عذرا عزيزتي المرأة

 

هل أسأنا فهم المرأة؟… هل علينا أن نعترف أننا لم نحسن التعامل معها؟.. وهل علينا أن نبرر أو نفسر؟، هل يكفي أن نقول أننا ضحايا ثقافة أَصّلَتْ تهميش المرأة وتصغيرها وإهانتها؟.. ثقافة علمتنا أن المرأة ليست مخلوقا كاملاً وأنها ناقصة عقل ودين، لم نفكر أن رجالاً هم من وضعوا قواعد هذه الثقافة التي ذابت في السلوكيات والعادات والتقاليد والقيم والأعراف حتى غدت قوانين اجتماعية مؤكدة.. أعترف أني لم أفكر بمراجعة هذه المسلمات إلا بعد أن قررتُ ذات صحو، أن أراجعَ المسلمات الدينية برمتها، تلك التي غرست في أذهاننا غرسا جيلا بعد جيل، وصرتُ أكتشف كل يوم أننا أزاء حزمة كاملة مما يجب إعادة النظر فيه ونسفه من مفاهيم وأخلاقيات وقواعد سلوكية منبثقة عن الفهم الديني المجتزأ.. وتُعَدُّ المرأة عنصرا من العناصر المهمة في هذه الحزمة، إنها ليست ضلعاً أعوج من أضلاع آدم كما علمونا، بل كيان موازٍ للرجل، تضاهيه أهمية بل ربما تجتازه، فقد أثبت العلم أن المادة الوراثية التي تبدأ بها حياة الجنين تتشكل مناصفة من الأب والأم.. فهي ليست ثانوية الدور كما حاول أن يؤكد لنا رجال الدين الذين تشدقوا بالآية القرآنية في سورة القيامة: (ألم يكن نطفة من مني يُمنى؟) مؤكدين بأن الجنين هو نتاج لهذا المني.. والمرأة ليست إلا حاضنة لهذا الخلق الرجولي، مسقطين دورها البيولوجي ملقين المسؤولية على النص الديني، فهل أسقط الله دور المرأة في تكوين الجنين؟.. لابد من وقفة حساب إذن، فإن فعل ذلك رجال الدين فلابد أن يتحملوا مسؤولية وضع الله في زاوية ضيقة بدا فيها مخطئاً وهو منزه عن ذلك، فهو الخالق الذي يعرف تماماً آلية الخلق ومن المستحيل أن يسند هذا الدور للرجل فقط، وهو يعلم أن للمرأة بويضة يخصبها المني ليتكون الشريط الجيني الذي يحمل كروموسومات متساوية من الأبوين معا.. وهي ليست مجرد حاضنة… ربما هذا المفهوم الذي تجنى به رجال الدين على الله جعلهم أكثر تمادياً حين تعاملوا مع سلسلة من النصوص الدينية سواء كانت قرآنية أو أحاديث منسوبة للنبي محمد، على شاكلة (وإن كُنّ أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن، فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف، وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى).. ـ سورة الطلاق ـ ضمن آيات تتحدث عن طلاق الرجل للمرأة وآليات التصرف معها في حالة كونها حاملا، حاول رجال الدين إفهامنا بأن هذه الآيات تحفظ حقوق المرأة المُطَلّقَة، لكنها من جانب آخر كرّست هامشية المرأة وشطب دورها والتصرف بها وفقما يشاء الرجل، وتحوّل مفهوم الأمومة إلى سلعة يدفع الرجل ثمنه للمرأة كي تؤدي دورها الذي سخرها الله لأدائه وهو الحمل والولادة والرضاعة، فهل قرر الله أن الأمومة هي مهنة وأجر؟… وإن اختلف الطليقان فللرجل الحق في استئجار مرضعة أخرى، في إلغاء سافر لدور الأم.. النصوص الدينية ذاتها تقدم لنا حالة أخرى في الآية التي جاءت في سورة النساء: (فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع)، النساء هنا إذن مجرد أجساد معدة للنكاح بالكيفية التي يقررها الرجل، ماذا عن المرأة إذن؟