يحدث في ايران


 

النظام السياسي الذي يطلق صفة العمالة للاجنبي على المتظاهرين من ابناء شعبه المطالبين بحقوقهم أو الذين لديهم اعتراضات سياسية على نظام الحكم ،يشبه من يتهم زوجته بالزنا لانها اختلفتْ معه على المصروف اليومي !. هذه الاهانة السافرة غير المسؤولة المعتادة لايوجهها سوى الانظمة التي تحكم باسم الاسلام عربية أو غير عربية، مدنية أو عسكرية ، وكأن الأعتراض على الحاكم أو سياسته فيها بمثابة اعتراض على الله وصلاحياته وتواطؤ تآمري مع الشيطان..

واذا كان العرب مخذولين دينيا وسياسيا عبر التاريخ ، أعزهم الله بالاسلام ،فأعزوا به الاتراكَ والعجم لتخضع رقابهم لسيوف الولاة الفرس والسلاطين الاتراك ستة قرون غير منقطعة ، افادت الشعوب الاخرى من طهارتهم وتركت لهم النجاسة في الحكم والعبادات والفساد والتخلف التقني والفكري، لايعرفون الربيع من الخريف، ولا المجون من القداسة ،خناجر ترث خناجراً وقسوة تلد قسوة وفوضى وفقر اقتصادي في بلدان تعدّ الأغنى في العالم، وقد تركوا الأمل نهائيا بحكم الشعوب لشؤونها في بلدانهم،فقد راحوا يتصيدون تشفيّا تظاهرة هنا وانقلابا هناك ، او فشلا هنا وقمعا هناك، وعليه وبعد ان استحالت الهوية العربية والاسلامية الى فريقين متحاربين، لايمكن الاستناد الى اية رؤية عربية عامة او مختصة تتحدث عن شؤون الاخرين ، لانها ستقع حتما اما في العداء المفتوح او الولاء المغلق ، دعاة الاول سيرَون في التظاهرات الحاصلة ضد النظام الايراني نهاية عاجلة وانقلابا شاملا وسقوطا مدويا للامبراطورية الشيعية في المنطقة ، فيما لن يقبل دعاة الثاني بغير ان تنتصر السلطة في ايران تحت اي من الظروف حتى لو اضطرت الى ضرب شعبها كأي حكم شمولي معتاد ، فذلك نصر على المؤامرات المحاكة ضدها، المدعومة من اعدائها واعداء الاسلام بالذات، مهما كانت اسباب الناس المعلنة لاحتجاجاتهم .

مراكز النفوذ الدولية التي لايمكن استبعاد تدخلها في احداث كهذه واستغلالها سياسيا بالضرورة تدخلا للافادة منها او احتواء مخاطر نتائجها المحتملة في الاقل ، لايمكن ان تطمئن لما يجري في ايران حتى لو بدا ذلك ضغطا على نظام معادٍ يحكمها ، فهي امام مزاج شعب مختلف عن العرب كثيرا وقد جربته منذ منتصف القرن الماضي حتى ازمات المنطقة الاخيرة .

وفي الوقت الذي تحفل فيه اجواء التحليل السياسي بالكثير من التعليقات المفيدة والطريفة احيانا بشان انشغال ايران عن شعبها بمغامرات خارجية ، وان ارهاق الشعب بقوالب دينية ضيقة لاتناسب روح بلاد فارس وحضارتها العظيمة وتحميله ثقٌلا عقائديا محددا في المنطقة والعالم ،فانّ اشعار الخطر الاقتصادي هذه المرة تجاوز ذلك كله ، فقد اشار خبراء اقتصاديون في مراكز أوربية معتمدة الى أن جملة عناصر اقتصادية أساسية سببت الأزمة بعد أن كان الشعب الايراني يأمل من ثمار الاتفاق مع الولايات المتحدة في عهد باراك اوباما العمل على تجاوزها ، تاججت مرة واحدة لتشعل هذه الاحتجاجات التي لايمكن التكهن بحجمها والتطورات التي ستلحق بها ، وتلك العناصر كما يحددها الخبير الاقتصادي البريطاني – العراقي صادق حسين الركابي على النحو التالي .

1- ارتفاع البطالة (الرسمي قرابة 12%) لكن الأرقام تشير لقرابة 40% اي انقرابة نصف الشباب بين 15-29 عاطل عن العمل.
2- ارتفاع التضخم الذي انخفض من 34%الى قرابة 25% (الرسمي 10%) الامر الذي أدى لارتفاع نسبة الفقر و أزمات اجتماعية كالطلاق.
3- خلل في بنية النظام النقدي: هناك 7 آلاف موسسة مالية لا تعمل ضمن إطار البنك المركزي تمنح فوائد و تستقبل عوائد و هي ليست مرخصة كمصارف بالاضافة لسيطرة 6 موسسات مالية تابعة للمركزي الإيراني على 20% من السيولة النقدية.
4- الفساد المالي و الاداري: حيث تسيطر جهات و شخصيات متنفذة على مفاصل مهمة من الاقتصاد و تمنع المشاريع خارج إطار سيطرتها ما اضعف القطاع الخاص و انهك الاستثمار المحلي.
5- – ضعف الاستثمار الأجنبي خاصة في القطاع النفطي بسبب تراجع الانتاج و انخفاض أسعار النفط و الوقت الذي استغرقه التفاوض على الاتفاق النووي و مخاوف الشركات الأجنبية من العقوبات الامريكية المُحتملة.
6- – الجفاف الذي اصاب العديد من المناطق الزراعية التي كانت تساهم بإيرادات محاصيلها بدعم الفلاحين.
7- الموازنة المقترحة برفع الدعم عن السلع الاساسية و المحروقات بنِسَب تصل الى50%.
8- ارتفاع كلفة الدفاع و المؤسسات التابعة للحرس الثوري على حساب دعم القطاعات
9- بالاضافة الى انباء عن زيادات كبيرة في اسعار الوقود تضمنتها الميزانية المقترحة من قبل الرئيس روحاني الى مجلس الشورى . و ايقاف الدعم المالي عن الملايين من المواطنين الايرانيين من قبل حكومة السيد روحاني بحجة أنهم ليسوا فقراء.
ذلك كله ونقاط موثقة كهذه سيبرر كثيرا مشروعية احتجاج المتظاهرين وطبيعة اعمارهم وتنوعهم وايضا سعة الميادين التي تشهدها المظاهرات تلك ، ويبدو ان اية قراءة للاحداث لاتستند الى تلك العناصر تبدو ناقصة وربما غير مجدية في رؤية مشهد متوقع لما يحدث في ايران الآن من تطورات .وهو مشهد يتجه سياسيا بالنتيجة مع اي تأخير للحلول المباشرة ومع اي قمع تقليدي يحول المظاهرات السلمية الى حرب شعبية ضد النظام ، فالارهاق الاقتصادي الذي اشعل التظاهرات لاينفصل عن تداعيات ما تلعبه ايران من دور في المنطقة حسب الرؤية الامريكية التي ترى ان الايرانيين محتجون على السياسة الخارجية لحكومة بلادهم وان السلطات الايرانية تدفع داخليا ثمن نجاحاتها خارجيا في سوريا ولبنان والعراق ، وهو ملخص لما ورد في مقال لدينيس روس في مجلة بوليسي منشور في كانون الثاني/يناير 2018 .تلك الاسباب تبدو مختلفة تماما عما حصل في الجمهورية الاسلامية عام 2009 جراء احتجاجات ضد تزوير الانتخابات ، وهي احتجاجات بسبب عدم معالجتها موضوعيا ظلت اصداء متظاهريها تملا شوارع طهران والمدن الاخرى لاسيما بعد استخدام القوة وايداع مرشحين للرئاسة انذاك قيد الاقامة الجبرية، وهو ماجعل من جمرتها مشتعلة رغم الهدوء الحذر الذي اعقبها حتى اندلاع التظاهرات التي تشهدها المدن الايرانية الان .

شارك
المقال السابقالتغيير – الامل
المقال التالىثلاثية السياسي والحقوقي والديني
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد