القائم في حكمة إشاراته و مجالاتها ، أم كل ذلك ضمن مشروعه الممتد من عامودا لسدر المنتهى .

لا تعليقات

اترك رد