رَحَلت السنة ومعها رَحَلت الامة العربية وجامعتها

 

بعد مفاجآت نهاية السنة واللعب على المكشوف في الموالات والمخططات، لا يمكن لنا بعد اليوم التكلم عن أمة عربية وخاصة جامعة دول عربية. مرحلة من تاريخنا اُقفلت!

كان لدى هذه الامة يوما بعد التتحرر من الحكم العثماني، والانتداب الانكليزي والفرنسي، حلماً بأنها ستنهض بين صفوف الامم، حرة وجميلة في حضارتها وتراثها اللذان كنا نتغنى بهما. كان الانسان العربي يسعى وراء حلم الدول العربية المتحدة تحت راية واحدة تجمعها اللغة والتراث والتاريخ المشترك. حتى أدباء ومفكري المهجر، حلموا جميعهم وبكل جوارحهم لدرجة أن حلمهم لوّن أحلامنا وحملنا الى سابع سماء في تقديمه أسمى وجوه حضارتنا الغنية والمميزة. سنين من الاحلام والتضحيات والعمل الدؤوب على جمع شمل أمة آمن بها الكثيرون وضحوا من أجلها، جميعها ذابت في السراب في نهاية هذه السنة. الضربة قوية ومؤلمة لانها أتت خصوصا من الداخل وفي الظهر. الاف من شعوب المنطقة الابرياء، ذبحوا وتشردوا وخسروا كل شيء من مال وأملاك وبنين لانهم اتُّهموا، من العملاء الحقيقيين، بالعمالة الى اسرائيل وهم ابرياء كليا. آلاف من الفلسطينيين او بالأحرى الملايين منهم خُذلوا وضُحك عليهم ساعة وعدتهم العروبة بعودتهم الى أرضهم وبيوتهم. آلاف من الشعوب أفاقت منذ الربيع العربي على حقيقة تمنت لو انها لم تفق أبدا… يا للمأساة!

منذ أعلان ترامب بكل وقاحة عن أعلان القدس عاصمة لاسرائيل، ومنذ تهديده العلني الى الأمم المتحدة بأنه سيجازي كل من لم يوافق على قراره المشين، لم يتحرك ما بقي من العروبة ابدا بأي اجراء رسمي ولو شكلي لاسترداد مياه الوجه. لا بل رأينا بعض السعوديين شباب العروبة الشهباء يحملون اعلام اسرائيل في مظاهرات ضد الفلسطينيين. وأعلنوا ولائهم بكل صراحة لسياسة اسرائيل وامريكا، حتى أنهم يحضرون الى معركة لذبح لبنان قريبا ويقولونها علنا وبكل فخر. نعم، انهم لا يستطيعون من تلقاء أنفسهم الجلوس والتفكير بوضع أي سياسة أو مخطط ما فينتظرون الاوامر من الباب العالي، لان هذا كل ما يعرفون القيام به. منذ قرون ولغاية اليوم، تعودت الامة سماع الاوامر وتنفيذها دون تفكير كي لا يقطع راسها الحاكم الاعلى او الخليفة أو اي مسؤول على راسه ريشة.

أطفال فلسطين يموتون في السجون ويعذبون، ارضهم تُسرق شبرا بعد شبر كل يوم، والان صرحت اسرائيل بحكم الاعدام على كل من يتعدى على جيشها الذي ينكل بالفلسطينيين ويسرق

بيوتهم وعرضهم واملاكهم وكل ما يمكن لانسان أن يتخيله من الاجرام العلني، والعروبة لا حركة لها ابدا. أنها ملتهية في دراسة المخطط الذي وُضع من أجل تسكين الفلسطينيين في أماكن أخرى واعطاء اسرائيل ما تبغيه من الاراضي والانتهاء من هذه المشكلة التي طالت جدا ولم يعد للحكام العرب أي صبر على تحملها. فهم منذ سنين يحاولون النتهاء من هذه القضية ولم يفلحوا حسب المخططات السابقة، فليتم اللعب على المكشوف الان ولننتهي منهم ومن قضيتهم. العالم سيقبل بالامر الواقع والصفحة ستُطوى بعد قليل من الزمن.

كل المآسي العربية أتت من الحكام العرب أعضاء الجامعة العربية. منذ تحريرهم من الانتدابات والاحتلالات وهم منهمكون بكيفية تركيب المقالب بين بعضهم، في كيفية اغتيال بعضهم البعض، في كيفية تهميش الشعب كي لا يتجرأ على رفع راسه في وجوههم. منهمكين في كيفية زرع التعصب والجهل في عقول الناس، طبعا من خلال ارشاداتهم الدينية القيمة والتي يقشعر لها أصحاب القلوب الضعيفة، كي تكون أداة سهلة مطيعة لهم.

سنين من الاحلام ذابت كما يذوب فص الملح في محيط الخيانات الذي باتت رائحة الموت تفوح منه كالجيفة المرمية على شاطئ . حتى الغربي الشريف الذي يطلع على تاريخ المنطقة يُذهل لهول المكر والضعف اللذان يضربان هذه الامة المتفتتة الى الابد!

كيف يمكن لنا بعد اليوم استعمال كلمة الامة؟ أذكرها في مقالتي وأجدها غريبة لا مكان لها. كيف يمكن لنا بعد اليوم التكلم عن جامعة الدول العربية؟ أي جامعة هذه التي تحاصر دول اعضائها وتدمرهم حتى الموت جوعا او مرضا، وهي تضحك في اجتماعاتها وتهنأ نفسها على هذه الاستراتيجيات والانجازات التي دفعت المليارات من أجلها، بينما بيتها وعرضها وأماكنها المقدسة تُدنس بأبشع الصور والاشكال؟ ماذا سنقول لابنائنا بعد اليوم عن الامة وجامعتها؟ كيف سنشرح لهم الشهامة، والعنفوان والاصالة والأيمان. هل سنكذب عليهم ونقول لهم أنها مكائد الغرب الذي يكره العربان، أم أننا سنتجرأ على قول الحقيقة المخذية لخيانات الامة التي لم تعد سرا على أحد بعد الآن؟

كنت أود أن أتوجه اليكم بتفاؤل اكبر في بداية هذه السنة وأكلمكم عن الأمل والفرج القريب لولا الفاجعة التي دشنا بها السنة الجديدة، الا وهي فاجعة الخيانات التي كرست زوال الامة وجامعتها واحلامها الى الابد. كفانا ضحك على انفسنا وتصديق ما لا يُصدق. كفانا الانجرار وراء العناوين الطنانة والفارغة عن حماة الامة، حماة الأملاك المقدسة، حماة المصالح العربية… أنها

جميعها عناوين لأناس أصابهم جنون العظمة ساعة أعطوهم سلاحا من ذهب براق أغشى عيونهم ولم يعودوا يدركون الشمس من القمر، الزوجة من المومس، وباتوا يبغون اقتناص كل من طالب بما تبقى من شرف!

الويل لامة تنحر ابناءها وليمة لمتغطرس … سيأتي اليوم وتصبح فيه هي الوليمة!

لا تعليقات

اترك رد