كيف يتشكل النظام الإقليمي المقبل ؟

 

لا يمكن فصل النظام الإقليمي عن النظام العالمي، فالثمار الروسية في سوريا التي تعتقد أنها قد كسبت منفذا بحريا على البحر المتوسط، وتوقيع اتفاقية مع نظام مدعوم من قبلها يحاربه شعبه بوجود قاعدة لمدة نصف قرن يمكن تجديد تلك الاتفاقية تلقائيا لمدة 25 سنة أخرى من دون أي ثمن، سيجعل روسيا تنتحر من أجل الحفاظ على هذا النظام، وفي نفس الوقت ستقيم علاقات وثيقة مع الدول الفاعلة في المنطقة والتي لها الكلمة العليا في المنطقة مثل إيران وتركيا والسعودية، لكن مع الأخذ في الاعتبار مصالحها مع دول عظمى مهمة مثل الولايات المتحدة الذي أجبرها على تطمينات أكراد سوريا وفق حماية أميركية واعتراف روسي الذي أغضب الحليف التركي.

كذلك من أجل الحليف السعودي اضطرت روسيا إلى تغيير استراتيجي على مشروع التدخل الإيراني في سوريا، لكنه تحول إلى مشروع إقامة دائمة واحتلال لكن الاحتجاجات الأخيرة في 75 موقعا في إيران ستضطر إيران إذا تمكنت من إدارة تلك الاحتجاجات أن تنكفئ نحو الداخل وستجبر على التخلي عن مشروعها الخارجي وكذلك التخلي عن دعم المليشيات، رغم أنها حاولت أن تعتمد تلك المليشيات ذاتيا على نفسها قد يكون ذلك في العراق لكن في لبنان واليمن لا زالت تلك المليشيات تعتمد اعتمادا مباشرا على إيران خصوصا بعدما ارتفعت تكاليف تهريب السلاح إلى الحوثيين وفي السنوات الماضية تهريب السلاح لحزب الله وبقية المليشيات في سوريا حيث تذكر الإحصاءات بأن إيران تنفق على تلك المليشيات نحو 35 في المائة من الدخل.

رغم تصدع الغرب وبدا مشاهدة تفكك النظام الليبرالي الذي أنشأته أميركا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي يعني أن العالم يدخل طور يتسم بتراجع العولمة وتزايد الصراعات سواء كان نتيجة أو سبب الفوضى العالمية الجديدة إلا أن الدبلوماسية الأوربية نجحت في تطويع إيران وفق سياسة ذكية ذات وجهين لأنها تؤمن إن تركت إيران دون رادع فإن إيران ستصبح أقرب إلى إنتاج ما يكفي من الوقود النووي لبناء القنبلة النووية بأكثر مما كان عليه الأمر قبل الاتفاق عام 2015 وتلتقي أوربا مع أمريكا تجاه إيران لكن تختلف الوسائل بين الجانبين.

في المقابل كيف يواجه الكيان العربي أقصد السعودية ومصر سوريا الإيرانية التي أقامت مستوطنات لإقامة دائمة، وكيف يواجه العثمانية الجديدة التي تواجه تركيا رفض أوربي في انضمامها إليه بحجة حقوق الإنسان، كان آخرها رفض ماكرون الرئيس الفرنسي بعد اجتماعه مع أردوغان، مما جعل أردوغان بعد دعم قطر مقر الإخوان المسلمين بقوات تركية، واليوم يتجه نحو إنشاء قاعدة تركية في الصومال في المناطق الهشة من العالم العربي.

كان آخرها جزيرة سواكن في السودان الذي تسببت في ضرب العلاقة المصرية السودانية مما جعل السودان يستدعي سفيره في مصر للتشاور دون أن يذكر السبب أو مدة بقائه ردا على تعليق وسائل إعلام مصرية على زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسودان وتمدد أنقرة في المنطقة باتفاقيات عسكرية واقتصادية في تحرك أثار قلقا عربيا خاصة على الأمن القومي المصري باعتبار أن البحر الأحمر يشكل مجالا حيويا لأمن كل من مصر والسعودية.

استثمر أردوغان الخلافات بين مصر والسودان حول سد النهضة والنزاع حول حلايب وشلاتين وفسر على أنه تعزيز المحور التركي القطري السوداني نافية السودان الانخراط في سياسة المحاور، لكن محللين اعتبروا أن زيارة أردوغان للسودان وتشاد وتونس تستهدف توسيع التمدد التركي في أفريقيا وتهديدا لأمن المنطقة بل اعتبره البعض طوقا امني تركي انطلاقا من السودان.

