ايران 2018


 

انتفاضة اخرى تشهدها ايران هذه الايام بعد هدوء دام ثماني سنوات، كانت اخر المواجهات بين الشعب والنظام في عام 2009 وقد تمت مواجهة الثائرين بالحديد والنار ..

لم تكن انذاك ثمة صراعات واضحة المعالم بين ايران واميركا من جهة وبين ايران وجاراتها العرب من جهة اخرى، وكانت الثورة انذاك والتي سميت ( بالحركة الخضراء) نتاجا للصراعات الانتخابية وصدام القوى الداخلية التي تسعى للهيمنة على السلطة، فقد شعر الاصلاحيون انذاك بقيادة المرشح للرئاسة مير حسين موسوي ان الحكومة زورت نتائج الانتخابات لصالح احمدي نجاد الذي فاز حينها بولاية ثانية، وكانت نتيجة تلك المواجهات مقتل الكثير من المواطنين واعتقال شخصيات هامة بينها شقيق الرئيس الايراني الاسبق وحفيدة خميني وصحفيين واعلاميين وشخصيات ناشطة تدعو للاصلاح، كما تم فرض الاقامة الجبرية على موسوي وعلى مهدي كروبي المعمم الذي كان من اهم قادة الثورة..

ما يميز الانتفاضة الحالية هو انها تتفاعل مع عوامل داخلية وخارجية متعددة، فخارجيا هناك صراع ايراني مع المحيط العربي وصراع ايراني اميركي، وهناك تحالف اميركي سعودي اسلامي لمحاربة الارهاب الذي تزعم اميركا ان ايران هي الراعي الاكبر له بحسب تصريحات ترامب، وتاتي ايضا في ظل صراع سعودي اميركي ضد حزب الله والحوثيين الذين تساندهما ايران بشكل مكشوف، كما تاتي ايضا بعد الانتصار الميداني على داعش في العراق وسوريا، اما داخليا فهناك من الاسباب ما لايمكن حصره وان حاول البعض من ساسة ايران او المراقبين اعطاء توصيفات انية ومباشرة لانطلاق الاحتجاجات..

قامت الحكومة الايرانية مؤخرا باعدام الملايين من الدجاج المصاب بانفلونزا الطيور وفق ما ذكر المتحدث باسم الحكومة، محمد باقر نوبخت مما ادى الى تضاعف اسعار البيض الذي يعتبره بعض المراقبين السبب المباشر للثورة، ولكن نائب مدينة نيسابور ( حميد غارمابي) يرى ان الأسباب أعمق من ذلك وبحسب تصريحه لوكالة فارس فإن هناك أزمة كبيرة في مشهد سببتها المؤسسات المالية غير القانونية باشارة منه الى انتشار واسع لمؤسسات القروض المالية غير القانونية، وتاتي هذه الاشارة متوافقة مع ما كتبه أمير الموسوي المستشار الثقافي للسفارة الإيرانية في الجزائر عما يجري في إيران والذي حدد ثلاثة عوامل أساسية مطلبية ساعدت على انطلاق الإحتجات وهي:

1- إفلاس بنك كاسبيان الخاص حيث امتنع هذا البنك عن دفع ارباح الزبائن المودعين أموالهم لديه وهم عشرات الآلاف من المواطنين وعدم قدرته على استرجاع رؤوس اموالهم بعد دخوله في مشاريع فاشلة وغير مجدية، ثم افلاس مؤسساته الاقتصادية ومنها مؤسسة فرشتكان..

2- الميزانية المقترحة من قبل الرئيس روحاني الى مجلس الشورى الإسلامي للعام القادم تتضمن زيادات كبيرة في أسعار الوقود والسلع الضرورية.

3- قطع الدعم المالي عن الملايين من المواطنين من قبل حكومة السيد روحاني بحجة أنهم ليسوا فقراء.

إلا ان المراقب لابد ان يلاحظ ان جملة هذه الاسباب المطلبية لايمكنها ان ترقى الى ان يرفع الجمهور الثائر شعارات سياسية تمس اقدس ما يملكه الايرانيون، فايران كلها ومعها بعض المؤيدين والتابعين في

العراق وسوريا واليمن ومناطق اخرى شرقا وغربا هم ملك يمين الولي الفقيه علي خامنئي، وارتفاع سعر البيض وافلاس بنك ما، لايمكنه ان يشكل دافعا لرفع شعارات مثل:

(( لا غزة لا لبنان، روحي فدا ايران .
اترك سوريا وفكر فينا.
الموت للديكتاتور
الموت لروحاني.
الحكومة كاذبة والوعود خالية.
الوحدة الوحدة لا للخوف لا للخوف من الشرطة.
نحن نادمون على الثورة واسقاط النظام الملكي))

كما قام المتظاهرون بحرق صور الولي الفقيه وروحاني وسليماني واخرين، ومن هنا على المراقب ان ينظر بعمق الى ما تعنيه تلك الكلمات ، وكذلك الى الجهات التي يمكن ان تكون خلفها، خاصة وان كلمة الدكتاتور تشير الى الولي الفقيه حصرا وليس الى اية شخصية اخرى..

ولكن ايضا لايجب علينا كمراقبين ان نمنح خيالنا فرصة لتخيل ان هذا النظام سيهوي سريعا امام الثائرين، فعمر النظام اطول من عمر الثائرين وركائزه اقوى واسلحته ومؤسساته اكثر فتكا وجبروتا، ويمكن قياس هذه الصورة مع صورة نظام صدام حسين الذي اشار الكثير من السياسيين باستحالة تغييره لولا التدخل الاميركي، فاضافة الى قوى الامن والشرطة هناك الحرس الثوري الايراني وهناك الباسيج ومن ثم الجيش الذي صدرت له الاوامر بنشر الدبابات والقوات المدرعة في شوارع بعض المدن المهمة..

وهذه الصورة لاتعطينا املا ايضا بامكانية التدخل الاميركي العسكري في ايران، فعالم اليوم ليس عالم 2003، وايران ليست العراق، مع ان المواطن الايراني البسيط يعيش الفاقة والفقر ويعاني من الضغوط وتقييد الحريات والحرمان بظل نظام ثيوقراطي دكتاتوري ظلامي قائم على الخرافة والدجل ، الا انه يملك شعورا وطنيا وقوميا يجعله ممتنعا بكل الاحوال عن الترحيب بالغزاة، بعكس العراقيين الذين احتفلوا بسقوط دولتهم واعتبروه يوما وطنيا ومنحوا الفرصة لكل العملاء والخونة واللصوص والجناة والزناة ليكونوا حكاما لهم ..

ورغم كل الظروف التي يعيشها الايرانيون الا انهم مازالوا كشعب متماسكين موحدين تجاه هويتهم وتجاه اهدافهم، ويرون ان بامكان ايران ان تكون افضل واكثر تقدما لو حظيت بنظام يهتم بالتنمية وبالتقدم اكثر من اهتمامه بالسيطرة والتاثير على الاقليم ويشمل ذلك مسالتي تصدير الثورة والتدخل لمساعدة انظمة يعتبرها النظام جزءا اساسيا من منظومته الامنية كما عبر عن ذلك قاسم سليماني في رده على اسئلة النواب بخصوص دعمه لنظامي العراق وسوريا وما يتطلبه ذلك من تكاليف ضاغطة على الوضع الاقتصادي الايراني.. وهذا التماسك هو الذي دفع خبراء السياسة الاميركيين بان ينصحوا ترامب بالصمت وبعدم التغريد على تويتر دعما للمحتجين لان من شان ذلك ان يثبط عزيمتهم ويعطي الفرصة للنظام باتهامهم بالعمالة وهو ما حصل فعلا..

رغم ان ما يحصل الان لايعطينا امكانية كافية لنتصور المستقبل الا ان صورة واحدة تكفي لكي نقول ان ايران عام 2018 ليست تلك التي نعرفها سابقا، فصورة المقدس قد اهتزت، واحرقت والقيت على

قارعة الطريق، وديست بالاحذية، ولم يعد هناك ما يمكنه ان يكون رادعا امام اي مطلب اخر ، صحيح ان للقوة دور وتاثير، وصحيح ان الاحتجاجات يمكن ان تتوقف قريبا، غير ان جرح المقدس سوف يظل ينزف دائما..

واميركا التي ازاحت صدام بالقوة تعرف جيدا ان حدود ايران عصية عليها وتعرف ايضا ان التغيير في ايران سيكون من داخلها وسيحصل يوما ما ..

كنت قد كتبت في عام 2016 في زاويتي ( حديث الاصلاح)، ان التغيير في العراق وفي المنطقة لن يتم ابدا ما لم يتغير النظام في ايران، ولهذا كنت وما زلت اتطلع الى الشباب الايراني الحالم بالحرية والتقدم كي ينهض ويستعجل التغيير حتى تشهد المنطقة تحولا ليس سياسيا فقط بل ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا..

لا تعليقات

اترك رد