فـيلــم ( الرئيس )


 

فـيلــم ( الرئيس )
إخراج : محسن مخملباف ـ 2014

هل سيتحقق ، قريباً ، حلمُ المخرج الإيراني المعروف ” محسن مخملباف ” الذي ختم به فيلمه ( الرئيس ) ـ انتاج عام 2014 ـ و الذي وصفته مجلة ( تايم ) بأنه واحدٌ من أفضل مئة فيلم أسهمت في تغيير وجه العالم ؟ يقول مخملباف ” أنه تأثر بما سُمي بـ ( الربيع العربي ) و يرى بعضُ النقاد أن نهاية الفيلم مستوحاةٌ من مصير الرئيس الليبي ” معمّر القذافي ” . قد يكون ذلك صحيحاً ، ولكن الرئيسَ الذي يقصده المخرج هو شخصٌ معروفٌ ـ و مؤرّقٌ بالنسبة اليه ـ و هو يحلم أن تكون نَهايةُ الرئيسِ في الفيلم هي نهاية هذا الشخص . و على الرغم من أنه لم يحدّد مكانَ الأحداث حين يضع في اللقطة الأولى من الفيلم عبارة ( في بلدٍ ما ) ، ولكنه يقصد بلداً محدداً . و هذا البلد هو ( ايران ) تحديداً و ( الرئيس ) هو ” علي خامنئي ” تحديداً ، فليس عبثاً أو صدفةً أن يختار المخرج ممثلاً شديدَ الشبَه بـ ” علي خامنئي ” ، هو الممثل الجورجي ” گوميا شفيلي ” ليقوم بدور الرئيس . صحيحٌ أن الفيلمَ تم تصويرُه في جورجيا ، و هو ناطقٌ باللغة الجورجية ، و جميع الممثلين من جورجيا ، لكن المخرجَ عبثاً يُخفي قصدَه في تجسيد شخصية ” خامنئي ” . و ” خامنئي ” هو العدو المباشرُ ـ اليوم ـ لـ ” مخملباف ” ، بعد أن كان ” مخملباف ” واحداً من أتباعه . فبعد أن كان المخرجُ واحداً من عناصر الثورة ضد نظام الشاه ” محمد رضا بهلوي ” ، شعر بالإحباط بعد أن أزاح رجالُ الدين القوى السياسيةَ و سرقوا الثورة و نقلوا البلادَ من الحكم الدكتاتوري المدني الى الحكم الدكتاتوري الديني ، و مرّغوا أحلامَ الثائرين في الوحل ، و كرّسوا بدعة ( ولاية الفقيه ) ، و قد اكتشف ” مخملباف ” أن ” خامنئي ” ـ الذي أصبح هو المرشد الأعلى للدولة ـ سياسيٌ شيطانٌ متلبّس بالدين . و إذ أصبح ” مخملباف ” في الخندق المواجه لـ ( ولاية الفقيه ) فقد وجد أن من واجبه الوطني أن يكشف حقيقة المرشد الشيطان ، فأخرج فيلمَه الوثائقي ( خفايا حياة خامنئي ) الذي كشف فيه عن نزواتِ و نزعات ” خامنئي ” في الإمتلاكِ و الإستحواذِ و البذخ و حياة الرفاهية المُطْلقة .. كأيِّ دكتاتورٍ متسلّط . و حسب الفيلم ، فإن ( المرشد ) يمتلك 200 غليون ، تصل قيمتُها الى نحو 2 مليون دولار ، و يمتلك 300 خاتم .. سعرُ أحدِها نحو نصفِ مليون دولار ، و لديه مزرعتان بمساحةِ نحو 13 كيلو متر مربع ، و نحو 100 حصان يقترب ثمنُها من 400 مليون دولار ، و لديه طائرةٌ خاصة فيها جناحٌ خاصٌ بحصانه المفضّل ، و ( السيد ) الذي يعتمر العمامةَ السوداء ـ باعتباره سليلَ محمّد ـ و يدّعي أنه ينحدرُ من عائلةٍ فقيرة ـ بالكاد كان عشاؤها الخبزَ و الزبيب ـ هذا ( السيد ) أنفق نصفَ مليون دولار لشراء آلةٍ أمريكية خاصةٍ بفحص الطعام ، و لدى ( السيد الفقير ) أكثر من 100 عباءةٍ فاخرة و أكثر 150 عصاً من الأنتيكات ، و لديه أسطولٌ برّي مكونٌ من 1200 سيارة .. من ضمنها 17 سيارة مصفّحة . بهذا الفيلم الوثائقي ، أصبح الشابُ المُريد ـ سابقاً ـ لـ ” خامنئي ” قبلَ الثورة ، العدوََ الإيرانيَّ البارزَ في الواجهة اليوم ، خصوصاً و أن ” مخملباف ” داس على شعارات ( الثورة ) الإستهلاكية في معاداة اسرائيل ، فزار اسرائيل ليصوّر فيلمَهُ ُالروحاني عن طائفة ( البهائية ) ، بعنوان ( الحدائقي ) ، لأنه لم يستطع فعلَ ذلك في ايران التي هي مَهْدُ هذه الطائفة . لقد أصبح ” مخملباف ” في مرمى ” خامنئي ” مباشرةً . لذا لم يعد غريباً أن يرسل إليه فريقَ اغتيالٍ .. لتصفيته ، كما كشف المخرجُ عن ذلك ، و أيضاً لم يكن غريباً منعُ عرض فيلم ( خفايا حياة خامنئي ) في مهرجانٍ سينمائيٍ دوليٍ في بيروت .. بسبب النفوذ الإيراني في لبنان . ولد المخرج ” محسن مخملباف ” في طهران عام 1957 لعائلةٍ فقيرة ، و منذ أن بلغ الثامنةَ عشرةَ من عمرهِ نزل الى ساحة العمل ليُعين أهلَه ، و هو يوفّقُ بين الدراسةِ في النهار و العملِ في الليل . و كان قد انضم الى حركة ( مجاهدي الثورة الإسلامية ) المعارضةِ لنظام الشاه ، فشارك في المظاهرات ، و أُصيب بطلقٍ ناريٍّ في قدَمه ، و قضى أربعَ سنواتٍ في السجن ، تعرّض خلالَها الى العديدِ من طُرُقِ التعذيب ، و خرج من السجن ـ بعد سقوط النظام عام 1979 ـ بقَدَمٍ تحملُ عاهَةً دائمة فأُدخل الى المستشفى ليخضع لأربع عملياتٍ جراحية . كانت أفلامُ ” مخملباف ” أفلاماً ترويجيةً للثورة ، كأي شاب أخذته النشوةُ و أخذه الحماس و هو يخضع لتأثير ما تُسمى بـ ( المبادئ ) ، و هي التسمية التي تستخدمها التوجُّهاتُ الدينيةُ و الحركاتُ السياسيةُ ( الثورية ) ، كوسيلةِ تخدير ، و كقـَـيدٍ أخلاقي ، يُلزم المُنتميَ بالطاعة العمياء ، و لذلك كان قد وقف ضد الليبرالية و ضد توجُّهاتِ الرئيس الإيراني الليبرالي ” أبو الحسن بني صدر ” ، الذي نجا بجلده من نظام ما بعد ( الثورة ) ، في عهد ” خميني ” ، و فرّ الى فرنسا . و لاحقاً ، أدرك ” مخملباف ” حقيقةَ ما جرى و يجري .. فغدا ليبرالياً . و كان قد تعرّف ، قبل الثورة ،على معظم الأشخاص الذين أصبحوا من رموزها ، و منهم صديقه ” هادي ” ، الذي حُشر معه في زنزانة واحدة ، و هو شقيق ” على خامنئي ” الذي كان في الزنزانة المجاورة . حينها كان ” مخملباف ” مسحوراً بتلاوة ” خامنئي ” للقرآن التي كان يسمعُها ..

آتيةً من الزنزانة المجاورة . ولكن ” مخملباف ” ، و شقيق ( السيد ) أصبحا ضمن ( الحركة الخضراء ) المُعادية لتوجّهات ( المُرشد ) و ( ولاية الفقيه ) و العَسكرة الباطنية للدولة . و حين أدرك ” مخملباف ” تلفَ ( الثورة ) ، توجّه توجُّهاً باطنياً ـ بدوره ـ حين كتب في عهد الرئيس ” محمد خاتمي ” سيناريو فيلم ( السحلية ) الذي أخرجه ” كمال تبريزي ” ، و هو فيلمٌ ترميزي يُشير ـ ضمناً ـ الى استغفالِ و استغباءِ رجالِ الدين للمجتمع . ولكن حين اشتد الأمرُ في عهد الرئيس ، المحافظ جداً ، ” أحمدي نجاد ” وجد ” مخملباف ” نفسَه مُضطراً الى مغادرة إيران ، فهرب و عائلتُه الى أفغانستان ، و هناك اشتغلَ على فيلم ( قندهار ) ، بمساعدة العائلة التي بات أفرادُها يشكّلون عائلةً سينمائيةً متخصصةً و مدركة لما تريد طرحَه سينمائياً .. و نال الفيلمُ شهرةً عالميةً واسعة . صحيحٌ أن فيلمَ ( الرئيس ) من الممكن دفعه لينطبق على أي نظامٍ شموليٍ يحكمه حاكمٌ مأخوذٌ بهوَس السلطة ، ولكن في حالة ” مخملباف ” لا يمكن أن يكون غيرُ ” علي خامنئي ” أساساً لفكرة الفيلم الإيرانية .. الوطنية . كتَبَ سيناريو الفيلم ” مخملباف ” و المخرجةُ ” مرضية مشكيني ” ، التي هي زوجته ، و التي باتت ساعدَه الأيمن ، بعد أن حَسَمَ أمرَه و خرج عن طاعةِ نظامِ الملالي و استقل بشخصيته كمُخرجٍ حقق حضوراً عالمياً في المهرجانات السينمائية الدولية ، ، و قد حققت العائلةُ حضوراً أعمقَ بعد أن برز إسمُ الإبنة ” سميرة مخملباف ” عالمياً ، كمخرجة ، و كعضو لجانِ تحكيمٍ في مهرجاناتٍ سينمائيةٍ عالمية .

يبدأُ الفيلم من الكذب الإعلامي الساذج الذي اعتادت على ترويجه الأنظمةُ الشمولية ، التي تقف في مقدمتها الأنظمةُ الشيوعية و النازية و الفاشية و التي اعتمدت سياسة غسل الأدمغة إعلامياً . يبدأ المشهد الأول من الفيلم بحركة الكاميرا في الشارع المضاء بأضواء مبالغ فيها ، صحبة موسيقى فالس ( الدانوب الأزرق ) للموسيقار النمساوي ” شتراوس ” ، و لا أدري ما هي دلالة توظيف هذا الفالس الراقص كمفتتح لوقائع مأساوية في بلدٍ محكوم بالتسلط الدكتاتوري ، أثناء ذلك يمارس مذيعُ إذاعة ( مدينة الضياء ) الكذبَ ، بقوله أن الرئيسَ منح المدينةَ كل هذا الضوء في الليل ، و كأنها في وضح النهار ، ثم يَعِدُ المواطنين باذاعة خبر تصديق ( الرئيس ) على حكم الإعدام بحق ( إرهابيين ) متمردين على نظام الحكم ، ثم يتبين أن أحد هؤلاء المحكومين صبيٌ قاصر يوقّع الرئيس على اعدامه ، دون اهتمام بتحذير سكرتيره من أن ذلك سيثير احتجاجات منظمات حقوق الإنسان الدولية . الفيلمُ يبدأ مشهدُه الفعلي من فعلٍ طريفٍ سخيف ، ولكنه عميق الدلالة ، بخصوص تهوّر و خسّة الدكتاتور الذي يربّي حفيدَه على الترفّع على الشعب واللعب بمقدّراته و بالتالي زرع و إنماء نزعة التسلط و الكتاتورية لدى الطفل .. كي ينشأ عليها . و في ذلك حركة ذكية للكشف عن النزعة الوضيعة لدى ( الرئيس ) . غير أن تسلسل و تنامي الأحداث ، بعد خلع ( الرئيس ) ، إثر ثورة الشارع ، يفضي شيئأً فشيئاً الى اتساع الهوة بين الدكتاتور الحقير و حفيده البريء الذي يقول لجده ( الرئيس ) في أحد المشاهد ( إغسل مؤخرتي .. فخامتك ) . لقد بدأ سيناريو الفيلم من انطلاقة ذكية ، تكاد أن تكون غير مسبوقة بخصوص تناول موضوعة الدكتاتوريات و التفرد بالحكم في دول الشرق الإسلامي ، ولكنه ترهل ، مشهداً بعد مشهد ، بعد أن تشرد ( الرئيس ) و حفيده في الغابات و البراري و بين البيوت الخربة حتى كاد يخرج عن واقعيته . فالمَشاهد الرمزية التي تصوّر الأطفال في حالة من الإستغلال في العمل ، و خيالات الحفيد في هذه المشهد ، و المشهد في الزريبة ، و لجوء ( الرئيس ) الى عاهرة قديمة بائسة تقيم في بيت مهجور و في قرية مهجورة بائسة .. كل هذا لم يكن مُبَرّرَاً ، كان زيادة في المشاهد و تشويقاً فائضاً عن الحاجة و إيحاءً غيرَ موفق .. عملت الكاميرا على تجميل الفائض منه و تلافي الزيادة بواسطة جمالية التصوير . لكن التجميل و التلافي لا يساعدان كثيراً على تجاوز الترهل . في المقطع الأخير من الفيلم ، و بعد أن يستخدم ( الرئيس ) كل أحابيله الرخيصة و حِيَلهِ الوضيعة ، ينحدر ـ و معه حفيده ـ في رحلة نحو النجاة ، مندساً بين الجموع الهاربة من ظُلمِهِ هو ، يتستر بهم و يهرب معهم ، رحلة كأنها توراتية .. في البراري و الغابات و عبر الأنهار . هل كان يهربُ من خِسّةِ ذاته ، أم لأنانيةٍ وضيعةٍ تدفعه الى النجاة بنفسه ؟ و لماذا كانت عنايتُه فائقةً بحفيده ، الذي كان يقول له دائماً : ( لقد مللتُ اللعبة ) ؟ هل كان يتمسّك ببراءة الطفل الذي كان يقول له ( امسح مؤخرتي .. فخامتك ) كي يتعلّم الدرس ؟

فيلمُ ( الرئيس ) يحمل قيمةً فنيةً و سياسية ، و هو علامةٌ في سجل السينما الإيرانية الناهضة . و في هذه الأيام التي تشهد شوارعُ ايران الحرائقَ و تمزيقَ صور ( آية الله ) و ( المرشد ـ الولي الفقيه ) ، علينا أن ننتبه الى إيحاءات الفيلم و إشاراتِهِ نحو اسقاط النظام ، اليوم .. أو يوماً ما .

شارك
المقال السابقمن اسرار الحياة البشرية
المقال التالىاواعدك بالوعد وأسكيك يا دارسين
هادي ياسين.. كاتب عراقي من مواليد البصرة ، و فيها أكمل دراسته الإبتدائية و المتوسطة و الإعدادية . تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة / قسم الفنون التشكيلية ـ جامعة بغداد . عمل في الصحافة الثقافية منذ العام 1978 لغاية هجرته من العراق عام 1997 . أعدّ و قدّم برنامج ( فنون تشكيلية ) من تلفزيون العراق للفت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد