في آفاق السلطة الإبداعية


 

يقول الشّاعر الرّوماني لوكريتيوس لا شئ يمكن إبداعه من لا شئ. نافياً فكرة عدميّة الخلق الإبداعيّ. بينما يمكن البرهنة على خلاف ذلك، من خلال تأمل العمل الإبداعيّ ذاته، والذّهاب بعيداً في بذور الإبداع الكامن في كلّ إنسان. أو لعلّه بالإمكان صياغة قول لوكريتيوس بطريقة أخرى، فيقال: إنّ كلّ إبداع يتولّد بذاته حينما يكون المبدع واعياً لسلطة الإبداع الّتي يحملها.

الإبداع فعل خلق أيّ إنّ المبدع هو ذلك الّذي ينتزع من الجمال جمالاً جديداً متجدّداً لا يشبه أيّ جمال لكنّه يخلص إلى الجمال الأسمى. ولمّا كان المبدع يتفرّد في خلقه للجمال فهو يثبت بذلك أبديّة هذا الفعل، وإلّا فالحديث عن الإبداع سيكون ملتبساً. فإذا أمكن الإبداع من شيء بحسب لوكريتيوس، فنحن أمام إعادة إنتاج إبداع آخر، فينتفي مبدأ الإبداع. وإذا أمكن الإبداع من لا شيء، فهذا يعني أنّ المبدع منفصل عن مجتمعه ومحيطه وبيئته، ما يؤدّي إلى نتيجة غير منطقيّة.

لا بدّ من أنّ المبدع يستقي سلطته الإبداعيّة من مخزون معرفيّ وجماليّ خاصّ، لكنّ إبداعه يكمن في أنّه لم يكن مقتصراً على تكوين رأي شخصيّ أو إعادة إنتاج ما سبق، وإنّما خلق فكرة جديدة كفعل تجسيد للجمال. وبذلك يمكن القول: إنّ المبدع يتفرّد في خلقه للجمال المتأصّل فيه؛ ما يعني أنّ المبدع ولج عالم الإبداع، عالم الجمال، وسكنه وتعايش معه واستقى منه إبداعه، فيصنع الجمال بالجمال وللجمال.

إنّ هذا الكلام لا يستأصل المبدع من العالم بل يقصيه عن ضجيجه. فالمبدع المتوغّل في عالم الجمال تغرّب عن محيطه ضمناً وتكيّف مع عالم الإبداع. لذلك يشعر بغربة قاسية، ويمرّ بمراحل حزن غير مفهوم. فالوعي بالجمال والسّلطة الإبداعيّة يخلق رهبة في داخل المبدع ويبدّل تكوينه النّفسيّ وهو الّذي يبحث عمّا يفتقر إليه العالم. فإمّا ينعزل وينطوي على ذاته، وإمّا تسيطر عليه الكآبة، وقد يقود هذا الوعي بعض المبدعين إلى الانتحار. وهنا نقف أمام رهبة خاصّة عند المبدع الّذي يخشى أزمة الإبداع. فمع كلّ خلق جديد يخاف المبدع من إمكانيّة فقدان هذه السّلطة. كأنّ أزمة الورقة البيضاء عند الشّعراء الّتي تشكّل رعباً حقيقيّاً يعبّر عنه الشّاعر اللّبنانيّ بسّام حجّار قائلاً: “الشّقاء الحقّ لا في امتناعك عن الكتابة أو امتناعها عنك، بل في جلوسك ساهياً عاجزاً أمام الورقة البيضاء. ما من تعذيب للنّفس أشدّ من ذلك، لذا أراني غير راغب في الكتابة في معظم الأحيان، وإن جلست إلى الطّاولة كتبت كلّ ما أريد دفعة واحدة، كأنّني أرفع عن كاهلي عبئاً يثقّل عليّ”. لكنّ الشّاعر عقل العويط يبيّن كيف أنّ سلطة الإبداع المفقودة تتراءى للمبدع كلّ حين: “إنّي أواجه على الدّوام احتمال التّوقّف عن الكتابة، لا بسبب النّضوب أو القحط أو الجدار المسدود أو أزمة اللّغة، وإنّما بسبب الخوف: خوف الكتابة. هذا الخوف بالذّات هو الّذي يصنع الكتابة أحياناً، وهو الّذي يمنحها شرعيّتها، بل كأنّه لا شرعيّة للكتابة إلّا إذا كانت معمّدة بهذا النّوع من الخوف.”

الخوف رفيق المبدع، والعنصر الأساس للإبداع. فالإبداع هو عالم الجمال المخيف الّذي بقدر ما يقترب منه المبدع ويمتزج به يخاف أن يفقده. فهو البالغ رتبة الألوهيّة من حيث إمكانيّة الخلق، يخشى أن يفقد هذه الرّتبة ما يحفّزه لإبداع جديدٍ.

لقد تحدّث جبران في كتاب “النّبيّ” عن عودة ثانية، دلالة على وعيّ خاص بأنّ المبدع الّذي بلغ رتبة النّبوّة لا يموت بل يعود بشكل آخر. “ترى هل يكون يوم الفراق هو بعينه يوم التّلاقي؟ وهل يقال إنّ ساعة غروبي كانت في الحقّ ساعة مطلعي؟”. كذلك يكتب أنسي الحاج: “لن أكون بينكم لأنّ ريشةً من عصفور في اللّطيف الرّبيع ستكلّل رأسي وشجر البرد سيكويني وامرأة باقية بعيداً ستبكيني وبكاؤها كحياتي جميل”.

يعي المبدع أنّه لا يموت بمعنى أنّه لا ينتهي، بل يستحيل إلى إبداع. يتحول المبدع إلى إبداع لذلك بالإبداع يصبح الكون أجمل، ولذلك تتحرّك روح المتلقّي فيشعر وكأنّ الجمال يستبيح كيانه فيتعلّق بالمبدع.

المقال السابقالسلام – ج2
المقال التالىعودة الشعوبية
مادونا عسكر كاتبة لبنانية من مواليد 1974. تعمل كمدرسة لغة فرنسيّة وعربيّة. لديها العديد من المقالات مجلات وصحف إلكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد