ثقافة المبدع الأندلسي .. وطرق التعليم


 

ثقافة المبدع الأندلسي .. وطرق التعليم
الشعر نموذجا

أولاً-الأجواء الإبداعية :

تهيأت لأهل الأندلس أسباب الشعر ، وتوافرت لديهم دواعيه ، فطبعوا على الشغف به وانبسطت ألسنتهم بقوله ، حتى أنه قل أن تجد منهم من ألم بطرف من الآداب ولم يقل شعرا وذلك لأسباب عدة :
1-كان لطبيعة الأندلس الزاخرة بالمفاتن أثر كبير في طبعهم على هذه الشيمة ، حتى لم تخل مدينة من مدنها من شاعر حاذق ، أو كاتب بليغ كما يقول ابن بسام في مقدمة ذخيرته .
2- تشجيع الخلفاء والولاة والمجتمع للإبداع………………………………
3-دخول المرأة ساحة الإبداع ومشاركتها في جوانب الحياة جميعها ، فنبع من النساء شواعر لم يكن يضاهين الشعراء عددا ، وكان منهن طبقة من المحسنات البارعات ، كولادة بنت المستكفي ، وتلميذتها مهجة القرطبية وحمدة بنت زياد المؤدب المعروفة بخنساء المغرب وحفصة بنت الحاج الركونية ، وعائشة بنت أحمد القرطبية ، ونزهون القلاعية الغرناطية ، وكن جميعا موصوفات بالجمال والظرف ، إلا عائشة فقد استغنت بالفهم والأدب والفصاحة

ثانياً- الشعر محور الإبداع :

1-كان للشعر حظوة لدى الملوك ، فنبع منهم شعراء ، ودرجوا على استيزار الشعراء فكان الوزير نديم الملك وشاعره ومدبر مملكته بآن . فاعتز الشعراء بذلك وسمت مكانهم ، وحفلت بهم دور الأمراء ودر عليهم الرزق ، فنعموا ، وترفوا ولهوا وعبثوا
2-كان الشعراء مهددين بزوال النعمة ، لوشاية حاسد ، أو مكيدة مبغض ، أو خشية ملك أن يستقبل الوزير بالأمر دونه
أ-كما اتفق لابن زيدون عند بنى جهور ،
ب-ولابن الخطيب عند بنى الأحمر ،…
ج-وقد تحدث الوزير نفسه بالملك ، فيظهر ملكه على رغبته ، فيوقع به ، كما صنع المعتمد بن عباد بوزيرة الشاعر ابن عمار .
د-عجز فريق منهم عن التقرب من السلطان أو الوصول إلى الوزارة فظلوا على نباههم مغمورين خاملين .
3-لم تخل حياة الشعراء من مضايقات ، وأعنفها ما كان يلقاه بعضهم من لفيف من الفقهاء ، كانت تدفعهم غيرتهم الدينية إلى أن يوقعوا ببعض من عرفوا بزيغ أو جون أو خلاعة ، كما جرى لابن هانئ ، فقد نفاه أمير إشبيلية خوفا مـــــــــــــــــن الفقهاء والعامة ، لما بدا في شعره من آثار الخلاعة ، والمجاهرة بما يمس العقيدة
4-على أن شعراء الأندلس وأدباءها ، على ما أوتوا من طبع صقلته الطبيعة ونمته المرانة ، لم يكن لهم بد من ثقافة تعينهم وترفد طبعهم

ثالثاً- ينابيع ثقافة الشاعر:

