حياة


 

في اليوم الأربعين على رحيل والدها، وخلال زيارتها اليومية لقبره، انتابت حياة نوبة بكاء هستيرية لم تدرِ من أين جاءت. كما لو أنه رحل البارحة. بعد انقطاع نشيجها وعودة تنفسها إلى إيقاعه الطبيعي، برق في رأسها سؤال مرعب: من سيعتني بقبر أبي؟

تمتدّ على أحد جانبي النهر منازل طينية، لبعضها غرف إسمنتية أضيفتْ حديثاً، أصحابها غالباً من العائلات الأكثر ثراء في القرية. يمارس بعض هؤلاء أعمالاً إضافية إلى جانب الزراعة، كبيع التبغ والسكر، ما يريح أهالي القرية الآخرين من السفر إلى المدينة لشراء هذه الأغراض التي باتت حاجات أساسية. على الجانب الآخر للنهر تمتد أشجار مثمرة وأخرى حراجية، بالإضافة لبعض المنازل المتفرقة التي لم يعد أحد يذكر متى ولماذا بُنيت هناك.

في ساعات المساء الباكرة، يرتاد رجال القرية المقهى الوحيد. تتعالى أصواتهم وهم يتحدثون عن مواضيع قديمة أو جديدة ويشربون الشاي، قدحاً بعد آخر. إلى جانب المقهى القديم، افتُتح في الآونة الأخيرة مقهى إنترنت وحانوت لبيع اﻷطعمة الجاهزة وآخر للأدوات المنزلية.

لبعض منازل القرية بابان، الأول يطلّ على الزقاق والآخر على البساتين. يختلف أهل هذه المنازل أحياناً على تسمية البابين بالأمامي أو الخلفي، إذ يعتمد ذلك على مفهومهم عن الأمام والخلف، البساتين أم القرية.

على كل حال، أمام الأبواب التي تطلّ على البساتين درب ضيق، يقابله حائط قليل الارتفاع تكسوه الخضرة طوال السنة. لهذا الدرب حكايات كثيرة يعرفها كل أهالي القرية. كما أن الساحة الصغيرة التي تتوسط الدرب مكان لعمليات بيع وشراء البضائع الممنوعة والمهرّبة.

ثمة دائماً رجل عجوز أو امرأة مسنّة تجلس أمام الحائط. على مرّ السنين، بات هؤلاء جزءاً من الدرب الضيق، يراقبون المارّة بصمت، والجميع تعوّد على وجودهم الصامت.

تعيش حياة في إحدى هذه البيوت. وحياة، لمن لا يعرف، فتاة فاتنة ذات ابتسامة ساحرة. يحبّها كل شباب القرية ويحلمون بها في الليل، أو يراقبونها سراً حين تخرج قبيل الغروب إلى ضفة النهر مع والدها المُقعد للترفيه عنه.

أمّ حياة عاملة ماهرة تصنع السلال والحُصُر والزنابيل والمراوح اليدوية. تتقن عملها وتستمع به، وبضاعتها تنال عادة إعجاب الزبائن من أهالي القرية والقرى المجاورة، لألوانها ونقوشها الجميلة ومتانتها.

في الآونة الأخيرة، لأسباب لم تكن واضحة لحياة آنذاك، بدأت الأم بمضاعفة جهودها وزيادة إنتاجها، وبيع الفائض للغرباء على الضفة الأخرى للنهر، قريباً من الطريق السريعة التي تمرّ قرب القرية.

حياة هي الابنة الوحيدة المدللة، لاسيما بعد وفاة أخيها عبّود في حادث سيارة قبل ثلاث سنوات، وإصابة والدها في الحادث نفسه بالشلل، ما جعله سجين كرسيه المتحرك ورحمة زوجته وابنته. أنهتْ حياة دراستها الابتدائية في مدرسة القرية، ولم تكمل تعليمها لعدم وجود مدرسة متوسطة وثانوية في القرية. هذا بالإضافة لاضطرارها للعناية بوالدها المُقعد، بالطبع.

ذات يوم شتائي قارس، مرض الأب فجأة وارتفعت درجة حرارته كثيراً. لم تسعفه كل علاجات الزوجة والبنت والجيران التقليدية، ولم يستطيع الطبيب الحضور بسبب انقطاع الطريق. توفي بعد بضعة أيام ليضع حداً لمعاناته ومعاناة عائلته، كما قالت إحدى الجارات.

بعد رحيل والدها ومرور أيام بدتْ لانهائية من الحزن والبكاء والضياع، قررتْ حياة أن تكمل دراستها وتحقق حلمها بالعيش في المدينة. فاجأتها أمها بتشجيعها على مشروعها وأخرجت من عبّها ربطة من النقود الملفوفة كانت قد خبأتها ليوم كهذا.

لكن في اليوم الأربعين على رحيل والدها، وخلال زيارتها اليومية لقبره، انتابت حياة نوبة بكاء هستيرية لم تدرِ من أين جاءت. كما لو أنه رحل البارحة. بعد انقطاع نشيجها وعودة تنفسها إلى إيقاعه الطبيعي، برق في رأسها سؤال مرعب: من سيعتني بقبر أبي؟

بعد أيام من التفكير وليالٍ طويلة لم يزرها فيها النوم، قررت حياة أن لا تترك والدها وبيتها وقريتها. قررت أن تشتري الكتب المدرسية وتدرس في البيت وحدها، بمساعدة أستاذ القرية، وتقدّم امتحاناتها في المدينة في نهاية كل عام دراسيّ.

ما زالت حياة تكتشف شوارع المدينة وحوانيتها كلما سافرت مرة في السنة، ومازال بعض أصدقاء الدراسة يزورونها في القرية بين الحين والآخر

المقال السابقالفن البديل – ج 2
المقال التالىمن اسرار الحياة البشرية
شاعرة عراقية من مواليد كربلاء. عضوة أتحاد الأدباء العراقيين وعضوة أتحاد الأدباء العرب. خريجة كلية الصحافة من جامعة بلروسيا سنة 1985. الخبرة المهنية/ منذ عام 1979 لحد الآن مقالات وكتابات أدبية في مجلات وصحف عراقية وعربية متنوعة. سنة1980ـ 1985محررة مجلة صوت الوطن الطلابية في مينسك عاصمة بلروسيا( روسيا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد