ملامح التجديد في الشعر العربي الاندلسي – ج2

 

اما الطور الاخر اوالمرحلة الثالثة فهي مرحلة التجديد وتعني المرحلة الأخيرة من نهضة الشعر الأندلسي, حيث بلغ فيها ذروته. وفيها تحررالشعرالاندلسي من تقليد الشعر في المشرق العربي كل التحرر, وصارت له اساليبه ومعانيه وصوره الشعرية المنبعثة من افكار ومخيلات الشعراء الاندلسيين وفنونه الخاصة به والمستمدة من الحياة الاندلسية الخالصة, كشعر الموشحا ت ورثاء المدن و الشعر الغنائي, والاستنجاد وكل فنون الشعر الاخرى …

أنَّ اكتمال الشَّخصيَّة الشعرية الأندلسيَّة لم يؤدِ ّ إلى إثبات الوجدان الأندلسي المستقل فحسب؛ بل ساهم بشكْلٍ كبير في ظهور إبداع أندلسي أصيل شهِدته الأندلس، متمثِّلٍ في الموشَّحات والزَّجل، باعتبارهما فنَّين جديدين في الشعر الاندلسي ثم العربي ، فهما يعدان من ثمار التطور الأندلسي.

وقد صور الشعراء بيئتهم الرائعة ، وبرزت العوامل الأندلسية الذاتية كما في شعر ابن عبدون، وابن خفاجة، وابن سهل، وأبي البقاء الرندي، وابن خاتمة الأنصاري، ولسان الدين بن الخطيب، وابن زمرك، ويوسف الثالث ملك غرناطة، وابن فركون، وعبد الكريم البسطي.

بسبب هذه محاكاة شعراء الاندلس للشعراء العرب في المشرق وتتبعهم أساليبهم ومعانيهم فقد تكنوا باسمائهم فقيل للرصافي ابن الرومي الأندلسي، ولابن دراج متنبي المغرب، ولابن هانئ الاندلسي متنبي الأندلس، ولابن زيدون بحتري الأندلس.

وكانت ظاهرة الانتقاء من التراث من خصائص الأدب الأندلسي، فكانوا يضمنون قصائدهم أقوال الشعراء قبلهم وأشعارهم وأمثالهم وكل ما صادف هوى في نفوسهم. ولقييت حركة التجديد صدى واسعا مستحباً في نفوس الأندلسيين، فلم يتقيد أغلب الشعراء بالاساليب الجاهلية او القديمة ومعانيها وأوصافها وقد نفروا من الألفاظ الوحشية والغريبة عليهم إلى الألفاظ المأنوسة الرقيقة، وكانت القافية الواحدة، وأوزان العروض الستة عشر ومثلها أكثر المعاني والأساليب المتوارثة في الشعر التقليدي في الأندلس .

الاساليب الشعرية في الاندلس تتشابه مع الاساليب الشعرية في المشرق العربي في بداية تكوين الدولة الاندلسية وتختلف عنها باختلافات بسيطة باختلاف شخصية الشاعر.

وعلى العموم كان هناك اسلوب رصين ومتين بنى عليه الشعراء قصائدهم دخلت عليه بعض من كلمات غريبة الا انه بقي جزل العبارة فخم اللفظ شديد سميك البناء .

الا ان الشعراء تاثروا بالامم الغربية بعد اطلاعهم على عاداتهم وتقاليدهم وتغيير البيئة عليهم والشعراء اول الناس يتغيرون ويتاثرون بمثل هذه الامور ويهيمون بمثل هذه الاشياء فادى هذا التغير الى تطور اساليب الشعر فتطور الاسلوب الشعري الغنائي اولا وما ل الشعراء الى التحرر من القيود الشعرية والانطلاق منها فكانت هناك قصائد في الشعر في الاسلوب السهل والتفعلية القصيرة او المشطورة او قل قطعت تفاعيل الخليل الى النصف في بعض الاحيان او الى الربع وحسب الحاجة وموازنة الموسيقى الشعرية الغنائية حيث ظهر الموشح في الشعر العربي في الاندلس واقتبسه الغربيون بعد عشرات السنين والموشح موسيقاه من الاوزان الشعرية المألوفة في الشعر العر بي توشحت اواخره اما بقواف ثنائية او ثلاثية واما بجمل متحدة القافية ومتوازنة المعنى .

اما اساليب الشعر العربي في الاندلس على العموم سهلة رقيقة مفهومة المعنى جعلت الشعراء ينظرون الى التقدم والتحضر والرقي ويلقون بانفسهم في مهاوي الحياة السعيدة المؤطرة بالرفاهية وسبل العيش الهني ينشدون للحياة المرفهة بين الروضة والجنة وبين الغنوة والرقصة واللحن الجديد او بمعنى اخر ينشدون ما يبهج النفس وفق ما املته الطبيعة الاندلسية الخضراء فتركت هذه الطبيعة ثروة شعرية ما زالت تطوي الايام وتقف كالجبل الشامخ في وجه كل الصروف الدهرية والاحداث الجسيمة بقصائدها العصماء التي هي من عيون الشعر العربي ولا تستطيع ان تطويها الايام او تغير من مكانتها الادبية والثقافية رغم مرور مئات السنين .