ومن المهم أن نتعرف على منابع الثقافة في هذا العصر ، ومادة هذه الثقافة ، والآثار الهامة التي كان الشعراء يتدارسونها ، لنضع أيدينا على ينابيع ثقافة الشاعر
1-كانت العربية لغة الأندلس الرسمية ، بها تجرى المكاتبات والمراسلات
2-جنوح لغة التخاطب إلى العامية
3-واستعمال بعض الفئات اللغة البربرية أو الرومانية
4-وكان الخلفاء ورجال الدولة يقربون من يحسن العربية ، ويتنافسون هم أنفسهم في دراستها وإجادتها ، ويعملون على استجلاب الكتاب والشعراء إليهم
5-ولم يكن التنافس بين الأمراء والحكام مقصورا على الجانب السياسي ، بل كان يشمل الناحية الأدبية أيضا
6-وكان كل أمير يعمل على أن يكون في كنفه من الكتاب والشعراء ما يفوق ما لدى منافسة عددا ومكانة ، بل كانت المنافسة في هذا الباب تدفع الواحد منهم أن يقتنص من لدى منافسة من أدباء أو شعراء كبار ، كما فعل المعتمد بن عباد ملك إشبيلية بابن الأرقم وزير المعتصم بن صمادح صاحب المرية وكاتبه الخاص ، وإن كان لم يوفق في مسعاه .
7-ومن هنا كان تعلم العربية والتمكن منها ضرورة لمن يريد أن يصل إلى ديوان الإنشاء
8-ولما كان الشاعر يتولى في كثير من الأوقات وظيفة كتابية بوصفه وزيراً ، كان عليه أيضا أن يكون واقفا على أصول الإنشاء مجودا للكتابة ، وإذا كان اهتمام الشعراء بالكتابة وفن إنشاء الرسائل ضرورة تقضيها مهنهم ككتاب في دواوين الإنشاء ، فقد كانت الكتابة أيضا نتيجة لميل أدبى متأصل فيهم
9- العطف الذي أبداه الخلفاء والأمراء نحو الأدب والمتأدبين أدى إلى كثرة الكتاب والشعراء و إلى ازدهار الأدب ولاسيما في زمن ملوك الطوائف ، ولكن هذا العطف لم يكن السبب الوحيد في هذا الازدهار
10-بل إن أسلوب تعلم اللغة العربية والتثقيف بالثقافة الأدبية العامة كان لهما أيضا أثر كبير في نهضة الأدب وازدهاره في بلاد الأندلس .

طرق التعليم في الأندلس:

اهتم الأندلسيون بطرق التعليم بشكل كبير وعرف عنهم علوم كثيرة
أولاً- العلوم التي اهتموا بها :
1-أنهم كانوا يعنون بتعليم العربية
2- رواية الشعر قبل العلوم الأخرى
3- القرآن الكريم أيضا ليتفهموه ،
4-الترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها
5-تجويد الخط والكتاب
ومن الصعب أن نفصل تعلم القران عن تعلم اللغة والشعر القديم لما بينهما من وشائج وثيقة ، وقد يكون من المستحسن لفهم القرآن أن نبدأ بدراسة اللغة ، كما شاء الأندلسيون ومن دلائل النهضات الإنسانية في شعب ما ، أن يهم هذا الشعب بدراسة الإنسانيات القديمة وآثارها . فالتعليم الذي يتلقاه الشاعر الأندلسي إذن لا يختلف في شيء كبير عن التعليم الذي يتلقاه الشاعر المشرقي ، وهو قبل كل شيء عودة إلى الآثار القديمة وحفظها وتفهمها وأحيانا تقليدها ، وقد أراد الأندلسي أن يكون تعلمه للشعر واللغة سابقا لتعليم القرآن الكريم وسائرا معه كما أراد المشرقي أن يسبق تعلم القرآن دراسة الشعر والأدب ، ولا أظن أن الأندلسي والمشرقي استطاعا إن يجدا حدودا فارقة بين هذا وذاك أثناء تلقيهما العلوم والمعارف الأولى . وقد كان التعليم الخاص الذي لا تشرف عليه الدولة منتشرا في كل مكان في أندلس ، فكنت ترى في القرى الصغيرة ، كما في المدن الكبيرة ، ما يشبه المدارس الابتدائية اليوم ، أما في المراكز الهامة كقرطبة وإشبيلية وطليطلة وسرقسطة فكنت ترى حلقات التعليم على مختلف درجاته منتشرة في المساجد . وكان هناك مدارس يشرف عليها أساتذة قديرون إلا أنه لم يكن في الأندلس مدرسة جامعية على نمط المدرسة النظامية التي أسست ببغداد سنة 457هـ 1065م هذا وقد خسرت قرطبة مركزها الثقافي بعد زوال الخلافة عنها ، وأصبحت المراكز الثقافية موزعة بين طوائف الملوك ، فكان لكل بلاط مركز من مراكز الثقافة
ثانياً- الكتب التي اهتموا بها :
وجل هذه الثقافة كانت ترمي لجعل الأندلسي أدبيا ، شاعرا أو كاتبا من قراءة مجوعة من الكتب هي
1-كتاب سقط الزند للمعري
2-اللزوميات للمعري ،
3-زمرة المختارات والدواوين ، فمن كتب المختارات المعروفة نشير إلى
أ-المعلقات مع شرح ابن النحاس النحوي المتوفى سنة 337 هـ ثم إلى
ب-المفضليات،
ج-الأصمعيات ،
د-وكتاب الحماسة لأبي تمام ،
ه-وأشعار الهذليين ،
و- والنقائض بين جرير والفرزدق ،
ز-وكتاب اليتيمة للثعالبي
4- الدواوين الشائعة فهي :
أ-ديوان ذي الرمة ، ويذكر المقري أن أبا بكر بن زهر كان يحفظ هذا الديوان ويقول إنه يحوى ثلث مفردات اللغة العربية ،
ب-ودواوين الأعشى
ج-وديوان أبى تمام
د-وديوان المتنبي
ه-وديوان الصنوبري ( المتوفى سنة 334هـ).
و- وسقط الزند واللزوميات للمعري ،
ز-وديوان أبى العتاهية .
وإلى جانب هذه الدواوين يجب أن نشير أيضا إلى الدواوين التي جلبها أبو على القالي من الشرق عندما رحل إلى الأندلس وهي تشمل معظم الشعراء الشرقيين المعروفين لعصره.
5-وزمرة طبقات الشعراء ، التي تضم عادة مختارا من القصائد مع نقد موجز ، فلم تكن عديدة ، منها
أ-كتاب الطبقات لابن قتيبة ( المتوفى 276هـ )
ب-وكتاب الطبقات لابن النحاس ( المتوفى 337هـ )
6- وزمرة كتب الأدب ، ويذكر من كتب الأدب
أ-كتاب زهر الآداب للحصري
ب-وكتاب الآداب لابن المعتز
7-وزمرة كتب اللغة والنوادر ، ومن كتب اللغة
أ-الميسر والقداح لابن قتيبة
ب- والكامل للمبرد .
8-أما كتب النوادر فمنها كتاب
أ-النوادر لعلي بن حزم اللحياني
ب-والنوادر لأبي زيادة الكلابي
ج-والنوادر للحصري .
9-وزمرة كتب النحو .
وإذا كانت جميع الكتب التي ضمها مكتبة الحكم الفخمة ، قليلة عدد النسخ ، بعيدة عن أن تكون في متناول عامة الناس ، فإننا نزعم أن عددا منها كان يتداوله الأدباء المقربون من البلاط الأموي ، وأن هذا التراث الأدبي ، عندما سقطت خلافة قرطبة لم يفقد بأجمعه ، وقد أدى التوزع السياسي الذي عقب هذا السقوط توزعا أدبيا ، وتبعثر ما بقي من مكتبة الحكم في مكتبات ملوك الطوائف وفي المكتبات الخاصة لبعض متذوقي الأدب .
10-كتاب الأغاني الذي كان الحكم قد اشترى نسخة من نسخة الأولى كان يقرأ في حلقات بعض مدرسي الأدب . وأن ابن عبدون كان في شيخوخته يتلو الأغاني عن ظهر قلب ؟ و أن كتاب الأغاني قد لاءم و ذوق الأندلسيين وميلهم للشعر والموسيقى ، وقد أثر تأثيرا كبيرا في الأوساط الأدبية وحلقات السمر المرهفة التي كانت منتشرة في الأندلس وقد ألف يحيى الحدج أديب مرسية كتابا على نمطه يدعى كتاب الأغاني الأندلسية ،
11- رسالة ابن حزم:
12- والحكايات الكثيرة التي يرويها المقري في نفح الطيب .
13-النوادر لأبي علي القالي وأماليه وقد أملاهما في الأندلس نفسها ،
14- الكتاب لسيبويه وقد اهتم به أهل الأندلس وتدارسوه وشرحه شارحا مطولا ابن المناصف
15- فصيح ثعلب كان له قارئوه من الأندلسيين
16- كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت
17- كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي ( وفاته سنة 223هـ )
18-كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة وقد شرحه ابن السيد البطلوسي أحد نحاة بجاية في القرن الحادي عشر الميلادي ،
19- الكامل للمبرد أقبل الأندلسيون على دراسته بكثير من الشغف والاهتمام ،
20-فألف صاعد اللغوي ، وهو نحوي شهير قدم الأندلس زمن طوائف الملوك كتابا اسماه (( كتاب الفصوص )) حذا فيه حذو المبرد في الكامل .
ثالثاً-الشعراء الذين اهتموا بهم :
في طليعة الشعراء الذين اهتم الأندلسيون بهم واستساغوا شعرهم وأحبوهم
1-أبو نواس
2-ابن الرومي ، وقد نظم في هذا المعنى كثير من شعراء الأندلس أشعارا تعارض ابن الرومي يعجبون بوصفه للطبيعة ويحفظون له أشعاره في تفضيل النرجس على الورد ,
3-البحتري فقد كان محط إعجاب الأندلسيون ، وقد لجئوا إلى طريقته في النظم ، 4-المتنبي ، وقد ملأ الدنيا كما يقول ابن رشيق ، قد وصل تأثيره إلى المغرب الإسلامي وبخاصة الأندلس ..
ويظهر أن المعتمد هو أول ملك من ملوك الطوائف اهتم اهتماما كبيرا بالمتنبي ، حتى أن إعجابه بشاعرنا العربي الكبير قد أزعج الشعراء المحيطين به .
5- كالشريف الرضي الموسوي ( وفاته 428هـ ) .
6-وعبد المحسن الصوري ( وفاته 419هـ )
7-ومهيار الديلمي ( وفاته 428هـ ) .
فابن خفاجة الذي يعد شاعر الطبيعة الأول في الأندلس والذي لم يكن سوى مقلد عبقري ، يعرف بأنه مدين في أكثر وحيه إلى شعراء مشارقة كالشريف الرضي الموسوي ( وفاته 428هـ ) . وعبد المحسن الصوري ( وفاته 419هـ ) ومهيار الديلمي ( وفاته 428هـ ) . ولا يصعب علينا أن نبين ما أخذه عن البحتري والصنوبري من معان وأخليه تتعلق بوصف الطبيعة ، حتى إنه كان يلقب بصنوبري الأندلس .
8-أبو العلاء المعري :
أ-ويدهشنا أن رسالة من رسائل أبي العلاء المسماة (( الصاهل والشاحج )) قد قلدها أحد أولاد الأندلسي ابن عبد الغفور تحت عنوان (( الساجعة ))
ب-يشير المؤرخون إلى أن أبا عامر بن شهيد ( 382 – 426هـ ) كان مولعا بآثار المعرى حاذيا حذوه .ويقال إنه عارض ( رسالة الغفران ) للمعرى برسالته : ( التوابع والزوابع )

لا تعليقات

اترك رد