، ونحن نؤمن أن الله لا يفرض شيئا غير عادل، فالعدل هو السمة الأهم للخالق، فهل ثمة عدل في هذه الأحكام الذكورية التي تراعي غريزة الرجل فحسب؟… والتي أضاءت المصباح الأخضر للخراب الإجتماعي، فلو افترضنا أن رجلاً حقق شروط الآية المذكورة آنفا، وتزوج أربعا ولدت له كل زوجة أربعا أو خمسا من الأطفال، هذا يعني أنه سيكون أبا لما يناهز العشرين طفلا، حتى لو افترضنا تحقق شرط الإقتدار المالي لديه فلن يكون قادرا على منح مشاعر الأبوة بالقدر نفسه لهؤلاء الأطفال ولن يتمكن من تربيتهم تربية صالحة كما ينبغي لمؤسسة الأسرة أن تفعل، وإن تمكن من تحقيق ذلك فسيكون قد بذل جهدا يوازي أضعاف ما يبذله الأب الطبيعي الذي يلد عددا معقولا من الأطفال يتمكن من تربيتهم بنجاح.. وفي سورة النساء نفسها قرأت ما جاء في تفسير الطبري لبعض آياتها وتأكدت أن ثمة خطأ ترك أثره على التراث التربوي الذكوري المعتمد على تأويلات النص القرآني أو الموروث الديني، فالآية التي تقول: (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) قام الطبري بتفسيرها على أساس أن المتزوجات من النساء حُرِمنَعلى الرجال إلا ما ملكت أيمانهم، أي أن الأَمَة أو الجارية المتزوجة حِلٌّ على مالكها ليمارس الجنس معها متى شاء رغم كونها متزوجة من شخص آخر، وسواء وافقت أم لم توافق.. ومثل هذا النص يثير الاستغراب والرفض في يومنا هذا لسببين أولهما أن فكرة الإماء والجواري وملك اليمين لم تعد مقبولة ولم يكن ينبغي أن تكون مقبولة منذ البداية، وثانيهما أن ممارسة الجنس مع امرأة دون رضاها ناهيك عن كونها متزوجة يعد جريمة مركبة تستحق الازدراء.. ولعل الذكورية المتفشية في النصوص الدينية هي التبرير الوحيد لعدم وجود أيةِ آية تحرم الإغتصاب نصاً لا تلميحاً، كما تبرر آيات على شاكلة:( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة).. الآية التي جاءت في سورة النساء وقال مجاهد أنها نزلت في نكاح المتعة الذي حرمه رجال الدين منذ أيام الخليفة عمر بن الخطاب، بعد أن كان جائزا في أول الإسلام، وذكره مسلم بقوله: إنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن أُضطُرّ إليها، كالميتة والدم ولحم الخنزير ثم أحكم الله الدين ونهى عنه)… وما ذكرته آنفا يعدّ مأزقاً مركباً بدوره، فهو تأكيد إلى النظرة الدونية للمرأة التي تعد جسداً يقضي الرجل شهوته معها ليدفع لها الدراهم ويتركها، وهو أمر لا يختلف كثيراً عن الدعارة، ومن ناحية أخرى فإن ما قاله مسلم يشير إلى أن النصوص الدينية اعتمدت المواربة واتخذت تكتيكات تختلف جذرياً عن القصد النهائي (الاستراتيجي) الذي أراده النص، فهل يعاني واضع النص من ارتباك المقاصد كي يحددها بشكل تدريجي؟.. أي إنه يبيح نكاح المرأة لفترة محددة مقابل أجور، كما يبيح الميتة والدم ولحم الخنزير، وبعد ذلك ينسخ هذه الإباحة ليقرر تحريمها، فما أعرفه وأراه بديهياً أن الحرام حرام بالمطلق، ولن يكون اليوم حلالا وغدا حراما، فالله يعرف ما كان وما هو كائن وما سيكون، ولا حاجة له للمناورات، فالأصابع التي أشارت إلى معطيات النص بشرية إذن، محدودة الأفق، غير قادرة على استشراف ما سيكون لذا افترضت أموراً ربما ظنت صحتها لكنها أدركت فيما بعد أنها ليست كذلك فنسختها لتنسب ذلك لله القدير.. وهذا ما أتمنى أن ينبري له مفكرون ومفسرون ومشتغلون موضوعيون بالنص الديني لتفكيكه وإخراجه من دائرة التناقض.. تقول الآية التي جاءت في سورة النساء: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا…).. ولا غبار على هذه الآية من الناحية الشرعية، فهي تقترح وسيلة بديلة للطهارة في حال عدم توفر الماء، لكن قراءة أخرى للنص ترينا أن الغائط = ملامسة النساء، وكلاهما نجس يستوجب الطهارة، ويبدو أن المفسرين أرادونا أن نرى أن هذا هو قدر المرأة في الواقع، أي أنها والغائط بالمقدار نفسه، لكن محاولة واحدة لقلب المفاهيم تجعلنا نشعر بالحيرة، فإن كان الرجل مطالَباً بالصلاة وعليه أن يتطهر من نجاسته مع المرأة، أليست المرأة مطالبة بالصلاة والتطهر من نجاستها مع الرجل؟، فلماذا تجنب النص ذكرها إذن واقتصر ذلك على الرجل؟، لماذا منح النص الفرصة للفقهاء ورجال الدين الذكوريين ليرسخوا دونية المرأة اعتماداً على ما افترضوه كلام الله؟… في سورة النساء نقرأ الآية: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن).. ويقترح النص هنا وسائل لعقاب المرأة في حال الخوف من النشوز، أو توقع احتمال الخطأ بظهور بوادر له.. وهذا يعني أنه خطأ لم يحدث في الواقع، وهذا التوقع هو افتراض قابل للجدل من الممكن حلّه بالتفاهم أو الهجر في المضاجع، أما إباحة الضرب، فهذا يعني تفاقم المشكلة لا حلها، لأنه يترك آثاراً غائرة في نفس المرأة التي تتعرض للضرب، وإن كان مستساغاً أو مقبولا في القرون الماضية فإنه ليس كذلك في راهننا ومستقبلنا.. لقد أكد رجال الدين قبول هذا السلوك حتى غدا جزءً من الثقافة المجتمعية التي حددت نظرتنا الدونية للمرأة، ما يدفعني إلى التأكيد على ضرورة تقديم قراءات معاصرة منطقية ومقبولة للنصوص الدينية والتراثية.. تجعلنا نفهم دونما استفزاز آية كالتي جاءت في سورة الأحزاب:(فلما قضى زيدا منها وطراً زوجناكها).. والاستفزاز هنا ناتج عن التعامل السلعي مع جسد زينب بنت جحش، فقد كانت زوجة لزيد الذي رأى أنه قضى منها وطراً، أي ضاجعها، وهذا تقزيم سافر لمفهوم الزواج والأسرة وإحالته إلى مجرد نكاح بهيمي، ما إن ينتهي منه الرجل حتى يغدو باستطاعته التخلي عن هذا الجسد لرجل آخر يقضي هو الآخر بدوره وطره، فهل هذا الوطر هو ما يريد الإسلام ترسيخه في أذهاننا كمفهوم مؤكد لمؤسسة الزواج؟… وما هو قرار زينب في أمر منحها من قبل زيد للنبي محمد؟، ما نخلص إليه في هذه العجالة هو تأكيد ضرورة مراجعة النصوص الدينية والتراث الإسلامي وتمحيصه لتخليصه من محنة التناقض والتباين والاختلاف مع واقع اليوم الذي صارت الكثير من مفرداته تتقاطع مع النص والتراث الإسلاميين مسببة حرجاً واضحاً لفكرة أن النص الديني صالح لكل زمان ومكان، ولنتذكر فقط، أن ملايين المسلمين يتعرضون للعلاج بالأنسولين، وهم مشبعون بفكرة تكاد تكون مطلقة وهي أن الخنزير محرمٌ على كل مسلم ومسلمة، لكن هؤلاء المرضى يتعالجون بالأنسولين المستخرج من بنكرياس الخنزير، فهل على المسلمين الامتناع عن هذا العلاج لأنه حرام شرعاً، والرضى بالموت بديلاً، أو تناول العلاج محققين حالة خروج سافرة عن المحرمات الإسلامية؟..

لا تعليقات

اترك رد