حين تستحيل الصّحراء أنثى فاتنة : المدينة المهرجان


 

دوز بوّابة على الخدود الكُلثوميّة لصحراء الذّهب القبلاّوية. دوز مدينة تحضن الصّحراء، أم الصحراء تحضنها. لسنا ندري فقط ما نحن على يقين منه أنّها ثابتة على وجنة ذهبيّة جنوبيّ العاصمة على بعد ٥٥٠كم. كانت تعرف إلى وقت غير بعيد بالمرازيق إذ هم سكّانها الأغلب عددا(وهم عرب ينحدرون من شبه الجزيرة*بادية نجد* بعد أن حكموا برّ فارس في أواسط القرن الثاني عشر للهجرة 1169هجريّا إلى حدودعام 1385 للهجرة. وانتشروا في بلاد عديدة كاليمن والإمارات وعُمان وقطر والسعودية والبحرين والسّودان وتونس…) إضافة إلى عروش أخرى سبقت المرازيق إلى الاستقرار بها كالعجامنة والكمايلية والشّتاوى..

لم تشذّ مدينة دوز عن أن تكون مدينة يمرّ بها إلى غيرها ويؤوب من غيرها عبرها وهي أساسا استراحة للحجيج ذهابا وإيابا. وكانت خلال الاستعمار مركزَ الخليفة في حين كان القائد بمدينة قبلّي. أمّا الآن فهي مدينة بِوجنتين: معتمدية لجنوبيّها وأخرى لشماليّها. ولعلّ أهمّ ما يُذكر لها في الحقبة الاستعمارية هجوم أبنائها على حامية عسكر فرنسا في أعقاب الحرب العالمية الأولى في حادثة “البرج” ليستعيدوا منها -نعني الحامية- السّبايا من النساء والأسرى من الأطفال.

ولعلّ أهمّ ما يميّز هذه المدينة إضافة إلى موقعها السّحري وغابتها الجِنان ذاك الحدث الثّقافي الذي ظلّ يملأ الأعين ويشغل الآذان ويستبدّ بالذّاكرة. إنّه المهرجان الدُّولي للصّحراء بدوز. فدوز عاصمة للصّحراء. فحولها تنتشر أبهى الأدعاص وأجملها. فيها تروق الرّحلة. ولات من أحد يستشعر

غربة وإن خلا المكان. فالمكان حميمي هادئ خِلوٌ من أيّ شراسة ولا إنذار بالعدوان. فتهيم الأعين في المدى باحثة عن صدى الإنسان الأوّل وعن صور الوجود ائتلفت أو اختلفت.

لعلّ مهرجان دوز من أعرق المهرجانات بتونس إذ هو يعود إلى القرن التّاسع عشر. إذ كان مناسبة للاحتفاء بتربية العير والنّوق وكان يسمّى حينها عيد الجمل وسمّي سنة ١٩٦٧ لدى زيارة الرّئيس بورقيبة بمهرجان الصّحراء إلى أن ارتقى إلى المقام الدّولي وتغلب على هذا المهرجان مراتع العيون وملذات الأسماع. فهو يقوم أساسا على المشهدية إذ تُمسرح في ساحة كبرى للعروض سباقات الخيل وسباقات الهُجُن ومعارك الفحول. يسعى فيها الواحد إلى مصرع الآخر. كما لا تخلو من مظاهر الصّيد فتطلق الكلاب على أثار الأرانب والغزلان لتؤوب بها طريدة إلى أسيادها. ويستعرض بالمهرجان كلّ ما تنتجه الجهة من ثمر وتمر ومنسوجات ومنتجات فلاحية. ويزهو النّاس والعارضون فتشارك الأسماعُ الأنظارَ في محافل الأعراس والأفراح فتُدقّ الطّبول. وترتفع الأهازيج. وتتتالى الفرق كلّ يباري الكلّ.

في ساحة الحبور المطلق. فلكأنّ هذه السّاحة أقيمت لأجل ألاّ يدّخر الإنسان سبيلا مّا للتّعبير عن سروره: حركةً فيتمايل حتى يرقص، وصوتًا فيلحن حتى يطرب، ورياضةً فيجدّ حتى يُعجب. وتتتالى

العروض حتى يدلهمّ اللّيل. فتمدّ مفارش السّرور بعد انكماش النّهار المُخجل. فاللّيل مرتع للصّور اللّذيذة بلا حدود. فلا أسقف ولا آفاق تحدّ نظرة الحالم ولا خياله، لا سيما متى كان بحضرة شعراء يفتقون صور المجاز فتقًا. ويرحلون بأخيلة رحلات لا نقصد بها إلا لذّة النّفس ومتعة العقل. ويتبارى شعراءُ الملحون خاصّة من أقطار عربية شتى. فكأنّي بهم لا يختلفون عن فرسان النّهار فأيّهم يدرك المبلغ قبل الآخر ويصيب الهدف بأيسر عبارة.

تعجب العين حين تودّ أن تحصي الحضور ولعلها تعجب أكثر حين تنظر في مراكز السيارات والحافلات ومختلف العربات. بل لعلها تذهل حين تحاول أن ترصف الضيوف في هذه المدينة الصغيرة. فلن تجد لهم مواقع إلا متى أيقنت أن قلوب أهل دوز براح وأياديهم بحار وعيونهم الخجولة لطف.. يحضنك لأيام عيد المهرجان فلا الشمس هناك تشرس بالقيلولة ولا البرد يشنع بالأطراف ليلا فتقضي أيامك هناك دافئا بين حبور وسرور. تنشغل العين بآلاف الصور التي ترى. ويذهل الخيال الذي يعثر أخيرا على ما يفوق خياله. وتطرب اليد وهي تحيّي جمعا من الصّحب هناك التأموا في غير هدى لإنشاء دورة جديدة لعيد فرح الصّحراء أمّنا النّاعمة، تمنحنا من الثمر أعجبه ويتدفق بطنها بمياه عذبة تسخن حينا وتبرد آخر. إلا أنها ماتفتأ تدلّ على كرم الصّحراء وعطائها.. دأب العوام على تشبيه الفراغ بالصحراء وها أن الصحراء تثبت لعامة النّاس أنهّا مكمن المتع والحبور والملذّات وعذب المياه ودافئها ولذيذ الظلال وناعم الملامس وذهبيّ الأشفاق والأغساق.. أبعد كل هذا؟ يمكن أن تجافوا الصحراء ؟ هذه الذهبية أم البهاء باثة السرور مانحة المتع بصور شتى فلا حاسة بدوز يمكن ألا ينوبها منابها من الملاذّ.

فالعين تشقى بين الصور البهية والأذن تلأى بين الأصوات النقية واللسان يهوى كل الطيبات هناك. أمّا اليد فتكفيها حفنة من نقيّ الرمال الذهبية لتوقن أنها ما علمت عن النعيم شيئا قبل الساعة. أما الأنوف فأنوف هنا لا يلحقها إلا العبق والبخور تطويه النسائم ومفاتن العطور تغري بها واحات النور القريبة هيا يا أبناء الخضراء حُمّوا المطايا إلى عيد الصحراء ترقبون الذهب أشعة وتمرحون في مفاتن البيداء. فمدينة العيد أحضانها كافية لتقبل كلّ من جاء. ألا مرحبا .. مرحبا

المقال السابقمنفيون على الهامش
المقال التالىالماضي المقدس .. وأوجاع اللحظة
عمّار التيمومي باحث في الأدب العربيّ القديم من مواليد 1969 ببني جلاص بالقيروان تخرّج عن كلّية الآداب بمنّوبة1994 وحاز على شهادة الماجستير عن كلّية الآداب بالقيروان بملاحظة حسن جدّا.له "عيون العشّاق" منشور بدار الأمل الجديدة السّورية .و"البرنزيّ" وهي رواية تحت النّشر.وله محاولات إبداعية ونقدية ودراسا....
المزيد عن الكاتب

2 تعليقات

  1. تغطية موثقة لحدث بمكان وزمان قل نظيرها بلغة السحر والبيان …رصانة لغة تكاد تقول ما يفوق المكتوب ..عمار باحث جاد له مخيال طري وواسع عاشق للفن والجمال حياته حياة الفرسان في زمن عز فيه النبل والشموخ والعزة ..
    كل التوفيق لك استاذ عمار ومزيدا من عشق الجمال ..

  2. مقال رائع بقلم الأستاذ والباحث المتألق عمار التيمومي… جعلنا نعيش اللحظة في دوز … دوز الساحرة الهادئة الجميلة الرائعة بصحرائها ..بنخيلها الباسق … بدقلتها اللذيذة…باهلها الطيبين…. … شكرا استاذ عمار ومزيد من الالق والتالق… دام ابداعك…

اترك رد