الناظر الى السماء

 
الصدى-الناظر-الي-السما
لوحة للفنان محمد زيدات

عرفته متأملاً يغيب في الخيال ، في التحليق بالأحلام ، بسماء الأفكار ، بالنجوم . اكد لي ذلك حين وجدته يوماً مغلقاً عيناه يرتكن طاولة بفرده وسط جمع الطاولات التي ملأت منتدى الكلية حيث نقضي اوقاتنا بين الدروس.
ضحكت لأفكاره التي اطلقها لي .

– الا تصدقي يا فتاة ما اقول اني اطوف في السماء تعالي معي وأغمضي عيناك معي وستجدين حقيقة ما اقول في ان الخيال هو الطريق الى اليقين .
قالها لي مملوءاً بالثقة فتبعته في ما يقول لاختبر افكاره اولاً وأنا عند طاولته اقابل جلسته . كان ذلك قبل ثلاثين عاماً مضت حيث اجتمعنا بذات الكلية .
– نحن نجلس الان متقابلين على صخرتين فوق القمر .. الظلام هو لون السماء والعبق ليس عبق الارض .
رحت أغيب في خيال عيني المغمضتين وكلماته التي تصور المنظر مستمتعة بتجربة فريدة ، مثيرة ،غريبة .أطلقت العنان لخيالي فشاهدت الارض من بعيد زرقاء مغبشة بالغيوم وملونة بترابها في قليل من اجزائها . . سماء حالكة السواد تزدان بالنجوم ، لآليء تخشع للخيال . عند القمر هو امامي اراه رجلاً يسند رجل على رجل يجلس كملك امتلك جرم القمر.
قطعت افكاري فجأة سائلة : والهواء .. كيف نعيش بلا هواء .
– حين يذهب بك الخيال لا تفكري بالقواعد والعلوم . لا تحتاج الارواح إلا الى الخيال .. انسي الهواء.. ارواحنا هي التي تغادر حيث نرغب .. بهية هي الاحلام تحلق حيث يجب ان تكون .. وترفعنا عن ضحالات رضيت ان تسكن الارض ، تلك هي الاجساد وحدها من تقبل بذلك .
في السماء كنا ندور كل يوم ، فوق المريخ والزهرة .. نبتون ، بل وبلوتو ايضاَ. هكذا بدأنا نقضي جلساتنا ، وجلسنا يوماً خاشعين في حضرة كبير الكواكب جوبتيـــــــــــــــــر ( المشتري ) . لا نشعر بحرارة شيء ولا ببرد . يحدثني مغلق العينين :
– هل ترين ما ارى ؟ . اجيبه بالإيجاب ، ففعلاً كنا نرى ذات الاشياء في ذات الوقت حيثما سافرنا عبر الكواكب والنجوم .
اذكر يوماً ضيّفتنا حلقات زحل .. هناك كان المساء ليس ككل مساء .. اشبه بحلم لم نستطع ان نغادره. ربما كان اختيارنا له ذلك اليوم كونه اليوم الاخير من ذلك العام فكان حفلاً بألوان نادرة .
تزحلقنا على الحلقات ، واحدة تلو الاخرى ،وتسابقانا كما يتسابق المتزحلقون على الثلوج فالحلق تحت اقدامنا املس وابرد من جليد ، فيما كنا بعدها بأيام نجوب لهيب الشمس دون احتراق فأرواحنا كانت من يقين .
بالضجيج حاول الكثيرون قطع احلامنا ، افكارنا . يتجمعون حول طاولتنا يزعقون ونغيب نحن في السكون في عالم لا يجمعنا بهم ، ان روحينا هناك في البعيد . يظنوننا نمارس اليوغا وكانت هي يوغا اخرى بطعم النعيم.
ألا نمضي للسماء ؟هكذا نقول كلما اجتمعنا ، فنمضي للسعادة بطعم الغرق في الشجون .
يوماً تشاجرنا ، فغادرته تاركة اياه للخيال. حينها نبذته لأحلامه التي ما عدتُ استلذها وهكذا اصبح تاريخاً انقضى ….
اليوم وبعد ثلاثون عاماً شاهدته مرة اخرى عند الشارع الرئيس لحينا جالساً عند اريكة ينتظر ان تقله الحافلة الى مكان ما .. لم اعرفه اول حين ، فانا كنت في الرصيف المقابل وملامحه قد تغيرت فشعره الاسود الذي كان يذوب في دكانة السماء بات اشيباً وخطوط الزمن غزت وجهه المتعب بزحف العمر. لكنها وحدها جلسته ونظرته المحدقة في السماء بذات الأغماضة المميزة هي التي شخصته لي .
وقفت برهة ثم مضيت الى منزلي احمل سلة مشترياتي .. فيما اذكى ظهوره افكاري لأعود بها الى غور تلكم الأيام .
في اليوم التالي وعند نفس الأريكة كان ينتظر ايضاً . لمحته ووقفت طويلاً انظر اليه . قريبة منه هذه المرة وعلى ذات الرصيف . شيء ما ايقضه من تأمله وجعله ينظر اليّ بنظرة قصيرة ما لبث ان ازاحها عني سريعاً وتيقنت انه عرفني بلحظة فانا لم اتغير كثيراَ رغم السنين .
ورغم ذلك قطعت الخطوات اليه لأجلس جانبه فيما ذاب هو بحلمه الابدي من جديد .
بادرت بالحديث بجرأة وكأننا لا زلنا ذات الصديقين المقربين .
– ابعدك تسافر الى النجوم ؟ ترى الى اي الافلاك ستصحبني اليوم ؟
التفت الي فاتحاً نصف عين وبنصف استدارة من رأسه اجابني .
– هل تعرفين .. انني ندمت ان اخذتك يوماً الى النجوم .
قالها وعاد ملتفتاً الى الناحية الثانية حيث كانت الحافلة قد اقتربت . نهض ودلفها مسرعاً تاركاً اياي الوذ بصمت . خرساء بلا اجابة ، وحين مضت الحافلة وأعطتني ظهرها قرأت على لافتتها الخلفية المشيرة الى مقصدها .. كانت………. (( الى السماء )).

لا تعليقات

اترك رد