المبدع عادل كاظم بين الاسطورة والحكايات الشعبية


 

لعل الحديث عن الكاتب الدرامي عادل كاظم يقودنا الى الكثير من المواضيع المهمة التي تحيلنا الى مجموعة من الاسئلة التي قد تجد اتفاق, أو اختلاف ,أو,مزاوجة مابين المفهومين, وفي هذا ابتعاد عن الحكم النقدي الحقيقي الذي يمكنه ان يساهم البناء الحقيقي لمفاهيم نعم ولا .ومن تلك الاسئلة سؤال يبرز الى الاذهان دائما هو:هل انتهى عصر الاساطير ؟.ولهذا السؤال تفرعات كثيرة منها :هل يمكن صناعة اسطورة أنيّة نعيشها ونكتب عنها تستوعب ملامح وخصائص الاسطورة ؟وهل هناك اسطورة كبيرة واسطورية صغيرة ,وهل سنكون نحن مادة لاسطورة سنكونها بعد الاف السنين مثلا لها خوارقها ومفاهيمها النصف الاهية كالطيران وخوارق السينما فيلم (افاتار)مثلا والكومبيوتر والانترنيت ..الخ .

اصوغ هذه المقدمة وانا استرجع معظم الثيمات التي كتب عنها عادل كاظم او التي اعتمد عليها في كتاباته المسرحيّة والتلفزيونيّة فأجدها قد اعتمدت على اساطير كبيرة عالمية واخرى محلّية امتدّت من ملحمة كلكامش في (الطوفان ) الى(بنت المعيدي) وحكايتها المحليّة التي حملت بعض المفاهيم الاسطوريةالمحليّة على الاقل مرورا بالاعمال التي اعتمدت على مسرحيات بريخت (دائرة الفحم القوقازيّة) التي تحولت الى (دائرة الطباشير البغدادية) و (الموت والقضية) عن شهرزاد و(حي بن يقضان )لابن طفيل ,ومسلسل (البيانات المفقودة) مستفيدا من اسطورة الف ليلة وليلة مرورا بالكثير من القصص لتشيخوف وكافكا وفيكتور هيغو في (البؤساء) التي تحولت الى مسلسل (الايام العصيبة ) وكذا كان في معظم اعمال عادل كاظم .وهنا يبرز لنا سؤال اخر مفاده :هل يفتقد عادل كاظم الى موهبة ابتكار الحكايات ؟

وهل موهبته تكمن في اعادة صياغة تلك الاساطير والحكايات في اطر جديدة تعتمد على حنكته في اقتناص سرديّة متفرّدة مستفيدة من بناء السرد في الاعمال العالمية التي تتنقل بين المواضيع المختلفة فيداول عادل كاظم بينها, يأخد من هذه ويضعها في تلك وهكذا, الى ان استطاع ان يبني لنفسه طريقة في محاكاة واقتراب كبير لمفهوم البنية السردية في الادب العالمي واهتمامه الاستثنائي في بناء شخصّات اكثر من بطل في العمل الواحد معتمدا على التشابه في الصفات واختلاف الاساليب في التعامل مع هذه الصفة ,أو الاختلاف الذي يشعل عمليّة الشد والاثارة والتضاد داخل بنية العمل الدرامي وهذا مايتوضح جليا في مسلسلي (الذئب والنسر وعيون المدينة ) والحقهما في الجزء الثالث (الايام العصيبة ) معتمدا عن رواية (البؤساء) .وهذا اعلان منه شخصّيا بأن المسلسلين السابقين كانا ايحاءا او استفادتا من البؤساء او غيره من الاعمال العالمية؟ لقد اعتمد عادل كاظم على الشخصيّات التاريخية المهمّة والتركيز عل اضفاء صفة المحليّة عليها من خلال الرموز والجمل ذات البناء السردي المتطور مستفيدا من فهمه وحبه للاسطوري والملحمي والواقعي والسحري والرومانسي وحتى الكوميدي ليخرج ببناء درامي يحوي كل ماسبق بنسب متفاوتة وبذكاء كبير, اذ كان يستعين بكل مفهوم منهافي المكان المناسب, ولايترك مكان أو زمان دون ان يضع له الاطارالمناسب والشكل المناسب,,

