سيد الخواتم بين حلاوة الخيال ومرارة الحقيقة


 
الصدى-ملك-الخواتم

إنَّ فيلم سيد الخواتم بأجزائه الثلاثة وما تبعه من ثلاثية الهوبيت غني عن التعريف لأي منا .. وأنا شخصياً لا أملُّ من مشاهدة هذه الروائع مهما تم عرضها.. إنَّها مثال على أقصى درجات الحرفية في العمل السينمائي وضعت فيه إمكانات هائلة من عقول فذة وطاقات تكنولوجية لا تُـبارى .. مع كل هذا فقد خرج لنا بصورة سَلسة تزخر بالجمال و تأسر القلوب و تبهر الأعين.. انه نقطة التقاء عبقريتين شاء القدر أن يلتقيا بلا ميعاد و لا حتى أن يرى احدهما الآخر .. البريطاني ألماني الأب والام صاحب القصة. رونالد تولكين (١٨٩٢-١٩٧٣) والنيوزيلندي المخرج بيترجاكسون(ت ١٩٦٠)

لم يدر في خلد تولكين في يوم من الأيام أن تتحول سلسلة حكاياته التي كان يقصها على اطفاله قبل أن يخلدوا للنوم ، الى واحدة من أعظم إنجازات السينما في بداية القرن الواحد والعشرين.. وجاءت عجلة السينما الهوليودية لتدفع بمجموعة الأفلام هذه الى قمة الهرم السينمائي اذ تكللت بالحصول على العديد من جوائز أكاديمية السينما (الأوسكار) باستحقاق تام.. وحلوله في المرتبة الرابعة في تأريخ ايرادات السينما بعد افتار وتايتانك و هاري بوتر.

ولسنا الان بصدد تقييم الثلاثيتين وخاصة سيد الخواتم بقدر ما نحن نحاول ان نستوعب الإبهار الناتج من متعة مشاهدتها و العيش مع ابطالها الاسطوريين على الرغم من أننا لم نسمع يوماً بالاماكن التي كانت مسرحاً للأحداث التي كانت أسماؤها وحدها لها رنين يتردد في اسماعنا فهنا تكمن القابلية على ابتداع الأحداث دون الاستناد الى خيوط تربطها بأي حكاية فولكلورية أو شعبية لأُمة ما ولكننا احسسناها كذلك .. لقد صنعوا جغرافيا جديدة للعالم ووضعوا قاموساً يكاد أن يكون حقيقياً للمدن و الممالك.. الأرض الوسطى وموردور و غوندور و شاير أرض الهوبيت وايزنغارد و الريفينديل وغيرها كثير..

فقط اجلس هناك امام شاشة التلفزيون وتمتع بتسلسل الأحداث وروعة الشخصيات التي تكمل احداها الاخرى مع تنوعها ومجيئها من بيئات أسطورية مختلفة ومع ذلك فكل منها تتميز بثقافة خاصة وسحر معين..

كمٌّ هائل من الاحداث الاسطورية التي تبدأ بصحبة الخاتم وتنتهي بعودة الملك، تمر علينا و نتفاعل معها وتأخذنا شيئاً فشيئاً الى لعبة خطرة نشترك بها بكل احاسيسنا وتحبس انفاسنا ونتفاجأ مع كل مشهد بشيء جديد أو موقف مصنوع وليس مصطنعاً نصدق به على الرغم انه محض خيال ..هنا تكمن قدرة هذه الاعمال العظيمة التي تشد المشاهد فتكون جزءاً من ذائقتهم يحكمون بها على ما يشاهدون بعدها.. لقد صوّر كل ذلك الصراع بين الخير والشر الى حد انها جمعها معا داخل شخصية الفيلم الرئيسية غولوم او سميغل الذي حلت عليه لعنة الخاتم فنراه تارة ضعيفاً مسالماً و تارة اخرى شريراً جباراً يريد ان يستولي على الخاتم او ما يسميه هو “بالغالي” precious.. كما صور طمع الإنسان في الحصول على القوة وتسخيرها لاغراضه مهما كان الثمن..

ولعلنا نتساءل ماذا يشدنا بهذه الصورة الى هذا النوع من الافلام..قد نعتقد للوهلة الأولى ان عرضها بالصورة الملحمية الفخمة هو السبب أو الخدع السينمائية المتقنة أو روعة المناطق المنتقاة بعناية لتصوير الأحداث ومزجها مع تقنيات التأثيرات البصرية و قد تطول قائمة الأسباب ولكنني اعتقد ان السبب الحقيقي لتعلقنا بها هو تناوله وبقوة لمفهوم الوطن والدفاع عنه بكل ثمن والبعد عنه والاشتياق للعودة اليه ومحاولة درء الشر بكل مافيه من سواد عن ربوعه..

إنَّنا لاشعورياً نتفاعل مع الجوهر الحقيقي للقصة وفي خضم ذلك نقبل بنهم على مشاهدة كل ثانية من الفيلم و نصغي الى الحوار الذي كان من ميزات الأفلام كلها خاصة وان فيه تجربة ادخال لغات خاصة بالجن و المسوخ (الاوركس) التي اخترعها الكاتب بنفسه .. ان إسقاط الخيال الملحمي على الواقع بهذه الصورة لابد أن يشدنا فيشعرنا اننا جزء منها يعيش معنا في حياتنا الراهنة التي تزخر بالحروب والعنف ..فكأننا نحس أننا بحاجة ألى شخصيات مثل غاندالف الساحر الرمادي ومن ثم الابيض و اراغون الملك الشجاع المغوار و ليغولاس الجني الماهر في إطلاق نباله على المعتدي وغيملي من مملكة الاقزام الذي لايهاب وطيس المعارك.. بحاجة لهذه الشخصيات لكي تقف بإصرار و توحدنا وتعيد إلينا ما فقدناه من مفهموم الوطن على الرغم من جسامة التضحيات..
كذلك نرى فيه أن مفهوم الوطن يُختَصر بأبسط الأشياء التي هي جزء من حياة الإنسان كالكرسي الهزاز لبيليو باغنز الهوبيت وكتبه وشرشف مائدته..

قد أكون عرضت هنا رأي مشاهد للفيلم تأثر به وأهاج في نفسه الشجون في كل مرة شاهدها فيه فماذا ياترى هو رأي المحترفين العاملين في مجال السينما و الناقدين .. مهما يكن رأيهم فهذا العمل الذي قُدِّمَ في حزمة من ستة أفلام هو علامة فارقة في تأريخ السينما الحديثة .. وأخيراً يستوقفني حوار من جزء الهوبيت (الرحلة غير المتوقعة) Unexpected journey على لسان غاندالف يخاطب بيلبو باغنز حيث يقول له :”إن الشجاعة الحقيقية هي ليست في سلب الارواح بل في كيفية المحافظة عليها””

شارك
المقال السابقالحياة مقهورة
المقال التالىكن رحيماً بنفسك…

الدكتور جاسم الخزرجي مواليد بغداد جراح استشاري..كاتب و شاعر حائز على الجائزة التقديرية في كتابة السيناريو لمسابقة وزارة الاعلام حائز على الجائزة الاولى في مسابقة قصص الاطفال على مستوى العراق حامل لشهادة باللغة الفرنسية والأدب الفرنسي من كلية اللغات جامعة بغداد ..له المئات من القصائد ترجم الى العر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد