اعتقال الفصول الأربعة لعلي دريوسي

 

اعتقال الفصول الأربعة لعلي دريوسي:
خمرة معتّقة في قوارير جديدة

يقدّم الصديق (على دريوسي) لمجموعته القصصية الأولى، الموسومة بـ (اعتقال الفصول الأربعة)، الصادرة عن دار أرواد بسوريا

” لتكتب قصة قصيرة مثيرة، عليك فقط أن تنظر من النافذة وتطلق العنان للخيال، أو أن تتسكّع في الشوارع حتى الثمالة “.

كان على دريوسي أن يضيف شرطاً آخر، وهو الشغف بالآلة، ليمنح زيتها انسيابية قصوى لمحرّكات التشغيل، في حكايات يتداخل فيها المجتمع الألمانيّ المتطوّر تقنياً المعقّد بعلاقاته، والساحل السوريّ المتمسّك بأصالته وبساطته، حرص دريوسي أن تظلّل حكاياته بفيض من السحر ينتقل به بين زمنين متداخلين، مذ غادر قريته بسنادا في الساحل السوري إلى الوقت الراهن الذي يعمل فيه بروفسوراً محاضراً في هندسة تصميم الآلات بجامعة أوفنبورغ الألمانية للتقنية. التداخل يظهر بشكل جليّ في قصّتيه (نبع داؤود) و(لِمنْ هذهِ الرائحة القادمة من محطة بادينغتون؟) فتغدو صديقته الألمانية هي ذاتها نعيمة ابنة قريته في الساحل السوري.

تختبئ القصة في ذاكرة كاتبها قبل أن يصيغها أدبيّا ويخلّصها من صفة الحدث العاديّ المهمل، فيُحيي دريوسي ذاكرة أحمد كأنّه مازال في قريته لم يغادرها، وبعد ثلاثة أيّام سيأتي دوره لجلب الخبز المرقّد من فرن السيّد دياب، بعدما امتلك في ألمانيا سترة دافئة، ليشمّ رائحة أجساد النساء الحبلى وهو يختبئ بين أفخاذهنّ، في الطابور اليومي على الفرن، كفتىً تظلّله البراءة. لقد أخبرنا بورخيس أنّنا لا نسكن إلا الأماكن التي نغادرها؟ واللوعة تظلّ هناك، في المكان، رابضة كالسكّين (إيميلي ديكنسون).

لا تنفصل القصص عن سياق المكان الذي شهد أحداثها، فيرافقه طيف المكان أينما ذهب، ويكمن له الشيء في الشيء، كما عرّف ابن دريد المكان في كتابه جمهرة اللغة، فالمكان موقعٌ ثابتٌ محسوس لكنّه مستقرّ في أحاسيس الكائن البشري.

وإذ يستعين دريوسي بذاكرته ليسردها قصّاً، يستقصي كينونته وذاته التي لن تُعرف إلا بالتضادّ والاختلاف مع الآخرين، مُتكهّناً بإنجاز شخصيّ يخفيه في لغة جمعية يمنحها كلّ رغباته على أفق الطموح، كصوت منفرد، قادم من حوافّ الهامش.

عنوان المجموعة تأثّر بموجة الربيع العربي دون تطرّق لها، يذهب للقول أنّ الحياة اعتُقلت في سوريا، توقّف فيها الزمن، لتصاب بحيرة مثلنا مع ظلام الفصول وقسوة

السنوات، يأفل جمالها، ولا أخضر يعزّينا في حزننا ووحشة أيّامنا على عتبات اليأس، في فصولٍ هي قدر الإنسانيّة وصيرورة الكون، ديدنها التكرار.

كتب ميخائيل نعيمة عمّا يشبه اعتقال الفصول الأربعة:

” سقف بيتي حديد ركن بيتي حجر. فاعصفي يا رياح. واقصفي يا رعود. من سراجي الضئيل أستمد البصر/ كلما الليل طال.”

فالرؤية هنا حاسمة باعتبار أن ميلان انعكاس الضوء على الأرض هو الذي ينتج عنه تقلب الفصول مع دوران الأرض، واعتقال الفصول يعني وجود خلل كبير ينعكس على أمزجة البشر كدراً وكرباَ.