فيخرج ببنية لايمكنها نكران البناء الماضي لها كما لايمكننا ان نقول انها تنتمي جميعها الى الماضي لان فيها من جمال الحاضر وتصرف الكاتب الشيء الكثير ,وفيها من الصنعة والابداع مايوازي او ينافس اهمية بنيتها الاولية وهذه طريقة لمنافسة العالميّة لايجيدها الاّ من يمتلك صفات الخالق الدرامي المثقف, صاحب الخيال الواسع, والفهم والانتماء الى المفردات والرموز المحليّة القريبة من العاطفة الجمعيّة, وتوظيف التاريخ والموروث الشعبي العراقي والعالمي, وتحويله الى بنية درامية مصنوعة بحرفية عالية ,أو اعتماده على حدث تاريخي كبير يستلهم منه تلك الفكرة فيبثه في نص حديث كما جاء ذلك في مسرحية (الحصار ) مثلا التي جاءت عن الحصار في زمن الوالي (داود باشا) .ولكن الذي يميز عادل كاظم هو انه يتصرّف في بعض ثنايا النص فيطرح ذاته في وجهة نظر قد تغيّر بعض من الاحداث على ان لا يغيّر التاريخ وقد يتم تغيير بعض النهايات ,او يضيف شخصية او اكثر في بعض الاعمال مثل مسرحيّة (المنتقم ) المعدّة عن قصة بنفس الاسم للكاتب الروسي (تشيخوف) التي اضاف لها شخصية جديدة لا توجد في النص الاصلي . كما انه لم يلجأ الى اعداد نص مسرحي الى اخر ولا الى نص تلفزيوني بل انه استفاد من الاساطير والحكايات الشعبية والقصص كونها تعتمد على بناء سردي كبير يمكنه ان يتصرّف به ويصنع منه نص جديد يعطيه الحريّة في اختيار طريقة جديدة تنتمي له ولطريقته في البنية الحكائية التي تميل الى صناعة بطل او اكثر وخلق بنية متشابكة من الاحداث تنتمي الى تلك الشخصية او الشخصيات, وصنع علاقات لايمكنك ان تفككها ابدا الاّ بالاعتماد على بنية وعلاقات تلك الشخصيات كما في اغلب اعماله التلفزيونيّة (الذئب والنسر والاياموحكايت المدن الثلاث ).

فالكتابة عند عادل كاظم هي عملية ابداعية تعتبر ثمرة وانتاج لمرحلتين سابقتين احداهما هي الثقافة العامة ونتاج المرحلة الثقافية الماضية ,والثانية هي المرحلة القريبة جدا من لحظة الكتابة والابداع المتمثلة بالقراءة المتأنيّة والبحث الابداعي الملاصق لمرحلة الكتابة, لهذا تأتي اعماله مبنية على فهم الماضي البعيد والقريب, والحاضر بكل صفاته واشكاله .واعود للاسئلة الاولى في هذا الموضوع وأقول ان الاساطير تصنعها الشعوب والحضارات بصيغ مختلفة تعتمد على كمية الشحنة العاطفية التي تترك اثارها على المفاهيم الجمعية للشعوب كافة ,كما اننا نعيش اساطير انيّة كثيرة وكبيرة لكثرتها لانتناولها بتلك الجدّية التي يسعى عادل كاظم لتناولها والاستفادة منها ليخلق لنا (اسماعيل الجلبي,وقادربيك,ورجب ,وو). عادل كاظم كمبدع ينتمي الى عجائبية البناء السردي الواقعي العجيب ,لايستنفذ جهوده في البحث عن حكاية بقدر بحثه عن كيفية بناء حكائي لفكرة موجودة في تاريخ المجتمع العالمي والمحلي لانهمثقف ومبدع قادر ان يغوص في الحكايات لينتج بناءات جميلة ,طريفة,حكيمة ,متفردة .


ولد عادل كاظم في الفضل ببغداد عام 1939.عام 1941 هاجر مع والده الى البصرة ,كتب الشعر في سن المراهقة وعاد الى بغداد في شبابه ودخل كلية الفنون الجميلة وتخرج منها عام1971 .كتب المسرح محترفا وهو طالب في الكلية حينما اخرج له ابراهيم جلال مسرحية الطوفان ,وكان قد كتب عدة نصوص منها (الكاع ,الطحلب ,الموت والقضية) ,ثم واصل الكتابة المسرحيّة في (تموز يقرع الناقوس ,عقدة حمار ,المتنبي ,نديمكم هذا المساء ,مقامات ابي الورد,المومياء ,الخيط ) ومسرحيات اخرى ,

وكتب للتلفزيون مسلسلات مهمة منها (الذئب والنسر وعيون المدينة ,الايام العصيبة ,حكايات المدن الثلاث ,بنت المعيدي ) ونصوص مسلسلات لقناة MBC (بوابات المدن ,اصوات الضفة الاخرى ) و(زنابق المياه الراكده),كما كتب ثلاثية (الحب والفأر والكومبيوتر) ومسلسل ب(30)حلقة انتاج اردني اسمه (مضت مع الريح ) من اخراج الدكتورة خيرية المنصور ,وله رواية من ثلاثة اجزاء باسم( الشط الكبير ).كتبت عنه عشرات الدراسات والبحوث وكرّم من مؤسسات ودول كثيرة في المغرب والجزائر وتونس والامارات ومصر والعراق وسوريا .عادل كاظم صانع درامي كبير .

لا تعليقات

اترك رد