منهج العقل العلمي وفلسفة التسامح

 

منهج العقل العلمي ومبدأ احترام التعددية والتنوع في الوجود الإنساني

لنقرأ ما كتبه ابن عربي قبل قرون:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ
فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ


وبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ
وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن


أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ
ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني

طبعاً كان هذا قبل قرون، عندما تفتحت العقول بقيم التحضر والتمدن؛ وعندما انتشرت فلسفات تنويرية بمجتمعاتنا بالضد من تلك التي كانت تعبر عنها قلة ظلامية أو جاهلة متخلفة أحادية الاتجاه تتسلط بما تظنه صواباً مطلقاً، فتصادر الحريات والحقوق، وتلغي الهويات بتعددية وجودها، وتمنع حرية التعبير عن الرأي بذرائع تغلفها بما تسميه ازدراء الدين والاعتداء على المقدس، ذاك الادعاء التضليلي الذي تضعه بأولوية على حساب الوجود الإنساني وحرية الاختيار فيه…

وبينما ترى النصوص الدينية المقدسة أن الإنسان مخيّر، يولد حراً ولا تسمح باستعباده و\أو بقتله أو تصفيته ولا تقبل قوانين الغاب.. وتمنع فعل الفرد من أن يرتكب، لأية حجة أو مبرر أو ذريعة، تمنعه من ارتكاب جريمة الاعتداء على الآخر وحقوقه وحرياته، وهكذا، فبينما تلك النصوص (الدينية) الأصل منها، تتخذ هذا الاتجاه، يتخذ الظلاميون من الدين وقدسية نصوصه وما شرّعه، يتخذونه غطاءً لجرائم فرض سطوة (الأحادية) وعنجهية منطقها بل وحشية توجهه التصفوي الذي يصل مستوى ما يسمى إقامة الحد بمعنى القتل استجابة لنزعة أو نهج مصادرة الآخر ووصم تعبيره عن رأيه بأنه ازدراء الدين واعتداء على المقدس (المزيف التضليلي)، بمعنى ليس الديني في حقيقته ولكن السياسي المجتمعي العائد لأصحاب الرؤى الأحادية القائمة على الفرض بالقوة وبالبلطجة وبقيم ما أنزل الله بها من سلطان، وهنا التضليل في الادعاءات وأوهام خرافاتها..

وبديل البشرية منذ قرون كان يقوم على استيلاد الحواضر المدنية مذ ولادة دولة المدينة ومجتمعها القائم على منح العقل العلمي ومنطقه حق التقدم لإدارة المشهد الإنساني وتشذيب المجتمع والأفراد من نزعات الوحشية الغابوية ومن منطق القوة وعنفها العدواني، والقائم على التهذيب باحترام الذات وحفظها من أية سلوكيات مسيئة لوجودها مما يقوم على الهمجية وظلمة الفكر ومن ثمّ عدوانيته و\أو عدائيته…

لقد مرت البشرية ليس بحالات فردية من أشكال تصفوية ارتكبت جرائم الاغتيال والتقتيل، وإن تضخمت (أعداد الضحايا) وتفاقمت عواقبها، وإنما أبعد من ذلك مرت بحروب دموية بشعة قطفت من المجتمع الإنساني أجيالا بأكملها وأودت بحيواتهم إلى مهالك الموت بعد عذابات تلك الجرائم المهولة المرتكبة لمجرد أن فردا ونهجه قد قرر تصفية كل (آخر) مختلف في الرأي!

إننا اليوم أدعى لأن نتساءل مع أنفسنا فرديا وجمعيا: ما معنى أن نفترض أن الصواب هو دوما بجانبنا وأنه مطلق الوجود في كل ما نقول ونتصرف وأن الآخر هو على خطأ مطلق دوما وأنه يجب (تصفيته)!

تلك الرؤية المرضية، ما عادت اليوم مقبولة من أغلبية المجتمعات الإنسانية. وبات الإنسان المعاصر يؤمن بمنطق التعددية والتنوع وباحترام الآخر كما يحترم ذاته بل احترام الذات ينطلق من احترام الآخر والتعايش معه بقبول الاحتلاف والتعدد وغنى التنوع بهويات فرعية جميعها تصب في وجودنا الإنساني السليم…

لكن، عندما ننظر إلى المجتمعات التي تحكمت بها نظم الطائفية السياسية ومنهجها لا نجد من ثقافة يجري تسويقها وتفشي أمراضها سوى تلك التي تقف بالفرد وبالمجتمع عند طرف ينفي وجود الآخر ويعمل على تصفيتها ولا يقبل بالآخر إلا خاضعا خانعا لفلسفته ومنهجه ومنطقه العدائي للبشرية وإن توافرت الفرصة بخاصة عندما يكون الآخر (أقلية عددية) يجري تصفيته ببشاعة…

