على اسوار بغداد، قتل الخليفة

 

في خبر يعتبره البعض عابر، اعتبره انا من وجهة نظري مهم جدا.

الخبر هو رفع اسعار بعض السلع و من جملتها الوقود في دول الخليج. او كما يسمى اقتصاديا ضريبة القيمة المضافة.

هذه الخطوة تعتبر واحدة من أذكى الخطوات التي يمكن للحكام اتخاذها، لأن كل فلس يضاف على السلعة الأساسية تكون دخل صافي إلى خزينة الدولة.
ولقد بين الأمير محمد بن سلمان هذه الخطوة كواحدة من الخطوات الأساسية لنقل السعودية (ولربما المنطقة باكملها) من إقتصاد يعتمد على النفط بشكل أساسي إلى اقتصاد متنوع.
و يكون فرض ضريبة على المشتريات أحد موارد الدخل للدولة.

وطبعا لم يفت الأمير إضافة أن الدولة لن تفرض ضريبة على الدخل بأي حال من الأحوال و كأنه يطمئن السعوديين إلى أن الدولة لن تنظر إلى دخل المواطن و إنما تفرض علاوة بسيطة على الأشياء التي يستهلكها المواطن بأي حال.

من وجهة نظر اقتصادية، الدخل عن طريق ضريبة على المشتريات أو ضريبة على الدخل الأمر سيان. ولكن من وجهة سياسية الفرق شاسع جدا. لأن الضريبة على المشتريات هي مصدر دخل للحكومة لكن هذه الضريبة لا تدخل في نطاق العقد الاجتماعي بين الفرد و الدولة.
أما في حال الضريبة على الدخل، فذلك جزء كامل في العقد الإجتماعي المعقود بين الفرد و الدولة. لا بل إن الضريبة على الدخل هي بحد ذاتها تكون سهم الفرد في بناء مجتمعه. فلو دفع الفرد ضريبة على دخله للدولة يكون حينها صاحب حق في مسائلة الدولة عن الخدمات التي تقدمها إلى المواطن. و يكون الفرد حينها مشارك في بناء وطنه. الضريبة على الدخل مهمة جدا لأنها تجعل المواطن واعي لما يدور من حوله و تكون الدولة حينها خائفة من المواطن لأنه يكون حينها مصدر اقتصادي يجب مراعته.

أما في حال الضريبة المضافة على المشتريات، فتلك أموال خارجة عن العقد الإجتماعي، فالمواطن لا يحق له ان يسائل الدولة عن حقوقه لأن الدولة ببساطة سوف تقول له: لا تشتري شيئ إن كنت لا تريد أن تعطيني ذلك الفلس الزهيد.

إن الأمير (أو الأمراء) الجدد في الوطن العربي ككل، يتسمون بذكاء مرتفع عن من سبقهم من الحكام و ذلك لأن نظرية التطور تفرض احكامها على الجميع، فإما التكيف أو الزوال.

لنبتعد قليلا عن الحاضر و نذهب إلى الماضي، إلى حقبة المنغول و بالتحديد في وقت هولاكو خان.
يحكى أن هولاكو اقتاد آخر خلفاء العباسيين المعتصم بالله إلى اسوار بغداد ليعدمه. و كباقى الخانات، كان هولاكو يهتم لإثبات أنه على حق و ليس فقط لقوته العسكرية، لذا قبيل اعدام الخليفة، أتى بصناديق الاموال و الذهب التي كان يملكها الخليفة، ليريه أن ذهبه و أمواله لم تكن لتفيده بشيئ و قال له حينها: انظر إلى هذا المال الوفير و أنظر الى تلك الاسوار الخالية من سواعد الرجال، لو كنت مكانك لصرفت هذه لأحمي تلك الاسوار، ثم امر رجاله بإعدام الخليفة.

في الواقع الخلافة العباسية كانت قد بهتت و ضعفت منذ وقت طويل، ليس لضعف في الناس او الهمة و إنما لأن حكم العباسيين لم يكن قائم على فكر ناهض يقوم بالشعب و يحميه الشعب بكل ما اوتي من قوة، لذا فإن تداعي الدولة كان امر طبيعي.
وكذلك كل الدول، ما إن يضمحل الفكر، حتى تتفكك الدولة شيئا فشيئ.

اليوم الوضع مختلف، فالدول العربية لا تزال دول ناشئة لا تملك خبرة طويلة في الحكم. فالدول العربية الفقيرة اتخذت منهج القمع لتقويم حكمها الخالي من الفكر. أما الدول الغنية فقد انتهجت ادارة الدولة بشكل رعوي.
و اليوم يتغير الوضع مع انحسار عوائد النفط، لتجبر الدول الرعوية على التكيف مع الوضع الجديد.
وهنا يبرز النموذج الأمثل في للحكم، مجموعة من الأمراء الشباب و المتعلمين في الجامعات الغربية و الذين يرون الحكم من خلال العيون الغربية.

نعم إن الاقتصاد مهم و هو الركيزة التي تقوم عليها كل دولة، لكن إن لم يكن الشعب مواكب لمسيرة الدولة، فستظل دول هشة.

الدول العربية، فقيرها او غني، كلاهما يغيب المواطن عمدا عن المشاركة في السياسة خوفا من المنازعة على الكرسي. فالحاكم يحاول بشتى الطرق أن يحفظ لنفسه بمنزلة تفوق على الشعب، اما عن طريق القمع و إما عن طريق التجويع.

على كل حال، إن أردنا فعلا النهوض بلداننا، فيجب أن يشتزك المواطن في السياسة عن طريق العملية الطيمقراطية في الترشيح و الانتخاب و المسائلة الخ.
وايض المشاركة بدفع الظريبة على الدخل بشكل شفاف، حيث أن الدولة و الشعب يكونون على دراية بالدخل و الإنفاق.

إن الخليفة لم يقتل على أسوار بغداد إلا لأنها كانت خاوية من الناس، لأنهم غيبوا لقرون طويلة.
إن خطر تغيب و عزل الشعب عن المشاركة في الحكم هو اخطر بكثير من ان تكون الدولة فقيرة.
فالشعب و الحاكم يمكنهم تحقيق النجاح و المال. أما الحاكم بماله من دون شعبه، لن يحقق الكثير، تماما كما حصل مع الخليفة على اسوار بغداد.

لا تعليقات

اترك رد