ايران بين منطق القوة العسكرية والتدهور الاقتصادي


 

حان وقت التغيير في ايران هكذا وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة الاحتجاجات التي تشهدها العديد من المدن الإيرانية . تصريحات ترامب سبقها اتهام الرئيس الإيراني حسن روحاني لكل من اسرائيل والولايات المتحدة بتحريض المتظاهرين بغية الانتقام من بلاده . تبادل الاتهامات تلك قد يثير تساؤلات حول طبيعة الحراك الشعبي في الشارع الإيراني ، هل هو بدافع التعبير عن النفس والسعي لتحسين الأوضاع الاقتصادية بعدما شعر الايرانيون ان اموالهم تنفق خارج الحدود لتغذية نزاعات إقليمية في وقت هم احوج ما يكون اليها، وقد ازدادت الهوة اتساعا بين الفقراء والأغنياء . وهل تقف الولايات المتحدة وراء الاحتجاجات في محاولة لاحتواء دور ايران في الشرق الأوسط او كبح جماحها على اقل تقدير استجابة لحليفتها السعودية .
يؤطر العلاقة بين طهران وواشنطن تاريخ طويل من العداء منذ اندلاع الثورة الاسلامية في ايران ، غير ان هذا العداء ما يلبث ان يتحول احيانا الى تعاون اذا ما جمعتهما مصلحة مشتركة . فبعد العام ٢٠٠١ نجحت الولايات المتحدة بمساعدة إيرانية غير مباشرة في شل حركة طالبان وإزاحتها عن الحكم في أفغانستان ، والاطاحة بحكم صدام حسين في العراق ، وكلاهما كانا عدوين لدودين لإيران ، وأصبحا فيما بعد عدوين لاميركا ايضا .
ويعزوا بعض المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط التعاون بين الولايات المتحدة وإيران في بعض الملفات بانه جزء من استراتيجية أميركية لاحتواء ايران عبر تحديد الاولويات والمصالح والتعاون معها ان اقتضت الضرورة ، او الضغط عليها اذا ما وقع خلاف وفي حال الخشية من تفاقم خطرها الى الحد الذي قد يصبح تهديدا . والطريقة التي تعاملت فيها الدول الأوروبية بقيادة الولايات المتحدة مع الملف النووي الإيراني ربما يعطي مثالا واضحا بهذا الشأن . فحالما استشعرت تلك الدول خطرا من طموحات ايران النووية سارعت الى حصارها اقتصاديا والحد من تطلعاتها النووية عبر اتفاقية لا تخلو من فائدة لإيران .
الاستراتيجية الأميركية لاحتواء ايران نتج عنها ايضا ردود فعل مهدت لتوسيع وتعميق النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط من خلال حلفاء ايران في العراق ولبنان وسوريا واليمن ، الذين شكلوا تهديدا حقيقيا لخصوم ايران الإقليميين وخصوصا الدول الخليجية بقيادة المملكة العربية السعودية . ورافق توسع النفوذ الإيراني قناعة نجح الأميركيون ربما في ترسيخها لدى طهران بضرورة تعزيز دفاعاتها على الدوام لمواجهة محاولات أمريكا وحلفاءها فرض عزلة على الجمهورية الاسلامية وتقليم أظافرها في المنطقة . كما ان تدفق الأسلحة على الرياض وأبو ظبي من الولايات المتحدة ودوّل أوروبية اخرى عزز القناعة الإيرانية بضرورة تحسين قدرات حلفاءها على الدوام وضمان تفوقهم . لكن سباق استعراض القوة والنفوذ زاد من اعباء ايران المالية وفاقم من حدة ازماتها الاقتصادية داخليا.
ويدخل هنا عنصر الاستنزاف كعامل ضاغط على ايران نتيجة لتوسعها في المنطقة من خلال وكلاء محليين يتميزون بالولاء الشديد لطهران وتوجهاتها السياسية والأيديولوجية . وهذا الولاء ليس مجانيا صرفا ، اذ يتوجب على ايران إدامة حبل الوصل مع اتباعها ومناصريها ومدهم بأسباب القوة من سلاح واموال حتى يكونوا اداة ضاربة تحمي مصالحها وتعزز من هيبتها وترهب اعداءها .
ويرجع شكل هذه العلاقة بالأساس الى سلوك الدولة الإيرانية المرتبط بتصورات النخب السياسية القائمة على مبدأ امتلاك القوة وحفظ الأمن ، وهنا يأتي دور الحلفاء او الوكلاء المحليين في إيجاد عوامل عدم الاستقرار اللازمة لإرباك خصوم ايران وأضعافهم امام قوتها وقدراتها التسليحية المتنامية ، وبالتالي التاسيس لحالة من المنعة التي يستحيل معها على الخصوم القيام بردود فعل مؤثرة تنعكس على استقرار ايران وامنها . غير ان السعي الدائم لامتلاك أسباب القوة خلف دولة مرهقة اقتصاديا ومثقلة بأزمات داخلية .

لا تعليقات

اترك رد