لنقرأ ما اُرْتُكِب بحق الأيزديين من تقتيل ومن استعباد واتجار بالنساء في اجترار سوق نخاسة من مجاهل الأزمنة الغابرة، أزمنة كهوف الظلام والتخلف. ولنقرأ ما جرى للمسيحيين من تصفيات وأشكال تمييز وتهجير وتصفية.. وما جرى لم يكن في مناطق أسموها سلطة الدواعش حسب بل جرت في كل محافظات العراق (الجديد) عراق الطائفية السياسية وحكمها باسم الدين حيث جرائم التهجير والتصفية وأشكال الاعتداءات من تفجير وتخريب ومضايقات واختطاف واغتصاب وأشكال تهديد وابتزاز للمندائيين والمسيحيين حتى خلت الديار والمعابد منهم وما بقي منهم لا يستطيع التصريح بالوقائع والحقائق المرتكبة على خلفية سطوة الميليشيات الطائفية التي تسرح وتمرح بظل دولة تشرعن وجود تلك الميليشيات ونهج يشيع مبدأ إسقاط القدسية عليها في وقت ترتكب يوميا جرائم تتناقض ومنطق الإصلاح الديني وما يفرضه من احترام الإنسان بغض النظر عن إيمانه إذ هو حر في وجوده وخياراته كما نقرأ في النصوص المقدسة غير المؤوَّلة وغير المشوَّهة في تفاسيرها وما يقدمه الظلاميون من اقتباسات ملوية العنق في دلالاتها ومعانيها…

إن كل إنسان يمتلك إرادته الحرة وخياره لا يمكنه إلا الإقرار بأن الإنسان مُستخلف على الأرض لإعمارها لا لهدمها وتخريبها ولا ما يعيث فيها فساداً.. وأن هذا الإنسان مكرَّم بعقله وبمنطق العقل العلمي ومنجزه لا بتجهيله وتسطيحه واستغفاله.. وهذا ما لا يختلف فيه اثنان لا من المؤمنين بأي دين بأصل نصوصه وبسلامتها وسلامة قراءتها وقبل تشويهها بالتفاسير المؤوَّلة ملوية العنق والدلالة ولا من غير المؤمنين بدين أو مَن يقدم العقل على النقل ومن يتمسك بمنهج العقل العلمي ومنجزه كونه الأداة التي جرى لا تكريمه به حسب بل وتكليفه بتوظيفه للبناء والإعمار..

من هنا كان واجب كل إنسان أن يتخلى عن منطق فرض رؤيته ومنطقه المنغلق على ذاته \ أناه وعلى أحادية وجوده وأن يقبل بالآخر ولا يفرض عليه أمرا إلا مما يدخل في الاعتراف بتعددية وجودنا واحترام تنوعنا وقدسية وجود ذياك الآخر كما وجود الذات او الأنا بمعنى تقدير منجز الإنسان بوصفه خطوة للتعايش ولتمكين الإرادة الجمعية لهذا التنوع في التقدم بالبشرية نحو أفق العيش بسلام وأمان وتبادل ما يخدم وجود الجميع ويتكامل بالجهود بنيويا لا اتلافيا..

إن كل القرائن التي تؤكد تمدن الإنسان وتحضره وتهذيبه وسلامة قيمه السلوكية تؤكد ضرورة بل حتمية عيشه بمنطق احترام الآخر وكذلك احترام طابع التعددية والتنوع ومنع كل سلوك يتعارض والتعايش السلمي بين المختلفين والسعي لوقف فوري وعاجل لكل ما شرعنته قوى الظلام والتخلف بقوانين مما يصادر الحريات والحقوق ويعتدي على منطق التعددية والتنوع في الوجود الإنساني القائم على أساس نص الآية:”إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”. لا لتحتربوا ولا تتقاتلوا ولا تخربوا أو تتصارعوا بل أن تجدوا في الاختلاف تنوعا يقوي وجودكم ويتقدم به وييخلق حوارا جديا نافعا…

لا يقبلنّ أحد اليوم، ادعاءات جهلة الظلام والتخلف، وما يدفعون إليه من اقتتال طائفي ومن أساليب مشاغلة الناس بالصراعات والتقاتل وتصفية الآخر وتشويهه وتسقيطه إلى درجة وضعه بحكم المكفَّر تمهيدا لتصفيته واغتياله أو قتله! وما ينبغي لنا هو أن نُسْقِط نهائيا من مبادئنا مبدأ أو أسلوب التكفير…

لا يقبلن أحد مبدأ التقاتل والتمترس أو التخندق الطائفي القائم على الأحادية وعلى تصفية الآخر والاعتداء عليه أو تبرير إخضاعه واستعباده بالثأر والانتقام أو بأي ذريعة تمنح الصواب المطلق وتمثيل المقدس لطرف وتنزعه عن آخر تمهيدا كما ذكرنا لتكفيره وإقامة حدّ التصفية عليه من كل من هب ودب من أدعياء التمثيل الحصري للإله أو للمقدس…

