هل كان المبشرون بالجنة …… مبشرين؟..


 

غضبت السيدة عائشة على المبشَّر بالجنة الخليفة عثمان بن عفان بسبب موقفه السلبي من إرثها في أرض فدك فحرّضَت على قتله، وكانت تحمل قميص النبي (ص) وتعرضه على الناس قائلة: انظروا هذا قميص رسول الله لم يبلَ بعد وبلت سنته على يدي عثمان، اقتلوا نعثلاً فقد كفر… هذا مستوى أول لحدث عرفته المدينة في تلك الفترة (656م)، وهناك مستوى آخر للحدث نفسه يتهم الحديث السابق بضعف التواتر وينسب للسيدة عائشة موقفا رافضاً لمقتل عثمان ودعاء بالويل والثبور على أخيها محمد بن أبي بكر لمشاركته في قتله.. إذن قدّمَت لنا المصادر الإسلامية التراثية خبراً واحداً هو مقتل الخليفة الثالث بروايتين متناقضتين، أيهما نصدق؟… وعلى أيهما نحدد مواقفنا من الشخصيات والأحداث وبالتالي العقائد؟…. ما تورده المصادر التاريخية الإسلامية التي تناولت تلك الفترة أن السيدة عائشة غادرت المدينة بعد تفاقم الأوضاع ومقتل الخليفة عثمان وتولي الإمام علي الخلافة، واستقرت في مكة لتتفق مع المُبَشّرَينِ بالجنة طلحة والزبير على خوض الحرب ضد المُبَشّرِ بالجنة الإمام علي، وكلاهما ممن حرض على قتل المُبَشّر بالجنة عثمان، فهل تقاتل المبشرون بالجنة من أجل مكاسب دنيوية أم لإعلاء كلمة الله التي جاء الإسلام من أجلها؟.. مما تذكره التواريخ الإسلامية أن عثمان بعد مقتله تُرِكَ ثلاثة أيام على مزبلةٍ حتى قام البعض بدفنه في مقبرة لليهود… وهذهمفارقة غريبة، أن تحوي مقبرة يهودية جثة خليفة المسلمين المبشر بالجنة..

هذا يعني أن أصحاب النبي لم يحققوا حداً أدنى من الإنسجام والتفاهم الأمر الذي أدى بهم إلى التقاتل، وإلاّ كيفَ وافق المبشرون بالجنة على أن تخرج أم المؤمنين لقتال خليفة المسلمين علي بن أبي طالب؟.. الذي قال عنه النبي الكريم في حديث تورده المساند المعروفة: علي مع الحق والحق مع علي، يدور معه حيث دار.. فهل تجاهلت أم المؤمنين حديث الرسول الكريم أم انها لم تكن تعرفه؟.. وينسحب الأمر إلى المبشرين بالجنة الذين حاربوا عليا وغير المبشرين كذلك… لقد حاربوه وهم يعلمون أن النبي وضعهم في الجانب المناهض للحق.. ما الذي يعنيه لنا اليوم الحديث المنسوب للنبي (ص): أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم…. فالقتيل عثمان من أصحاب النبي والقاتلين جميعا من الصحابة.. وهكذا الأمر مع عشرات المواقف والأحداث التي آذى فيها صحابيون صحابة آخرين.. من الذي يقترحه السادة رجال الدين قدوة لنا لنهتدي به، القاتل أم القتيل؟…

ينص الحديث المنسوب إلى النبي محمد(ص) والمنقول عن عبد الرحمن بن عوف: قال رسول الله (ص) أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة، وقال مرة أخرى: وعلي في الجنة وعثمان في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة).. وفي نسخ أخرى من الحديث ذاته نقرأ اسم سعيد بن زيد… ومن خلال فحص بسيط للأسماء المذكورة نعرف أنهم جميعاً من قريش، ويمثلون بطونا بارزة منها، وهم رؤوس عائلات قرشية مرموقة ورموز إجتماعية لها ثقلها في تلك الفترة، واستبعدت من هذه القائمة أسماء عرفت بورعها وتقواها وقربها من النبي الكريم ودورها البارز في ترسيخ الدين.. في الوقت الذي استبعد فيه الأنصار جميعاً.. فجميع المبشرين من المهاجرين.. رغم أن للأنصار القدح المعلى في إرساء دعائم الإسلام، كما لم تحو القائمة أية امرأة، وهناك من النساء من سجلن للتاريخ مساهمات مهمة وكان لهن حضور باذخ في الأحداث الإسلامية آنذاك مثل السيدات خديجة وفاطمة الزهراء وعائشة وغيرهن.. فهل هي إشارة إلى ما سيغدو نهجاً بعد ذلك، أعني إغفال وتهميش دور المرأة في مجمل الحياة الإجتماعية؟

قام مروان بن الحكم بقتل المُبَشر بالجنة طلحة بن عبيد الله وهو واثق تماماً بأنه قاتل المبشر بالجنة الخليفة عثمان.. وقتل إبن جرموز المبشر بالجنة الزبير بعد أن انسحب عن قتال المبشر بالجنة علي بن أبي طالب إثر تذكيره بما قاله النبي (ص) من إن الزبير سيقاتل علياً وهو ظالم له.. جملة من الأحداث التي تجعلنا نشعر أن هناك ارتباك في الأهداف التي تستوجب القتال، فطلحة والزبير مثلاً ثارا على عثمان، وبعد مقتله ثارا على الإمام علي بحجة المطالبة بالانتقام لدم عثمان، وقُتلا معاً في الحرب ضدهٍ.. ونذكر هنا أن الرسول الكريم كان قد قال: اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، ويُذكَر الحديث بصيغة أخرى: إذا اقتتل مسلمان فالقاتل والمقتول في النار… هذا يعني أن عثمان وطلحة والزبير والإمام علي في النار بموجب هذا الحديث، لكنهم مبشرون بالجنة وفق حديث آخر.. من يساعدنا في حل هذه الأحجية؟…

إلى أية درجة من الحقد وصلت قلوب المبشرين بالجنة ليخوضوا مثل هذه المعارك الدامية التي قُتل فيها آلاف من المسلمين، والكثير من الصحابة الأوائل.. لابد من التذكير بأن ستة من المبشرين بالجنة قُتلوا على يد صحابة آخرين..

الأحداث التي نرى فيها تناقضاً صارخاً، والأحاديث التي تنقضها أحاديث أخرى من الأمور المألوفة في الكتب التراثية الإسلامية، فنقرأ حديثاً ينص على: ( لا يدخل النار أحداًممن بايع تحت الشجرة).. والمقصود هنا بيعة الرضوان، لكن الكتب نفسها تخبرنا أن أبو الغادية يسار بن سبع الجهني كان من المبايعين تحت الشجرة، وهذا يعني أنه لن يدخل النار، لكننا نقرأ في موضع آخر بأن هذا الرجل قتل عمار بن ياسر في معركة صفين حين كان يحارب تحت قيادة معاوية بن أبي سفيان ضد المبشر بالجنة الإمام علي بن أبي طالب، وقد قرأنا حديثاً للنبي محمد يقول: قاتِلُ عمار وسالبه في النار.. فأبو الغادية إذن في الجنة بموجب الحديث الأول، وفي النار بموجب الحديث الثاني.. لابدّ أن نشير إلى أن عبد الله بن أبي سلول كانَ من المبايعين تحت الشجرة، أي أنه موعود بالجنة، لكنه كان منافقاً وقد أشار الرسول الكريم إلى نفاقه.. فهل يُبَشر منافق بالجنة؟…

ولِمَنْ يعتقد أن المبشرين بالجنة كانوا متفرغين تماماً لشؤون الدين وطقوسه نشير إلى أنهم كانوا يعيشون حياة طبيعية وأن كل منهم كان متزوجاً من العديد من النساء فعبد الرحمن بن عوف مثلاً، كان متزوجا من عشرين زوجة، وجميعهم متزوجون بمعدل تسعة زوجات لكل منهم عدا أبو عبيدة بن الجراح الذي كان متزوجاً من واحدة فقط وكانوا قد واصلوا الحالة الإجتماعية التي كانوا عليها قبل أن تنزل الآية التي حددت الزوجات بأربع، وهنا لابدّ أن نشير إلى أن الزواج المتعدد كان معروفاً قبل الإسلام الذي حدده بأربعة زوجات إضافة إلى ملك اليمين غير المحدد بعدد.. إلا إن ظروف الحياة والوعي الإنساني المتدرج نحو الإرتقاء يسير باتجاه التقنين والإكتفاء بزوجة واحدة، وسنرى في نهاية الأمر أننا ورغم إباحة الزواج بأربعة فسنكتفي بواحدة وستنقرض هذه الإباحة بسبب حتميات ستحدد النص مثلما تحددت للسبب نفسه نصوصاً أخرى.. كآيات الرق والإماء وملك اليمين..

لتكن خلاصة ما نريد قوله أننا ملزمون اخلاقياً ودينياً وانسانياً أن نُشذب الموروث الإسلامي برمته مما يثير التباساً وتناقضاً وارتباكاً يستغله البعض في إذكاء خلافات وفتاوى قد تصل إلى إباحة القتل.. ومراجعة حقيقية لبعض النصوص ستجعلها تتهافت فينتفي سبب الخلاف بين فئات من المسلمين ما زالت تتقاتل بسبب تحزب بعضها إلى هذا الصحابي وتحزب بعضها الآخر إلى ذاك، متناسين أن أغلب الأحاديث الخلافية وُضِعت ونُسِبت إلى النبي الكريم ومنها حديث العشرة المبشرة الذي تمّ وضعه في عهد بني أمية ونسبوه إلى الصحابة.. روى البخاري ومسلم والنسائي عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعتُ النبي يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلاّم.. وهذا ينفي على لسان واحد من المبشرين أن حديثاً كهذا كان موجوداً وإلا لعرف به المشمول به سعد بن أبي وقاص، وقد جاء عن النبي الكريم قوله: إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه، وكان عمر بن الخطاب يسأل أم سلمة: هل أنا منهم؟.. فلماذا يسألها إن كان متأكداً من كونه مبشرا؟.. ناهيك عن كلمته الشهيرة حين كان يحتضر بعد أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي بالسيف: لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله، فكيف يقول هذا من كان مبشراً بالجنة من قبل النبي ذاته؟.. فهل كان يشكّ بما قاله النبي، أم انه لم يكن يعرف بحديث كهذا؟.. أو لعل الحديث لم يكن موجوداً في الأصل وتم اختلاقه فيما بعد.. ولو كان الحديث معروفاً من قِبَل المبشرين أنفسهم لكان الخليفة أبو بكر سيحتج به حين حوصر وطولِبَ بخلع نفسه وهموا بقتله..

هؤلاء العشرة المبشرون بالجنة من المسلمين الأوائل، وهم زعماء بطون من قريش، وهم من المهاجرين الأوائل الذين كانوا في قمة السلطة حين بدأت الدولة الإسلامية نشأتها في المدينة، فكانوا الأمراء الذين تم اختيار الخلفاء الراشدين من بينهم.. لذا قد نتفق على أنهم مميزون عن الآخرين اجتماعية ومراتبياً، لكن هذه التقاطعات التاريخية الواردة في مصادر التاريخ الإسلامي تثير الشكوك في حقيقة كونهم مبشرين بالجنة..

لا تعليقات

اترك رد