وعلى العموم فان الشعر الاندلسي يتميز بميزات كثيرة منها سهولة الالفاظ وسلاسة التركيب ووضوح المعاني كما ظهر في شعر الشعراء وفي حركة التجديد في الشعرالعربي في بلاد الاندلس مثل الموشح وذلك لجمال الطبيعة الاندلسية وسعة خيال الشعراء بهذه الطبيعة وافتتانهم بها فقد رق الشعر وكثرت التشبيهات البديعية والتوليدات الكلامية العجيبة فجاء ت قصائدهم رائقة التحلية فائقة التورية بديعة التنسيق.

ومن المثير جدا كثرة الشاعرات الاندلسيات بالقياس الى عددهن في المشرق العربي ومفاده ما تتمتع به المراة الاندلسية من علم ومعرفة وحرية شخصية فمنهن على سبيل المثال – عائشة القرطبية وولادة ابنة الخليفة المستكفي وحسان التميمية و حفصة الحجازية وحمدونة بنت زياد وغيرهن كثير .

وستبقى هذه القصائد وذلكم الشعراء يذكّروننا ان العرب فتحوا بلاد الاندلس وعمروها واقاموا فيها حضارة عربية لم تكن موجودة في المجتمع الاوربي كله واصبحت هذه الحضارة رافدا من روافد النهضة الاوربية الحديثة وسببا من اسباب تقدم الانسانية في الماضي والحاضر والمستقبل .

فالشعر العربي في الاندلس ما هو الا امتداد للشعر العربي في المشرق فقد تشابهت معاني الشعر الاندلسي اول الامر و معاني الشعر العربي في جميع مناحي الحياة والا مور التي قيل فيها فكأنه هو, فكان هناك شعر عالى النشأة شريف المعاني نشأ بجانبه شيء من شعر المجون والابتذال والخلاعة اوجدته الطبيعة الاندلسية الا انه قليل وبمرور الوقت دخلت حركة التجديد الى الشعر الاندلسي كما دخلته في الشعر العربي المشرقي و غالى الشعراء في المدح الى حد ان اتوا بالمستحيل وغير المأتي به في وصف الممدوح في المشرق غير انه بعد الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد وتمركز الحكم فيها واحساس الشعراء بتغيير البيئة والمجتمع انعكس ذلك في شعرهم فرق ولطف وابتعدوا عن البدوية التي كانوا عليها الى شعر محدث جديد وكان للطبيعة ومشاهدها الجميلة الحضور العظيم في الشعر العربي الاندلسي فتبدلت الطبيعة الصحراوية الجافة بطبيعة خصبة خضراء قد افاض عليها الله كل نعم الحياة و الجمال وحباها بما شاء من خير ونعم بين الخضرة وواريج الورود وظلال وارفة وطبيعة غناء تسر الناظرين وتفتح القلوب وتبهج النفوس مقرونة بالجمال الخلاب لينشد الشاعر قصيدته فيها بل هي القصيدة ذاتها .

وكان لاتصال العرب بالغرب نتيجة هذا الفتح المبارك وتطلعهم على عاداتهم وتقاليدهم ان اثر هذا في تقدمهم فكان الشعر الاندلسي رقيق الحواشي رفيع المعاني رقيق الشعور الشعري عذب الالفاظ جميلها واضحة البيان في تعبيرها .

كل ذلك ظهر في الشعر العربي في الاندلس حتى تطور في معانيه وفي كل ما لبسه من اثوا ب قشيبة وحلل ناعمة رقيقة فكان الشعر الموشح الجديد في الشعر العربي وكذلك ظهور شعر الزجل تبعا لما اقتضته طبيعة المجتمع هناك و حاجته الى ايجاد فن الغناء وموسيقى تنسجم معه .

فترنم الشاعر الاندلسي بكل مايحس به وما تفرضه عليه ظروف الحياة الحلوة الجميلة التي يعيشها والطبيعة الغناء من ابتكار في المعاني ورقتها وانتقاء الكلمات الخفيفة الرقيقة في النفس والخيال الواسع والتاثير في الاخرين . ونتج عن هذا التطور الكبير التجديد في الشعر في قصيدته واسلوبه ومعانية وفنونه وايجا د نوع جديد من الشعر اسموه ( الموشحات) واخر اسمونه ( الزجل ) وسناتي عليها جميعا بايجاز.

1 تعليقك

اترك رد