كل البشر سواسية وكلهم أحرار في الخيار الفكري الفلسفي الاعتقادي، وسلوكهم محكوم بقوانين التعايش والبناء لا بقوانين الهدم والتدمير والتقاتل ونهج تصفية الآخر واستعباده وإذلاله…

من هنا كان أول معاني وجودنا الإنساني يقوم على إقرار تنوعنا واحترام الآخر كما احترام الأنا.. وكان أول معاني اشتغالنا يقوم على منطق البناء والتكامل مع الآخر في مسيرة إعمار بيوتنا وبلداننا ومدننا…

كل من يدفعنا للتخندق والتمترس خلف الانقسام القائم على تكفير الآخر وادعاء امتلاك الصواب المطلق والتمثيل الحصري للمقدس إنما يقف منا موقفا عدائيا ويريد استغلالنا لمآربه وفي ظلال قبولنا بمنطقه يجري استعبادنا وإرسالنا إلى ميادين التهلكة والحروب العبثية..

لنرفض معا وسويا منطق التكفير في مناهجنا المجتمعية وفي سياقات القوانين وموادها ولنقف ضد أي موقف أو حكم ينتهك حرية الإنسان وحقه في الاختيار بخاصة في الفكر والاعتقاد وفي التعبير عما يحمل من رؤى طالما جاء ذلك بمنطق الحوار والتعايش السلمي وليس بالفر والإكراه والعنف..

ها نحن بني البشر بهويات قومية ودينية ومذهبية وفكرية وفلسفية وقيمية سلوكية لا تحدها حدود وهي قابلة للتوالد ومزيد التعدد، ما يهمنا في هذا هو توكيد احترام وجود الآخر مثلما عليه احترام وجودنا وقواسمنا لا تتجاوز ما ترسمه البشرية من قوانين حقوقية تحمي المجتمع البشري والأفراد من كل اعتداء يخرج على منطق التعايش واحترام التعددية والتنوع..

فــ هلا وصلت الرسالة إلى كل فرد منا؟ هلا وصلت الرسالة لمن يتحكم بقيادة مجموعة أو يمثل مرجعا لها؟ هلا وصلت الرسالة إلى من يشرعن ويصدر القوانين كيما يضبط نهجها بما يحترم التعددية والتنوع وحرية التعبير؟ هلا وصلت الرسالة إلى القضاة والجهات القضائية المعنية كيما ترفض كل تقاضٍ يقوم جوهره على تكفير الآخر؟ هلا أوقفنا محاكم التفتيش في الضمائر والعقول تلك التي تنوي تثبيت تهمة (ازدراء الدين) على امرئ لتفسح المجال بأوسع بواباته للزعران كي يرتكبوا جرائم التقتيل والتصفية على طريقة ما جرى لنجيب محفوظ؟

وهلا أقبلنا على منهج رفض الانتماء لأحزاب الطائفية السياسية ورفضنا نهجها واتخذنا لأنفسنا طريق العقل العلمي وما يفرضه من أسس قبول الآخر وسقيم سلوك للتعايش مع هذا الآخر بروح إنساني سليم؟

لمن مازال عضوا في حزب أحادي الاتجاه طائفي التخندق عليه أن يسائل نفسه اليوم قبل الغد؟ ولمن يريد العيش إنسانا حرا كريما يسعى للبناء والإعمار عليه أن يجد المنطق الأنجع في ممارسة السلوك الإنساني الأسمى القائم على احترام الآخر والإقرار بوجوده بمبدأ المساواة والإخاء والعدل..

ولكم ما ترون من إضافة سواء للمعالجة أم لمعاني القصيدة وما أرادت.. مرحى بكل التداخلات باختلاف ما تعرضه لا شرط عليه سوى حدود التعايش الإنساني واحترام حقوق الآخر وحرياته…

ما رأيكِ؟ ما رأيكَ؟

تذكروا التمييز بين المرأة والرجل هو عدم احترام للآخر وإنسانيته وحقوقه ومصادرة لوجوده واسعباد له وإذلال لشخصه.. والتمييز بين مواطن وآخر لانتماء ديني أو قومي أو غيره هو كذلك جريمة.. ولكل منكن ومنكم رؤية في معالجة موضوع الآخر بخاصة هنا في إشكالية التكفير التي يوصم بها طرف فيما يتستر الطرف الاخر على ما يمارسه من ذات النهج..

كل نهج أحادي مقيت مرفوض يدخل في الاعتداء والتصفية وما علينا سوى اختيار البديل وليس غريبا أو مخفيا ذاك البديل ولكن علينا اتخاذ القرار الآن قبل مزيد ضحايا نكون نحن من يساهم في ارتكاب الجريمة بحقهم بمجرد وجودنا بميليشيا أو حزب طائفي أو طرف يقوم نهجهما على التمييز..

لا تعليقات

اترك رد