حين يغرد الكنار

 

خمس دقائق ونصل . مازال الوقت مبكراً والجو مائل إلى البرودة قليلاً .
إنه الأول من تشرين الثاني 2005 والسحب التي بدأت تظهر في السماء كانت تناهض شروق الشمس التي أثبتت وجودها بمرود .
وهنا .. كل إنسان يحدق بالآخر يحاول أن يسمع كلمة أو يستشف بنظرة في عيني أي شخص عن قصة وجوده في هذا المكان الموحش .
التفت يمنة أبحث عن زاوية فارغة أقف فيها . كان المكان مكتظاً .. وجوه كثيرة تنضح بالبؤس وكأنها تنتظر من يجيرها .
في جانبي القاعة يوجد مقعدان طويلان مصنوعان من ألواح رخامية ومغطاة بلوح كبير من الخشب وقد اكتظ المقعدان بالناس .
في الزاوية اليمنى كانت تجلس امرأة يبدو أنها في العقد الثالث من عمرها و بجانبها طفلين صغيرين بينما تمسك بيدها غطاءً من الصوف ملفوف بحقيبة من النايلون الشفاف .
كانت نظراتي المطولة إليها قد حفزتها لتفتح باب التعارف فاتجهت نحوي تبغى محادثتي غير أني التفت إلى اليسار بحثاً عن منطقة فارغة لتستقر قدماي فيها .
اصطدمت بشاب لاينفك ينظر في ورقة عليها بعض الطوابع ربما ورقة ثبوتية أو ماشابه .
بعد قليل طوى الشاب الورقة بعناية ووضعها في جيبه ثم نظر باتجاه باب مغلق كان أغلب الموجودين ينتظر فتحه .
إنها المرة الأولى التي آتي فيها إلى هذا المكان . لست أدري كم يطول الانتظار هنا .جلت ببصري في أرجاء الغرفة بحثاً عن شيء يبعد الضجر .
كل الموجودين يتبادلون الحديث إلا أنا لم أرغب التكلم مع أحد . تنبهت لصوت أحدهم يقول :
– لن يطول الانتظار .. ما أن تخرج الدفعة الأولى حتى ندخل .
بعد برهة رأيت الباب ينفتح ويطل منه رجل يرتدي بزة عسكرية وبصوت أجش صاح :
– الهاتف الجوال ممنوع .. ومن أتى دون هوية ليرجع حيث كان .
ثم دخل وأغلق الباب .
انسحب الشاب الذي يحمل ورقة ثبوتية وكأني أدركت أنها صورة لهويته وانسحب أيضاً بعض الموجودين والبعض أودع هاتفه الجوال لدى الرجل المسؤول عن الودائع .
خيّم صمت رهيب أطبق على الأنفس فجمدت مكانها . وزحف التجلد إلى العيون التي تسمرت باتجاه الباب .
بدأالقلق يصطاد الأمان ويجدل الوقت بضفيرة معقودة بشكوى قلوب حائرة تحفزت بارتياب حين فُتح الباب من جديد وظهر الرجل نفسه ذو البزة العسكرية وأخذ يقرأ أسماءً بينما تَشَكَّلَ رتل من الحاضرين وبيد كل واحد هويته . ثم ولجوا الباب المفتوح إلى قاعة مقسومة إلى قسمين وقد اكتظت بمن دخل .
كنت أتبع من تقدم أمامي بحركة آلية وأشعر بشيء من الانكسار داخلي وبكثير من ألم الرأس .
فجأة صرخ أحدهم :
– من هنا ياخالة .. من هنا ..
التفت ناحية الصوت فإذا بامرأة عجوز تمسك يد ابنها الشاب بهلع وهي تقول :
– إنه ابني .. اتركوه .
رد عليها الرجل بعصبية :
– الرجال من هنا والنساء من هناك . كم مرة أعيد الكلام نفسه .
تقدمت المرأة وهي تتمتم بكلام غير مفهوم وكأنها تطفىء نار القهر داخلها .
في ساحة كبيرة اجتمع كل من دخل وقد ذاب جليد الصمت فكانوا يثرثرون بصوت عال ويقفون قبالة مبنى بعيد نسبياً ينتظرون أمراً أجهله .
بعد مضي نصف ساعة أو أكثر أطل من المبنى البعيد رجل وأشار بيده أن تعالوا .
ركض الموجودون باتجاه المبنى وسرت خلفهم وأنا أكاد أضحك لولا كآبة الموقف فمنظر الركض هذا ذكرني بحفلات الزفاف أو حين حضور مسرحية أو حفل غنائي للحصول على المقاعد الأفضل .
وصلنا أخيرا إلى بهو طويل يحوي عدة قاعات ومن بعيد لمحت سوراً كبيراً .كان الحاضرون قد احتشدوا أمامه .
وقفت أمام السور وقلبي عصفور يكاد يطير إليك ليحملك إلى سماء رحبة بعيدة عن قضبان الأسر .
كان لابد من الصراخ حتى يصل صوتي إليه . غير أن صوتي خانني حين سألني راجياً :
– ما الأخبار .. هل من جديد .
– لم أتوقع يوماً أن أراك حزيناً كسيراً هكذا .
كابرت دمعة حاولت أن تسقط رغماً عني وهتفت بأعلى صوتي :
– لاتخف . اطمئن … نحن نحاول معالجة الموضوع بشكل مناسب وخيوط براءتك كدت أمسكها . قريباً ستكون بيننا .
– ثلاث أسابيع مضت وأنا أغزل من الحرية وشاحاً لأحلامي وفي كل يوم يمضي ينكسر شيء داخلي ، أحاول لملمة أجزائي ولا أدري إلى متى ؟ ..
بت أخشى أن يتعود قلبي على الظلام .
قاطعته وأنا أرفع إليه قفصاً أحمله :
انظر .. إنه الكنار الذي تحب .. لو تعلم كم أحزنه غيابك .. تخيل أنه لم يغرد ولا مرة .
نظر إلى الكنار بأسى ثم فتح له باب القفص فطار الكنار وهو يحرك جناحيه بقوة فارتطم بالجدار ووقع أرضاً .
عندها سار باتجاه القفص ودخل إليه .
قال وهو يضرب قبضة يده اليمنى براحة يده اليسرى :
– لافائدة .. لقد تعود الأسر .
حاولت أن أستجمع رباطة جأشي حتى أتمكن من صقل كلماتي فتكون شمعة تنير ليله وبثقة أخبرته :
– قال المحامي أن خروجك أمر مؤكد . غير أنه يحتاج بعض الترتيبات .. تشجع وكن صبوراً .
لم أدر كيف استطعت الخروج عند انتهاء الزيارة .. كان السواد بدأ يهبط على الأرض وقد غابت الشمس وأنا أمشي لا أعرف إلى أين ..كانت الأفكار تقهر خطواتي وأنا أتساءل كيف يصفق الناس لمصارع الثيران ولا يأبهون للثور الجريح .

المقال السابقالموظف الحكومي
المقال التالىفي نقد القيم !
الإسم : شذى الأقحوان المعلم المواليد : الجزائر الإقامة : سورية / حمص الدراسة : ليسانس رياضيات اختصاص برمجة حاسوب + دبلوم العمل : معلمة أكتب منذ عشر سنوات وأكثر في الصحف المحلية . وأشارك في المنتديات الثقافية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد