تعبنا من الفهلوة والكذب

 

أبرز عنوان لحياتنا هو الفهلوة والكذب ، نكذب فنصدق أنفسنا ونعتقد أن الآخرين بلهاء تنقصهم مهارة الذكاء ، و بلداء في أحاسيسهم لا يستطيعون التفريق ما بين الخيط الأبيض والأسود .

الكذب مفردة عريضة في إيقاع حياتنا اليومية ، ومن لا يكذب نتهمه بالغباء وسماجة السلوك وعدم إجادة قراءة الواقع الذي يحتاج إلى تزلف ورياء وقفز من مربع إلى آخر .

أجرؤ على القول ، أن ثمة أناس ينتمون لمدرسة المتحذلقين التي لا تخلو من الفضاضة وعلى درجة عالية من القسوة البغيضة . فهذه المدرسة لا تقود إلا إلى السقوط في أوحال الرذيلة . نكاد نفتقد التوازن من التلوث اللفظي والنفسي والمعيشي والاجتماعي والحياة بوجه عام .

إننا نشعر بالدوار والملل والسأم والغثيان من هذا الصراخ البليد ومن التلوث البيئي والحياتي ومن هذا الحشد الكثيف للجمل والمفردات والعبارات الرنانة المرقطة والصياغات الجامدة والضجيج الأرعن ( ضجيج بلا طحين ) .

وأشد ما يؤلمني الوجوه المترعة بالمساحيق الدسمة التي تغوي العامة بثقافة الكذب وتصيب حياتنا بالتكلس والوحشة والجزع والرنين المزيف .

ألمي يتضخم عندما أسمع إلى دندنة هؤلاء في الطعن والرجم والشتم والهواجس المرضية وفي إستغباء الناس والضحك على ذقونهم في اختراع الحيل والمراوغات المفعمة بالمكر والقسوة والخداع .

فبعض البائسين الذين تضرب عقولهم فيروسات الغباء يتحدثون كثيراً ولا يفهمون إلا القليل ، أو على حد تعبير المفكر الفرنسي جان جاك روسو : ” الذين يعرفون القليل يتحدثون كثيراً ، أما الذين يعرفون الكثير لا يتحدثون إلا قليلاً ” .

إن حياتنا تدار بعقلية الثعالب ، ولقد قال مرة الشاعر أحمد شوقي :

مخطئ من ظن يوماً أن للثعلب دينا

لقد وصلنا إلى نقطة حرجة من البؤس السياسي والثقافي والمعرفي والأخلاقي والحياتي، إننا أمام فهلوة يقود سنفونيتها بعض المتحذلقين الذين تسلقوا قطار النجومية دون وجه حق ، ويوجهون طعنات نجلاء للقيم والضمير المهني تحت مظلة الفسفسة والتلون وعبارات واجمة وفارغة التي تقرع أسماعنا وتفتقر لروح الصدق والأمانة وخادعة كسراب الصحراء .

لقد عذبنا هؤلاء بكذبهم وفهلوتهم وتلون وجوههم ولعبهم المريضة ، إنهم يجلدوننا تحت ستار سميك من البهرجة والدعايات الصاخبة التي تقتل الإرادة وتميت الشهامة في القلوب :

” فأصحاب الجلد الغليظ فقدوا رقة الإحساس أو خاصمتهم رهافة الشعور ، فصاروا يقتحمون حياتنا بكل بلادة ، يفرضون أذواقهم الرخيصة ، ويمارسون سلوكهم البغيض على الجميع ! …

أصحاب الجلد الغليظ موجودون في كل مهنة ، وأن أعدادهم في ازدياد كلما أنحط المجتمع واختلت قوانينه الأخلاقية … ” ( ناصر عراق ) .

لا تعليقات

اترك رد