يُتقن دريوسي الحديث عن الحياة اليومية في بلدته كمن يحادثك شفاهاً لا كتابة، بإيقاع سريع ترسّخه قصة ) سينما في بسنادا ( بعمق كبير، متحدّثاً بالانفعالات قبل الكلمات، ليزيد من تفاعلية اللغة ويجرّ شركاءه لأحداث أشبه بفيلم سينمائي لن يُعرض في بسنادا حيث لا توجد صالة سينما ، فيجترح كلمات جديدة في العربية لا ينطق بها سوى أهل بسنادا و الساحل السوري ، فالكتابة الجدّية اسمٌ ثان للمحادثة ، تتضمّن وعياً بالذات في وسط اجتماعيّ يحدّ من هويّتها ، ما دفع فلوبير إلى اعتبار الحكي غير الشخصيّ صيغة تسمح بالظهور المباشر لمؤلّف النص ، في حين اعتبره جاك لاكان و فرويد سجلّا رمزياً للهذيان والحلم والجنون، للطفولة ، يتموضع عليه دريوسي رفقة صحبه من أطفال كبروا خاف عليهم من الشيخوخة، فأعادهم فتياناً يمرحون ، يبحثون متلهّفين في متون الحروف :

أين أنا يا علي؟ كنتُ معك هناك؟

في القصة ذاتها يُبرز دريوسي تلك القوة التي تحدّث عنها الأيرلندي )فرانك أوكونو (في كاتب القصة القصيرة، وهي قوّة الشعور في الإحساس بالدراما لأنه فنّان شديد الفردية، تغلب عليه انطباعاته، لا تفرغ نفسه من تسجيل التفاصيل.

في قصة )جدتي دلعونا ( تبرز تأثيرات الحرب السورية بوضوح وهو يحاول إقناع جدته أن روح طيار حارب في حرب 1973، كان سعيداً بأداء مهماته في حماية سماء بلاده، قد حلّت فيه، إذ رفض إلقاء براميل القنابل على الناس، فاغتاله زملاؤه قنصاَ، ليكتشف أن بطولات عام 1973 في كتبه المدرسية ليست سوى أكاذيب لن يسردها أحد بعد موت )دلعونا ( التي كانت شخصية حقيقية بالفعل:

” كبر ذاك الطفل، ماتت دلعونا، ماتت أم حسين، ماتت سعدى وماتت معهنّ أكذوبة الحرب والنصر، أكذوبة الطفل الشرير، ومازالت السماء تهطل براميلاَ ”

وفي قصّة ) آزارو مرّ من هنا ( يحضر النشاط السري لأحزاب سورية، تغلغلت في المدارس، ليتعرّف أحمد للمرة الأولى على مفاهيم:

الراية الحمراء، دحر الدكتاتورية، ديمقراطية، ….، كتمظهرات لبذور وعيه الأولى واستطالات الامتداد في المكان والزمان.

يستعيد دريوسي نبض الحياة الذي فقدته بلاده قبل مغادرتها، وتفاقم فقدها وصولاً للوقت الراهن، فيستعين على تفاقم الفقد بثراء خبرته وسيرته الذاتية، وإن تباينت مع خبرات أخرى مغيّبة، ليخبرك أنّه صانع نفسه، فالقصة القصيرة بطبيعتها بعيدة عن الجماعة، فرديّة رومانتيكية (فرانك أوكونور).

خبراتٌ يُعاد ترتيبها كأحداث فعلية، ولطالما وجد) سومرست موم ( أنه ما من شيء يعايشه الإنسان إلا ويصلح ليكون قصة، لكنّ دريوسي يسعى ليشبع تعطّشه لإشباع ما يعتبره حقيقة، بكثير من الحميمية، فيُحيلها لحقيقة جمالية فنّية.

وللمعرفة نوعان حدّدهما (كروتشه)، معرفة حدسيّة للملموس تقود للشعر، ومعرفة تخصّ المضمون العامّ الشامل. ودريوسي يزاوج بين النوعين في سيرته وسيرة قريته، بعد انقطاع قارب العشرين سنة كمن يسكب خمرة معتّقة في قوارير جديدة، لأنّ مهمّة الأدب أن يخترع لا أن يؤرّخ). أوسكار وايلد (.

ورغم حميمية سيرة أحمد مع أصدقاء طفولته، كعبدو وعماد، اللذين بحثا برفقته عن كنز بديرة العجائب في الوادي الأحمر، لكنّه تموضع بعيداً عن طبائع المكان بعدما فارقت أمّه الحياة على سرير ولادته، سرير الموت، دون أن تودّعه ، لتغيب عن مرافقته كما أمّهات أقرانه من الأطفال إلى ساحة البلدة ليذهب بهم الباص إلى معسكر الطلائع ، في المرحلة الابتدائية من مدرسته ، فيبات خارج منزلهم لأول مرة ، كنافذة أولى على الحرية ، وكأنّ دريوسي كان يستعجل الفكاك من ثقل العائلة التي وصفها ) ليو تولستوي ( بأنّها العقبة الأولى أمام تطوّر الفرد.

أشار النمساوي ) فيلهلم رايش ( إلى أنّ أيّ طفل يجلب معه إلى العالم دوافع، ويكسب رغبات لا يجوز له أن يعيشها، لأن المجتمع والأسرة لا يحتملانها، وأكّد ماركس أن الأفراد إذ يولدون ضمن أوضاع موروثة ليست باختيارهم، يخلقون أشياء جديدة لصنع تاريخهم الخاص، أما هوسرل فاعتبر كلّ حالة وعي تصويباً لشيء ما، وهذا التصويب يظهر عند دريوسي في قصّتين مختلفتين.

مرة أولى حين أُهدي بصلة يابسة لفوزه بمسابقة ثقافية في معسكرات الطلائع، فقال حزناً وغضبا:

كلّكم طبولٌ خاوية.

ومرّة ثانية في قصّة ) من أقوال أبي في الشطرنج (، حين فاز ببطولة للشطرنج نظّمها ” الحزب القائد “، فأهدي هدية ملفوفة بجريدة الحزب ذاته والتي يخاف حتى

من رميها في الشارع كما كانت حال كل السوريين، لكنّه فعل سرّا ما هو أكثر من ذلك بكثير:

” نظرَ إلى هديته وقرأ عنوان الكتاب المكتوب بخط واضح: “

من أقوال وخطابات الأب القائد “، تناولَ قلمَ البيك الأزرق، بدأ مراسم السِباب واللعنة، شطب الأقوال كلها، خوزق بقلمه الكلمات كلها، نام في ذلك المساء كنوم الخائف. ”

يرسم دريوسي طموح أحمد الصغير بنبرة حماس وتحدّ، فيتنازل حتى عن المنطق السردي في ترابط أبطاله وأفعالهم، لأنه حاضر دوماً في قصص كأنّها أجزاء من نص روائي، يقتصر فيه الحضور الفعليّ على صوت أحمد لإبعاد يبدو قسرياً لبقية الأصوات، وربّما لذلك فضّل القصّة القصيرة، رغم صعوبتها مقارنة بالرواية، فالقصة القصيرة “ليس فيها تعدّد للشخصيات ولا تعدّد أمكنة، وحيدة الانطباع، وفن عزلة ووحدة”.

تضمّ المجموعة 42 قصّة مختلفة دقّقها الروائي حيدر حيدر، مما زاد في حجم المجموعة لدرجة متعبة للقارئ العاديّ وللناقد معاَ، حيث تجاوزت صفحاتها الـ 200 صفحة، وهذا يكشف أحد أخطاء النشر التي يجب تداركها في طبعات لاحقة.

تناول دريوسي حال الفقر المدقع في ظلّ ما أُطلق عليه في سورية اسم الحركة التصحيحية، بكثير من السخرية، فيصف حال أبي فاطمة:

” كان فقيراً أكثر مما تسمح به أجهزة المخابرات “

وكانت أهمّ إنجازات حزب البعث، أن ينام أحمد كلّ يوم وهو يحلم بالبيض مع لحمة ناعمة يسدّ بها جوعه، فيما شكّل انقطاع الكهرباء أمراً معتاداَ، في وقت كانت نشرات الأخبار تمجّد قائد الحركة التصحيحية بأغان وطنية.

وفي قصة ) أصحاب القبّعات الحمراء ( يفرغ دريوسي غضبه في رجال الشرطة، ليصفهم بالقذارة لأنّ أحد أهمّ مهامهم كانت تعذيب السجناء بالدولاب، ليقترب من جمهورية الصمت لسارتر، حيث لا مؤسسات، ولا عيش سوى في قلب الخوف الدفين في النفوس. صمتٌ وحالٌ وصفه سارتر:

” مادامت تلك الشرطة الفائقة القوّة تسعى إلى إرغامنا على الصمت، فقد كان كلّ صباح يصبح ثميناً كإعلان عن مبدأ سنّ المبادئ، وكانت ظروف معركتنا القاسية تجعلنا قادرين على العيش بلا بهرجة وبلا أقنعة “.

وجرائم من سُمّيوا ) سرايا الدفاع ( وعانت منهم سوريا في وقت ما، يُحضرها دريوسي في قصة معلّمة الكيمياء، ولا سيما ما اقترفوه من اعتداءات جنسية عدا السطو على المحلّات الخاصة وما تركوه من رعب في نفوس العامّة.

لا ينسى دريوسي أن يتناول هشاشة التعليم التقني وتفشّي الفساد والبيروقراطية في بلاده التي سيطرت فيها المخابرات والفروع الأمنية والفرق الحزبية على كلّ مفاصل الحياة بما فيها التعليم والاختبارات الامتحانية، وهذا يتجلّى في قصص عدة منها (حكاية لن تكتمل قبل سقوط القمر) و(مَسامِير الرئيس).

أما أجمل القصص عنواناً و مضموناً فهي قصة ) نداء القطط الليلية ( التي تتّخذ من العام 1987 والذي استضافت فيه سوريا دورة ألعاب البحر المتوسّط ، مدخلاً رئيسيّاً للحديث عن السلطات المطلقة لرئيس البلاد الذي لم يقبل تنظيم دورة الألعاب المتوسّطية إلا ليزيد في فقر شعبه ، عبر توفير بنية تحتية من الملاعب و المدن الرياضية ، لتفقد بلاده كلّ أمل لفقرائها ، و يُلقى بمعظم مثقّفيها في السجون عبر موجة اعتقالات تلت تنظيم الألعاب مباشرة ، استباحت فيها المخابرات كلّ شيء بسلوكيّاتها المشينة ، فيما أحمد و صديقه زين يعملان كعاملي تنظيف للشوارع لدى بلدية اللاذقية التي يصفها دريوسي بالمدينة الغافية في عرين السلطان ، في دلالة على القبضة الأمنية المحكمة عليها ، لنعرف أخيراً أنّ أحمد كان أحد المعتقلين .

ويُشار هنا إلى أن حفل الافتتاح الذي حضره الرئيس مع أبنائه قد شهد بالفعل توزيع منشورات تندّد بالفساد والاستئثار المطلق بالسلطة في المدرّجات، ليأمر زبانيته:

” عليكم اٍعتقال البحر قبل اعتقال السمك.”

أصدر دريوسي مجموعة أخرى حملت اسم (مِنَ الرَّفْشِ إلى العَرْشِ)، وقد حمل لقب (الرفش) كلاعب كاراتيه أصبح بطلاً للجمهورية السورية، ولكنّه بقي يحلم بحذاء رياضي وبسترة رياضية من ماركة (Adidas)، فاقتنى عدّة أكياس من أكياس الطحين، ليحيكها خياط قريته كزيّ للاعب الكاراتيه يصفرّ لونه ويقصر طوله كلّما غُسل.

لربّما كان دريوسي قد تأخّر في البوح بحكاياته، لأنّه انتظر عبثاً أن يكتب غيره ما حملته حكاياته، ليصحّ عليه ما نقله أوكونور عن باسكال:

” الصمتُ الأبديُّ لهذه الآماد اللانهائية يرعبني “

لا تعليقات

اترك رد