رسالتي !


 

بدأ النوم يغيب عن عيني منذ وطأت قدمي ذلك المكان،كلما صدر صوت تحركت عيني في محجريهما،لا أدري لم كل هذا؟
إنهم يتسللون إلى حجراتنا مثل النمل،ربما يأتون في ثنايا الحلم تبرز منه تلك المشاهد التى تخيف،يا لعمق الفاجعة،أتدثر بثيابي أخرج إلى الشرفة أعلم أن الوهم يتلبسني،يمسك بخناقي يمنعني الحركة،إنه القيد الذي يثقل خطوي،يتعبني بل يوقف نبض الحياة في شراييني،صرت أشبه بدمية من شمع ،نزعت مني الإرادة،هل سأبقى هكذا؟
كرهت المدينة وعفت سكون النار التى لم تضطرم في تلك الأحشاء ،أأبقى مخلفات عهد مضى؟
أتكون دنيا المنقطع عن عالمه غير التخفي تحت أردية النسيان؟
إنها لا تشعر بي ، لها عالمها بكل همومه ومشاغله، أما أنا فليتني ما تعلقت بهذا العالم العلوي،يا له من عالم تجاوز الحدود وتداخل مع الطهر ، ارتفع عن جواذب الطين،العدل والحق
الجمال،وهل غير الثلاث تلبست بهن؟
حتى القلم ما يطاوعني، الفكرة تغيم وراء أسداف الليل بشدته التى توشك أن تطبق على نفسي،ليتهم قبروا!
لقد امتلأت الدنيا بهؤلاء الوشل،بل للقبح خلقوا، ما تزيدني رؤية وجوههم الكالحة غير امتعاض،أهكذا تكون الحالة من النقيض إلى النقيض؟
أردتها طاهرة في جلوة الصباح، وهم يبغونها عوجا مثل ظل شوهاء لا تتسر بقبيحتها.
ما أدري متى ستمضى هذه القصة حتى منتهاها، كل الذي بقي لي خيال منها شارد،لا يكاد يستقر على قائم،عالم ينتهي رويدا،وآخر برحم الغيب منتظر، كر ليل وتعاقب شمس وقمر ،لله في قدر لا تخيب سهامه، ولي أمل أتعجل طيفه،أحاديث تروى، وآلام تبلغ بي النزع الأخير،يا لصبابة عهد تولى،وكدرة عيش يراوح مكانه، ألمح في ثنايا الزمن آيات تكاد تمثل واقعا،وإخالها عبرة تنساب حكمة أو حرقة قلب متلهف!
الشمس تشرق من جديد ، كل يوم تأتي من مخبئها،تحمل الدفء وكثيرا ما كنت أخرج يدي من النافذة لأمسك ببعض أشعتها،لم تكن بي سذاجة لكنه الأمل حين تستطلعه النفس المستشرفة له،البراءة أن نبقى كما ولدتنا أمهاتنا؛ نتخلص من رهق الحياة وعتمة الظلام المحيط بنا،لن نستفيد من ذلك البهرج الخادع،ليسترجع المكان ذلكرته المنسية شوقا إلى الأحبة ،حتى نمسك بمفاتيح العودة، ونبني فوق الربوة ذلك المسجد المنتظر، لن تغيب الملامح الطيبة، ولربما يحمل الفجر مع خيوطه الأولى دعوات الساجدين،تعددت المنافي في المكان والاغتراب في
الزمان، لنعطي للقادمين سر الوجود!
النفي في الزمان أشد قسوة من الاغتراب في مكان أصم ،الآن أنا هنا في عالم ينكرني، لا يحتفي بي أحد، لقب فارغ جهدت طوال عمري أن أتحصل عليه، أمضيت الأيام بين أرفف الكتب،
جمع غفير من الكتب الصفراء اصطحبتها، كنت متأبطا كومة منها حين أبصرتني لأول مرة يتغشاني الفكر ويتلبسني داء الوحدة القاتلة،الحجرة التى انعزلت فيها عن العالم الصاخب من حولي،لم تجد في غير ظل رجل تأوي إليه ساعة الهاجرة،أو لعلها تعللت بي زوجا حتى يتم للجسد بعض أمره،شغلت عنها وكان عمري يتسرب بين يدي،الكتاب جليس،لكنه على كل حال يسرق أجمل لحظات العمر،لم أنتبه إلى تلك الغشاوة التى أصابت عيني ،الضعف والهزال يتسللان إلى جسدي ،أي جناية تلك التى ارتكبتها بحق نفسي أولا؟!
ثيابي لم تتبدل منذ سنوات عدة كأنما هي رهينة محبس عند بخيل يمسك بها؛ ألا تنفلت من بين يديه، مرت الأيام هكذا باردة لم تجد فيها لحظات الدفء التى ترجوها كل أنثى،تعللت كثيرا بضيق الوقت،في الحقيقة لم أكن أجد ما أنفق،لها مطالب من زينة وكساء،العطور لم تعرفها سبيل تدلل،والطعام الوافر لم يكن إلا ترفا وأنا آخذ نفسي بالزهد في الحياة ،الأولاد مشغلة وصداع يكفي أننا سعداء!
تلك كانت حيل ملت من سماعها، وفي النهاية تتصبر بتلك الورقة التى يمنون علي بها أن صرت عالما بشهادة معتمدة،وما أكثر تلك الألقاب التى يتفاخر بها العوام،ولعلها فخاخ تنصب للنابهين فيقصرون جهدهم على بلوغها ثم بعد يتناومون نومة أهل الكهف،اليوم سأزف إليها النبأ المنتظر منذ عشر سنوات، وافقوا على مناقشة رسالة الدكتوراة!
ربما ستسعد كثيرا بهذا، سأعوضها عن سنوات الحرمان، ونبدأ حياة جديدة، لكن عمري الآن يقترب من الخمسين، وهل بعد خريف شجرة إلا شتاء بارد لا حياة فيه إلا للريح؟!
هل كنت غير واهم، يا ترى من يعيد تلك الشعرات البيضاء التى ضربت لمتي في غيررحمة،من يعوضني عن تلك الليالي التى انكفأت فيها على الورقة والقلم مثل ناسك كاذب في عبادته، لم تكن غير شهوة نفس أن أجد مسافة تفرق بيني وبين أقراني، ليتني اكتفيت بالشهادة الأولى أو الثانية، تسرب العمر دون أن أبقي منه بعض زاد لتلك السنوات الباردة، الأضواء التى منيت نفسي بتسابقها إلي صارت باهتة خافتة، اللقب أضحى بلا قيمة في عالم يوسع لمن يمتلك المال، أي جدارة لي وسط الغباء والجهل المحيط بي؟
ردت في غير اهتمام :أليس من الأولى تعليم الصغار القراءة والكتابة، كل طفل يفك طلاسم الحروف وينطق الكلمات أفضل ألف مرة من تلك الورقة المسماة ” دكتوراة”؟
كل لحظة تداعب فيها خصلات شعري وتمتليء بي حبا ووجدا وأولادنا يركضون حوالينا تعدل آلاف منها، لقد ضيعت عمرك بلا فائدة ،اليوم تذكرت كل تلك الكلمات الوالهة التى استمعت إليها!
يكفي أن حققت حلمي،لا يهم كم ضاع من عمري، لن ينظرني البعض أقل مهانة،أبي ذو الثمانين عاما ينتظر هذه الساعة، جهد كثيرا لأجلي، وهل أعقه وألا أحقق له ما تمنى؟

لا تعليقات

اترك رد