خصوصا وأن مصر تعرضت عام 2017 بشكل خاص ضربات إرهابية يعتقد البعض أنه عقاب لمصر على ما أقدمت عليه في المحافل الدولية خصوصا وأنه يعزف على وتر أقباط مصر لتفكيك النسيج الاجتماعي المصري خصوصا وأن مصر استطاعت منذ 30 يونيو 2013 بدعم سعودي بإفشال أكبر خطة لمسخ المنطقة العربية تبدأ من مصر وفق عدد من المشاريع التي تلتقي في الأهداف وتختلف في المصالح من المشروع الفارسي الذي يلتقي بالمشروع الصهيوني بالإضافة طموح العثمانية الجديدة التي تتخذ من جماعة الإخوان المسلمين ورقة لإحيائها بعدما تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة.

خصوصا وأن هناك صحوة عربية تقودها السعودية ومصر لقيادة مراجعة معمقة من أجل رفع القدسية عن الأيديولوجيات سواء كانت سنية أو شيعية وتقديم منظور لا يتعارض مع أسس الدين الإسلامي الحنيف باعتبارهما مركز الإسلام.

وهما دولتان أفشلا كل محاولات جهات كثيرة لها مصلحة في تدمير العلاقة بينهما إلا أن المصالح الاستراتيجية جمعتهما، وبدأ يدركان تربص إيران وتركيا وإسرائيل
بالمنطقة العربية ولديهم قدرة ومهارة التحركات والقدرة على الأداء التكتيكي واستثمار الفراغ الذي استثمرته روسيا والحضور للمنطقة نتيجة التردد أو التعمد الأمريكي.

هناك أزمة صامتة بين السعودية وتركيا رغم زيارة يلدريم رئيس وزراء تركيا للسعودية، لكن ردت السعودية على سواكن تركيا بزيارة الرئيس القبرصي بعد زيارة وزير الخارجية وهي لا تمر مرور الكرام ذلك أن العلاقات مع تركيا متوترة تحكمها محاولات عدم إغضاب الحليف التركي.

لذلك الزيارة لا يمكن فصلها عن التطورات التي تحدث في المنطقة لكبح طموحات تركيا واستعادة دورها التاريخي في البحر الأحمر، يأتي ذلك بعد تحميل الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس تركيا بعرقلة حل الأزمة القبرصية عقب القمة الثلاثية مع الرئيس المصري السيسي ورئيس وزراء اليونان وإصرار تركيا على وضع وحدات عسكرية في قبرص أفشل كل المحادثات حيث تعود الأزمة بعد غزو تركيا الجزيرة عام 1974 واحتلت 37 في المائة من الأراضي الشمالية لقبرص وطردت منها سكانها اليونانيين.

في المقابل تقوم مصر بسياسة تعزيز علاقاتها بباقي دول حوض النيل 9 دول بخلاف مصر وأثيوبيا من أجل كسب مزيد من المؤيدين لقضيتها حيث ساهمت مصر في درء مخاطر الفيضان في أوغندا شمل تنفيذ أعمال الحفر والتطهير بمسار مجرى النهر وتفتيت الصخور الكبيرة وإزالتها بعيدا عن مسار النهر وتم الانتهاء من المشروع بالكامل، وأيضا زيادة موارد النهر من المياه التي يتم هدر معظمها حيث هناك ما يزيد على 1600 مليار متر مكعب تصل مياه النيل كل عام لا يصل لدولتي المصب مصر والسودان سوى 84 مليار متر مكعب أي ما يعادل 5 في المائة في حين أن 95 في المائة الباقية إمام تستخدم في باقي دول الحوض وإما تضيع أجزاء كبيرة منها بالتبخر.

السعودية ومصر دولتان تستعيدان الوعي العربي في إطار طرح نظام أمني عربي وإقليمي جديدين متكاملين، والاهتمام بإنشاء رابطة الجوار العربي من أجل إنشاء منظمة الأمن والتعاون الإقليمي في الشرق الأوسط من أجل عودة تركيا عن طموحاتها وترضى بالانضمام لهذه المنظومة الجديدة، وكذلك قد تقتنع إيران في المرحلة المقبلة بعد مراجعة سياساتها الخارجية خصوصا وأن مشروعها أثبت فشله بعد تلك الاحتجاجات، وتقديم الدعم السياسي للعراق الذي يعاني من ملفات مفتوحة.

1 تعليقك

اترك رد