حينما يحتفل العراقيون


 

صحيحٌ إن الشعب العراقي قد توالت عليه المصائب منذ حوالي قرن أو ما يزيد عن ذلك ، ففي عام 1914 بدأ الإحتلال البريطاني من جنوب العراق واكتمل خضوع الأراضي العراقية لسيطرة الاستعمار البريطاني بعد ثلاث سنوات.
وبعد طرد العثمانيين وسيادة الإقطاع بقيت عامة الشعب ترزح تحت سياط الفقر الموجعة في حين يعيش شيوخ العشائر وأبناؤهم في بحبوحةٍ من العيش ويقضون أيام الحر اللاهب في بيروت وأوروبا.
يختار شيوخ العشائر أرقى أنواع السيارات ويبنون القصور التي تجاور خياماً بائسة للفقراء الحفاة الذين إن تجرأ أحدهم على شراء (نعلين) تقي قدميه من الحر والبرد وخشونة الأرض فله الويل والثبور .
يختار الشيوخ وأبناؤهم أفضل أنواع الأسلحة النارية كالبنادق والمسدسات التي يقتلون بها عباد الله ويتبخترون بحملها في الأسواق.
في عام 1958 وعلى يد الضباط الأحرار انقضت فترة الإقطاع وتساوى أفراد الشعب وبدأت الملامح الحضرية ومغادرة مجتمع التعصب والعشيرة تبرز إلى الوجود، إلا أن هذه البوادر لم تدم طويلاً بعد اختلاف العسكر فيما بينهم وتسابقهم المحموم إلى استلام السلطة بشتى الطرق.
قُتِلَ قائد الثورة ورائد المدنية على أيدي جماعته العسكر وخلال تلك الفترة انتشر السلاح في كل بيت من بيوت العراقيين فقد تحوّل الشعب العراقي بين ليلةٍ وضحاها الى تبني فكرة (الحرس القومي) المدجج بالسلاح غير المنضبط فكثرت الجريمة والاحتفال بالسلاح والتباهي به في كل مناسبة.
واستمر هذا الحال إلى انقلاب تموز 1968 الذي تولى فيه البعثيون السلطة فكادت الدولة تسيطر على هذا الملف في العقد الأول من حكمهم لولا حماقات صدام وقيامه بانقلاب (أبيض) على الرئيس البكر ودخوله في حربٍ طاحنة لمدة ثمانية سنوات مع الجارة إيران ، مما اضطره إلى بذل السلاح في كل بيت وتدريب المجتمع العراقي عليه وتعدى ذلك إلى العسكرة التامة التي شملت حتى الأطفال والنساء.
أمام مجتمعٍ تربى على تقديس السلاح فإنه من الصعوبة بمكان إقناع أفراده عن التخلي عنه ويظهر ذلك جلياً حينما تشتد النزاعات العشائرية في المحافظات الجنوبية ، فيغيب صوت العقل ويعلو بدله أزيز الرصاص.
أخذ العراقيون يتباهون في استخدام السلاح في كل مناسبة ، ففي الأفراح يستخدمون السلاح بغزارة وفي الأحزان أيضاً وتشييع الجنائز. عندما يعود الحجاج من مكة فإن ذويهم ومحبيهم يتسابقون كم مخزن من العتاد قد أنفقوا.
في حفلات الختان ، والزفاف ، وحينما تغني (بنت الريف) وأخيراً وليس آخراً ، حينما يفوز المنتخب -ولو على الموزمبيق- فإن السماء العراقية تتحول إلى شهبٍ ونيازك ، إلا إن طبيعة الشهب والنيازك جعلها الله رجوماً للشياطين على عكس الشهب العراقية التي تعود على عيون الأطفال لتفقأها أو تستقر في خاصرةِ عجوزٍ يسير في طريقه.
هل هذه هي الطريقة المثلى لإظهار الفرح ؟
صحيحٌ أيضاً أن العراقيين يتوقون إلى الأفراح نتيجة الأحزان التي مرت بهم الا إن ظاهرة الرمي العشوائي ليس لها تفسيرٌ الا الانفلات الأخلاقي بعد أن اهتزت صورة الدولة وتكالب السياسيون على المنافع فقط.
البعض يقول إن الموضوع يحتاج إلى تشريع قانون جديد يُجَرِّم هذه الأفعال متناسين وجود القرار التشريعي رقم 570 لسنة 1982 الذي يعاقب بالحبس لمدة لا تقل عن سنة واحدة ولا تزيد على ثلاثة سنوات لهذه الأفعال.

لا تعليقات

اترك رد