القاهرة تحتفل بالإمام الحسين


 

أيام قليلة وتحتفل قاهرة المعز لدين الله الفاطمي بمولد الإمام السبط الحسين بن علي رضى الله عنهما بمسجده العامر بحي الحسين في القاهرة القديمة حيث دفن الرأس الشريف، يتوافد المحبون لساحات المسجد الذي يتزين بالانوار ذات اللون الأخضر وتبدأ مظاهر الاحتفال بتلاوة آيات من القرآن الكريم وإحياء حلقات الذكر والابتهالات الدينية.

في جو روحاني يبدأ ريثما تقترب من المسجد تشعر بالسكينة والطمأنينة، وأول ما تقع عينك عليه لوحة رخامية بيضاء على واجهة المسجد حفر عليها الحديث النبوي الشريف الذي رواه أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد والحاكم في المستدرك والترمذي وابن ماجه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(حسين مني، وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا: حسين سبط من الأسباط)

وما إن تدخل مسجد الإمام الحسين رضوان الله عليه تجد رائحة النبوة التي لا يميزها إلا محبي آل البيت، فتشاهد الآية الكريمة ( قُل لا أسألكم عليه أَجراً إلا المودة فى القربى)، وقد كتبت بخط جميل محفورة في جدران المسجد، كما تجد غرفة الآثار النبوية تجاور الرأس الشريف، وهي غرفة أنشأها خديوي مصر عباس حلمي الثاني لحفظ مجموعة من الآثار النبوية الشريفة كانت قد نقلت إلى مصر وحفظت على النيل بمكان سمى رباط الآثار، وعرف موخرًا بإسم ( أثر النبي) في حي مصر القديمة، وتحتوى الغرفة على قطعة من قميص الرسول صلى الله عليه وسلم وقطعة من العصا، والمكحلة والمسبل وشعرات من شعره الشريف.

زار كثير من الرحالة المشهد الحسيني منهم ابن جبير الذي زار مصر في العصر الأيوبي عام 578هـ/ 1182م ،ووصفه وصفًا دقيقًا، وعلى الرغم من أن الأيوبيين قضوا على الدولة الفاطمية وانهوا الحكم الشيعي إلا أن ابن جبير يذكر اهتمام الأيوبيين بالمشهد، كما ذكر ابن بطوطة (المتوفى 779هـ/1377م) بعد زيارته للقاهرة : “ومن المزارات الشريفة، المشهد المقدس عظيم الشأن، حيث رأس الحسين بن علي، وعليه رباط، على أبوابه حلق فضة وصحائفها، وهو موفى الحق من الإجلال والتعظيم”.

في العصر العثماني أهتم العثمانيون بالمسجد فرممه الوالي السيد محمد باشا الشريف وأصلح زخارفه عام 1004هـ، وزار الرحالة التركي أوليا جلبى (المتوفى عام 1093هـ/1682م) المزار المقدس وذكر في كتابه (سياحتنامه مصر) أنه كان يقام في مسجد الحسين الأحتفال بمولد جده صلى الله عليه وسلم، وفي الليلة الثانية من محرم، ليلة العاشوراء تقاد شرفات منارات الجوامع بقناديل، وتنار الشوارع والطرقات وتزين ليلا ونهارا.

ولد الحسين بالمدينة المنورة على ساكنها افضل الصلاة والسلام، بعد ولادة أخيه الحسن بعام، وذلك في الخامس من شعبان سنة أربعة من الهجرة، وكان يشبه جده رسول الله وتربى في حجره فاختصه بمزيد من العطف والبر، وكان يقبل شفتيه، ويحمله كثيرًا على عاتقه، وقال فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (من أراد أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة، فلينظر إلى الحسين بن علي) كما قال صلى الله عليه وسلم ( اللهم إني أحبه فأحبه).

عاش الحسين حياته متواضعًا عابداً زاهدًا شجاعًا كثير الصيام والحج، تعرض لكثير من المحن واستشهد رضى الله عنه من أجل الحق وإقرار العدل بعد ان امتنع عن مبايعة يزيد بن معاوية وذلك يوم عاشوراء سنة إحدى وستين من الهجرة بموقعة كربلاء بالعراق، وفصلت رأسه عن جسده وقتل معه سبعة عشر رجلًا من آل أبي طالب أضاءُوا ضمير الحياة بجلال التضحية، فعاش ما يقارب السبعة والخمسين عامًا، وانشدت الرباب بنت امرئ القيس ترثي زوجها الحسين وكانت معه في وقعة كربلاء التي لا يسعنا الاستفاضة في تفاصيلها، قائلة:

إن الذي كان نورًا يُستضاءُ به … بكربلاء قتيلًا غير مدفون

سبط النبي جزاك الله صالحةً … عنا وجُنبت خُسران الموازين

قد كنت لي جبلًا صعبًا ألوذ به … وكنت تصحبنا بالرُحم والدين

من لليتامى ومن للسائلين … يقي ويأوى إليه كل مسكين ؟

ويروى أن يزيد بن معاوية أمر أن يطاف بالرأس الشريف في البلاد، فطيف به حتى استقر بعسقلان الميناء الفسلطيني على البحر الأبيض وبقى بها حتى سقطت عسقلان بيد الإفرنج خلال الحملات الصليبية، حيث تقدم الصالح طلائع بن رزيك وزير الفاطميين بمصر فدفع 30 ألف درهم واسترد الرأس الشريف، ونقل الرأس من عسقلان للقاهرة يوم الأحد 8 من جمادى الآخرة سنة 548هـ/ 1153م حيث دفن بالمشهد الحسيني، ويقول المقريزي: (يذكر أنه لما أخرج الرأس من المشهد بعسقلان وجد دمه لم يجف، وله ريح كريح المسك)

ويقول الشعراني في طبقات الأولياء واصفًا إستقبال الرأس بمصر:

(إن الوزير صالح طلائع بن رزيك خرج هو وعسكره حفاه إلى الصالحية، فتلقى الرأس الشريف، ووضعه في كيس من الحرير الأخضر من الأبنوس، وفرش تحته المسك والعنبر والطيب، ودفن بالمشهد الحسيني قريبًا من خان الخليلي في القبر المعروف).

تلك الراوية أنكرها البعض منهم ابن تيمية وابن كثير القائل : (وادعت الطائفة المسماة بالفاطميين، الذين ملكوا الديار المصرية أنهم دفنوه بها وبنوا عليه المشهد المشهور بمصر)، ومن المثبتين لوجود الرأس بالقاهرة : الإمام محمد بن بشير والإمام مجد الدين عثمان، والحافظ المنذرى، والقاضي عبد الرحيم والقاضي ابن عبد الظاهر، والإمام جلال الدين السيوطى، والحافظ نجم الدين الفيضى، وأبو المواهب التونسى، وأبو الحسن التمار العجمى، والشيخ شمس الدين محمد البكرى وابن خلكان وغيرهم.

وعلى أية حال، ففي أي موضع دفن رأس الحسين أو جسده فهو ساكن في القلوب والضمائر، قاطن في الأسرار والخواطر.

المقال السابقمشاكل تربوية
المقال التالىترامب والشرق
الدكتور عمر الشريف عمر محمد عبد العزيز الشريف، كاتب وباحث مصري يمارس البحث التاريخي بصورة حرة. من مواليد مدينة طنطا عام 1989م. حاصل على بكالوريوس الصيدلة الإكلينيكية من جامعة المنيا عام 2011، وله مقالات عدة نُشر بعضها بوكالة عرب نيوز الإخبارية وأهرام الدلتا، كما صدر له كتاب "أعلام منسية من أرض الغر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد