ليس تدخلاً بل تقييم للواقع

 

من يتابع الشأن الإيراني وبالأخص الأحداث الأخيرة يظن للوهلة الأولى إن (الربيع الفارسي) أو الإيراني على وجهٍ أعم قد بدأت شرارته، وينتظرون (البوعزيزي) الإيراني يشعل في نفسه النار ايذاناً لبدء مرحلة الانفلات الداخلي وتمهيداً لإسكات (مدافع ايات الله) التي ما زالت تطلق قذائفها صوب المنطقة والإقليم والعالم.
لا يُنكر إن الشعب الإيراني قد تأثر بالحصار الذي فرضته أمريكا وحلفاؤها ، مما ساهم في ازدياد نسبة البطالة وارتفاع العنوسة وتأجيل الزواج أوالعزوف عنه في بعض الأحيان.
لا يُنكر إن الشباب الإيراني بكلا الجنسين فيه غالبية ترغب الهجرة أملا في الحصول على فرصة عمل أو العيش بعيداً عن تقييد النظام الإسلامي. وهذا ما يفسر الرغبة الجامحة في عدد كبير منهم إلى التوجه لتعلم اللغة الإنكليزية كلغة ثانية.
لا يُنكر إن بعضاً منهم وخصوصاً بعض الشباب الذين لم يكونوا قد عاصروا الثورة الإيرانية وتأثروا بمبادئها، يتوقون إلى الخلاص من النظام بشتى الطرق حتى لو كان منها الارتماء في حضن الاجنبي.
لا يُنكر إن بعض الشباب أدمن المخدرات سراً لأن الحكومة تحارب المخدرات بشدة لكن الأرض الإيرانية واسعة جداً ويصعب السيطرة عليها لمحاولة إيران من باكستان وأفغانستان وتركمنستان وأذربيجان وتركيا والعراق بدولتيه (إقليم الشمال والمركز) واطلالتها على الخليج العربي وبحر عمان من الجنوب وبحر قزوين من الشمال حيث تشير الإحصائيات إلى فقدان الكثير من أفراد الشرطة وقوات الحدود حياتهم نتيجة اصطدامهم مع عصابات تهريب المخدرات.
رغم كل ذلك إلا أن هناك صفة يتميز بها الشعب الإيراني هي حبه (لقوميته ولغته وبلاده) حتى الموت وقد أثبتت تجربة حرب السنوات الثمان مع العراق ما يشير إلى توحد الداخل ضد أخطار الخارج ، حيث يُنقَل عن مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني حينما أخبروه بأن القوات العراقية قد بدأت تهاجم الأراضي الإيرانية فقال (الخير فيما وقع) مشيراً في ذلك إلى توحيد صفوف الداخل إذا تمت مهاجمتهم من الخارج بعد أن دبَّ الاختلاف بينهم بُعَيدَ نجاح الثورة بقليل.
راهن ترامب على الاحتجاجات الأخيرة التي شرع بها المتظاهرون محتجين على ارتفاع الأسعار في بداية الأمر إلى إنها تحولت إلى حرق المباني وغلق الطرق بإشعال النيران على عكس ما معروف عن الايرانيين بإنهم يحافظون على ممتلكات بلادهم . لكن مراهنة ترامب والسعودية وحّدت الداخل الإيراني من جديد وجعلت أبواق مريم رجوي التي قادت المعارضة خلفاً لمسعود رجوي خافتة ضئيلة بعد أن أرادت ركوب الموجة.
ونتيجة للدهاء والحكمة التي اتصف بها النظام الإيراني بمؤسساته فقد تحول الذين (يطلبون العدالة) إلى (مطلوبين للعدالة) بعد حرق المباني والمؤسسات الحكومية.

لا تعليقات

اترك رد