الفن البديل – ج 2


 

المسرح من الشارع إلى السينما

العرض المسرحى ” لازلنا هنا” للمخرج / المؤلف رامى محمد من التجارب المتميزة التى لاقت ترحيبا من المثقفين والمتابعين للفنون الجادة التى تقدم فكرا مختلفا من منظور الوعى الثقافى المتاح للأقاليم التى لا يسمح لها بالدخول إلى المشهد الثقافى إلا من خلال تلك التجارب الواعدة من المبدعين الشباب المهتمين بنشر ذلك الوعى بين جمهور يفتقد كثيرا ممارسة المشاهدة وقراءة ما بين السطور.

لجأ المخرج/ المؤلف رامى محمد إلى تقنية مختلفة فى عرضه المسرحى ” لازلنا هنا” حيث اعتمد على التباين بين الشفهى والبصرى من خلال توزيع العرض على خشبة المسرح ما بين الدرامة التى تعرض وتلك الطبقة الشفافة التى تغلف العرض بمزيج من الكيروجراف والتعبير الحركى الراقص فى كادرات سينمائية.

وبعد العرض كان هذا الحوار مع مخرج ومؤلف العرض لإلقاء مزيد من الضوء حول تلك التجربة الواعدة.

* ما هى فكرة موضوعك الفنى الذى تريد تقديمه؟
– عرض (لازلنا هنا) يضع بانوراما كاملة لواقعنا الذي نحياه و يحاول ان يفسرطبيعة العلاقات و المخاوف التي تهدد واقعنا الانساني و الاجتماعي من خلالالمواجهة بين قيمة الحرية و التسلط بكافة اشكاله و يقدم معالجة في ضوءمواجهة الاضداد الحرية و ما تمثله كخيارا امثل لمواجهة كل المخاطر التىتواجهنا و التسلط و ما يترتب عليه من تشوه انساني و اجتماعي وذلك منخلال نقطة مفصلية في العرض ياخذ بعدها العرض منحى اخر في شكلالدراما و العلاقات بين الشخصيات يتمثل من خلالها محاكمة وجودية تثيرتساؤلات المتلقي و تضع العلاقة الجدلية بين السلطة و الحرية نصب اعينه ويحاول ان يفض هذا الاشتباك القائم و المتلازم و يقوم بدور القاضي و المتهم والمدافع و الجلاد في ان واحد ولعل اهم ما يمثله العرض المسرحي من ضرورةفي واقعنا العربي تتمثل في الاتي :

1_ محاولة فهمنا للحرية تساهم في تفكيك تلك الإشكاليات فرغم غموض معنىالحرية “حيث اعتقاد البعض بأن مشكلة الحرية أنما هي في جوهرها مشكلةترتبط بمسألة التسيير والتخيير أو أحيانا الفوضى دون قيود. وبهذا يختفي منهذا المنظور مشكلة الحريات الأخرى كالحرية الاجتماعية والاقتصاديةوالقانونية، وهذا يفسر تعثر التوصل إلى موقف متوازن بين المعالجة النظريةوالمعالجة العملية لمشكلة الحرية” 2_الحرية تكتسب بالجهد الإنساني للارتقاء“إن الحرية تتطلب عملية تربية متواصلة للقوى الأخلاقية والعقلية .

3_بقدر ما تتضخم (أنا السيد) وينهار الرباط الإنساني بينه وبين المسوديصبح الأول أسير ذاته وينحدر الثاني إلى أدنى سلم الإنسانية، ويصبح عنفعلاقة التسلط مضافاً ومتفاعلاً مع قسوة الطبيعة، واعتباطها هو القانون الذييحكم الإنسان المقهور بأجمعها ( على مختلف مستوياتها وأوجهها وتفاصيلها). يعمم نموذج التسلط والخضوع على كل العلاقات وعلى كل المواقف منالحياة والآخرين والأشياء. تتسم علاقة الرئيس بالمرؤوس بهذا النمط التسلطيالرضوخي كما تتسم به علاقة الرجل بالمرأة والكبير بالصغير والقوي بالضعيفوالمعلِّم بالتلميذ والموظف ورجل الشرطة بالمواطن. كل سلطة مرتبية كانت أمطبيعية تصطبغ لا محالة بهذه الصبغة حتى الموقف من الحيوان والجماداتيتميز بالموقف التسلطي الرضوخي نفسه.

كل إنسان راضخ وتابع على أي مستوى معين من سلم السيطرة والقهر، يلعبدور المتسلط على مَن هم أدنى منه مرتبة أو قوة، فإذا أخذنا بالمنهج التاريخينجد أن واقع الإنسان المتخلِّف قابل لأن ينتظم في أنماط ثلاثة من الوجود، منمرحلة الرضوخ إلى مرحلة التمرد والثورة مروراً بمرحلة اضطهادية.

4_قضية الاستبداد وحكم الغلبة في الواقع العربي يكتسب أهميته من حقيقةأساسية مؤداها أن منطق الحياة لم يعد يقبل استمرار صيغة توفيقية مفتعلةلواجهة ديمقراطية ترتكز على شكل من المؤسسات العصرية المطعمة ببعضحقوق الإنسان، والمرتكزة في الوقت نفسه على جذر استبدادي في صورتهالأصلية.

هل هناك حاجة ماسة في هذا الإطار لطرح نوع من “الاستدراك” بشأن قضيةالاستبداد في العالم العربي. ومن ذلك على سبيل المثال، أن الاستبداد ليس”حالة عربية محضة” بالمعنى “الطبيعي” الذي يفضي إلى استثناء الذهنيةالعربية من دورات التطور الديمقراطي.

بالعكس فإن الاستبداد مفروض تحت وطأة شروط وظروف قابلة للتغيير إذا ماتوفرت قوة الدفع المناسبة.

من ناحية أخرى، فإن قضية الاستبداد بما هي حالة مركبة، والمقترب الذييمكن استخدامه في معاملتها هو بدوره معقد ومتنوع، فإن ذلك يعنى أنه يمكنوصف الخوض في هذا الأمر على أنه من قبيل “المغامرة المحسوبة”.

هذه “الإشكالية/المغامرة” تنبع صعوبة التصدي لها من أنه من غير الممكنمعالجة الزوج “الاستبداد/الديمقراطية” بمعزل عن تأثيرات وضغوط النماذجالتي تعودنا التفكير في ظلها وتحت تأثيرها.

هذا، في الوقت الذي أصبحت فيه هذه القضية -أي الاستبداد في الواقعالعربي- تحتاج في معالجتها لأقصى درجة يمكن الوصول إليها من”الموضوعية” والانصراف إلى الواقع الحي مباشرة.

بعبارة أخرى، ونحن نعيش في ظل مناخ ملتبس، تصدمنا فيه “السياسة”،ويشدنا فيه “المقدس” -المقدس بالمعنى الشامل- وترنو أنظارنا نحو أنماط مثاليةنتصور أن فيها الحل الأمثل لأزمتنا المستحكمة، ألم يعد من الملح أن نتجاوزحدود الفكر الذي لم نتجاسر على تجاوزه من قبل، وأن نطرح من القضايا ما لمنطرحه، ومن ثم نكتشف هذه “الحلقة الخبيثة” التي تجعلنا ندور حول أنفسنادورة كاملة، في كل مرة، لنعود أدراجنا إلى نقطة البداية.

ولكن، هل يمكن حقا تجاوز الفكر المسموح، وطرح القضايا التي لمتطرح من قبل، أليست المسألة في النهاية تتعلق بالسياسة، أي حكموحاكم ومحكوم، أي سلطة تتربص بالجميع؟

إنها حقا مغامرة، ولكن لا مناص عن المحاولة.

في ضوء ما سبق يحاول العرض المسرحي قولبة هذه الافكار و التساؤلات التيتتعلق بها في اطار عرض مسرحي يعتمد على التحولات الدراماتيكية المفاجاة والراديكالية في المعالجة و محاولة التناص و الاقتراب مع واقعنا العربي فياجزاء عدة.

* ما هى فكرة مشروعك الفنى الذى تريد تقديمه؟
– إنه عالم متعدد المعاني، ينطلق من فكرة رئيسة: الظاهر ثابت والمضمونمتغير. فالممثلون تتغير شخصياتهم مع كل انتقالة ويصبح المكان مجرد انعكاسلدواخلهم. ففي البداية نرى سور حديقة ليس فيها سوى اللعب والمرح. ثم نفسالسور يتحول إلى سجن، الصراع فيه من أجل الحرية، ثم التعامل مع السورعلى أنه مقبرة، وتبرز الأهداف الفردية، كأن يصبح طالب الطب طبيبًا ناجحًا،والرسام الشاب مشهورًا وغنيًا، وذلك وسط مجتمع من الموتى يحكمه لحاد ولصٌّ صغير.

* ما هو موضع نصك؟
– العرض المسرحي (لازلنا هنا) مقسم الي ثلاث مسرحيات تختلف فيما بينهافي طبيعة الدراما الخاصة بكل مسرحية علي حدة فاللوحة الاولي من العرضتدور احداثها داخل حديقة واقعية بها شحاذ كسيح يجلس ويعزف علي قيثارتهانغاما و كان اوتار القيثارة هي ايقاعات الحياة وكان اصابعه هي العنايةالالهية و طفل يلاحق فراشات الحديقة ويداعب العشيقان كرمزا للانطلاقوالبراة و عشيقان في حالة وجدا يتراقصان و يتغازلان وكانه عالم الجنة او ماقبل الوجود . يصرخ الشحاذ في هذه اللوحة وكانه يتضرع الي السما و هو فيحالة من الهزيان (ما اجمل ان يثور البحر ليطارد المتسكعين علي الشاطي وانيرتكب السارون علي الكورنيش حماقات لا يمكن تخيلها وان تطير حديقتنا فوقالسحب وان تتحطم كل الصور المالوفة الي الابد و ان يخفق القلب في الدماغوان احل فيكم) هذه العبارة هي منتهي فكرة اللوحة الاولي وكل ما يدور فيها وكل مايقدم فيها من تكوينات بصرية و موسيقي ورقص تعبيري يودي الي دلالةهذة العبارة الي ان يدخل ضابطا يعنف الجميع ويلقي بهم جميعا في السجنليتحول المكان فجاة الي سجنا بواسطة وضع اضاة خلف سور الحديقةفتنعكس ظلال السياج علي كل مكان في الفضا المسرحي لنري عالما اخرشديد التباين مع العالم الاول انه عالم الوجود حيث مجموعه من رفقا في حركةمقاومة تم القبض عليهم و القاهم داخل المعتقل وهم في انتظار تحقيق يعقبهموت حتمي فالجميع الان في حالة تصفية حسابه مع ذاته الجميع يشعربالوحدة القاتلة خيبة الامل هي عنوان اللوحة ،في هذه اللوحة تثار قضايا تطرحتساولات وجودية عن معني الحياة وعبثيتها ، العلاقات بين الشخوص في حالةتوتر هناك خيانة و اغتصاب وقتل وتامر .الخ من شتي اشكال التشوه الانساني، تنتهي هذه اللوحة علي اغتصاب الشاب العاشق في اللوحة الاولي للفتاةلتقول هي في النهاية ( لا اقوي علي حمل روحي فوق اكتاف صعد عليهاالمغرضون ان العري يغلف جسدي والثلج يداعب البرودة في كل اركاني وانااعلنها بكل ما لدي من ضعف . الموت امر عديم القيمة . الان فقط يمكنني اناسجد للداخل و انتظر ان تغلق الشرنقة خيوطها علي ما تبقي لي من الم) ثمتتدثر بالشال الابيض وتاخذ تكوين شاهد القبر ليتحول المكان الي حوش مقابرلنري رساما وطبيبا و لص قبور و لحاد و الجميع في انتظار جثة لكل منهم غايةمنها ، هذا الجز عبارة عن معادل موضوعي للوحتين السابقتين و هو نقطةالتماس التي تلتقي عندها احداثيات الافكار التي عولجت في اللوحتين ، وتتفقالمسرحيات الثلاثة في وحدة المكان والشخوص والملابس وتباين العلاقات والاشارات الخفية التي تتضمنها كل لوحة للوحتين الاخرتين

* كيف تراه مؤلفا وكيف تراه مخرجا؟
– أرى أن النص و العرض لا ينفصلان عن بعضيهما فثمة لغة إشارة تربطهمافي بناء محكم يصنع لغة إشارة طازجة خاصة به تتسق مع الرؤية الخاصةللعمل ككل، فأنا أرى لغة الاشارة في هذا العمل تحديدا تتجاوز النصالمكتوب ، او اللغة ان صح التعبير و تفوق عليها؛ فالعرض مخرجا او كنصمكتوب هما وحدة لا يمكن الفصل بينهما لها خصوصيتها المتفردة.

* ما هى المؤسسات التى تدعم مشروعك؟
– معهد جوتة الالماني _ قصر ثقافة بني سويف

* وكيف ترى هذا الدعم؟
– كان دعما جيدا و كان هناك تعاون مشجع و محفز الى حد كبير.

هل ترى أن عرضك يمكن عرضه فى أى مكان؟
نعم

* ماهى مقومات هذا المشروع؟
– أولا الإيمان بالفكرة و العمل الجاد هما الأساس ثم العمل على إقامة عروضكثيرة و لمدة زمنية طويلة.

* وكيف استقبل الجمهور تلك التجربة؟
– أعتقد انه من الأ فضل توجيه السؤال للجمهور .. لكن انطبعاتي بعد العرضكان هناك استحسان الى حد كبير.

* وهل يكفى نص واحد لتأسيس مشروع مسرحى مستقل؟
– أعتقد لا.. لأن تاسيس أي مشروع يتطلب حركة كاملة و على نطاق واسع يوازيه منهج فلسفي يرسخ دعائمه.

* هل تعتبر هذه التقنية من العروض فنا بديلا عن المسرحالتقليدى؟
– هدا السؤال صعب الى حد ما و لكن اذا كان فإنه يتطلب نوعا من المخرجينيمتلكون مفردات التعامل مع هذة اللغة من المسرح قد يكون ذلك إثراء و ليسبديلا ..

فالمطلوب هو الاستغراق في الواقع و من ثم اخراج الرؤوس من الواقع لا اخراج الواقع من الرؤوس فكل تجريب محض لا يعول عليه.

وفى النهاية أود أن أشكر أهم من ساهموا في اخراج تلك التجربة و خلق هذا العالم ( ماريهان مصطفى _ وليد حسين _عبدالرحمن مجدي _ محمد تامر _ جويد نجم الدين) فلولا إبداعهم و حضورهم المتميز على خشبة المسرح لم نرى هذا العالم المثير للجدل.

لا تعليقات

اترك رد