افاق الغـــزل في العصر الأموي


 

لا نصل إلى عصر بني أمية حتى تصبح المدينة المنورة ، ومكة المكرمة مركزين هامين من مراكز الشعر ، وحتى تتحضرا تحضراً واسعاً ، وتغرقا إلى آذانهما في الرقة والترف والعز والنعيم ، بتأثير ما صب فيهما من أموال الفتوح والرقيق الأجنبي ، وأخذ هذا الرقيق يسد حاجة الشباب المتعطل من اللهو بما كان يقدم له من غناء وموسيقا . وقد شاعت في هذا الجو المعطرة أنفاسه بالموسيقا موجة واسعة من المرح ، ورقيت الأذواق ودقت الأحاسيس وعاش الشعراء للحب والغزل ، وأصبح الغزل هو الموضوع الذي كان يطلبه المغنون والمغنيات ويستهوي الناس من رجال ونساء وبذلك كادت تختفي من المدينتين المقدستين الموضوعات الأخرى للشعر ، فقلما نجد فيهما مديحاً أو هجاءً ، إنما نجد الغزل يشيع على كل لسان . وأخذ يتطور بتأثير الغناء الذي عاصره تطورا واسعاً ، إذ أصبحت كثرته مقطوعات قصيرة ، وعدل الشعراء إلى الأوزان الخفيفة من مثل الرمل والسريع والخفيف والمتقارب والهزج والوافر . وليس ذلك فقط ما أثَّر به الغناء الأموي في الغزل الذي عاصره ، فقد دفع الشعراء إلى اصطناع الألفاظ العذبة السهلة ، حتى يرضوا أذواق المستمعين في هذا المجتمع المتحضر الذي يخاطبونه . وكانت هذه أول دفعة قوية نحو العربي ، وهو احتجاج بالكلمة والسلاح ، غير أنها تتخذ طابعا جماهيرياً واسعاً ومنظماً ليكتب لها النصر ، وهي مع ما حملته من أمل في تحرير الإنسان من الظلم لم تخل من مواقف سلبية تجلت في كره شعرائها للمجتمع وانعزالهم عنه ، وحقدهم على الناس . والتماسهم حلولاً غير مجدية في حل مشكلتهم الاجتماعية تصفية الشعر العربي من ألفاظه البدوية الجافية . ولم يختلف هذا الغزل الجديد عن الغزل الجاهلي القديم في صورته الموسيقية والأسلوبية فحسب ، فقد أخذ يختلف أيضا في صورته المعنوية ، إذ لم يعد تشبيباً بالديار وبكاء على الإطلال ، كما كان الجاهليون يصنعون في جمهور غزلهم ، بل أصبح غالباً تصويراً لأحاسيس الحب التي سكبها المجتمع الجديد في نفوس الشعراء ، وهو مجتمع ظفرت فيه المرأة العربية بغير قليل من الحرية المرشدة بالدين الإسلامي ، فكانت تلقي الرجال وتحادثهم بتحشم ، وكانت ، شان المرأة في كل عصر ، تعجب بمن يصف جمالها وتعلق القلوب بها . وكان الناس رجالاً ونساءً في مكة المكرمة ، والمدينة المنورة يقبلون على شعر الغزل ، وأخذ الشعراء يُخضعون ملكاتهم وعواطفهم له .. ومنهم من لا يتحفظ ، بل يصرح بحبه وزياراته لمحبوباته ، وهم الجمهور الأكثر ، وعلى رأسهم عمر بن أبي ربيعة ، والأحوص والعرجي ، فهم جميعا يطلبون المرأة ويلحون في الطلب ، وهم جميعا يلقون من حولها شباك الإغراء ، وبلغ من تيه عمر في ذلك أن رأيناه يصورها متهالكة عليه تتضرع إليه وتستعطفه ، وإن كان الكثير من كلام الشعراء ضرب من الخيال والوهم والتشدق ، وهذا دأب بعض الشعراء ….يهرفون بما يعرفون وما لا يعرفون .
أولا- أسباب ازدهار الغزل في العصر الأموي:
ازدهر الغزل في العصر الأموي لأسباب كثيرة ، ومتعددة منها :
أ – الأثر الإسلامي :
وهو الأثر الأهم في تغيير نظرة الرجال للمرأة من حيث كونها سلعة ومتعة تباع وتشرى في الحياة الجاهلية إلى سيدة محترمة لها رأيها في الزوج ، ولها احترامها في الحياة، وهذا الذي أحدث تغييراً كبيراً في حياة الإنسانية بشكل عام والعرب بشكل خاص ، وذلك من خلال النصوص القرآنية التي تدعو إلى رفعة حياة المرأة، ودعوة الرجل أن يترفق بها : { وعاشروهن بالمعروف } [ ] . { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة } [ ] . فقد أحكم الإسلام الرابطة بين الجل والمرأة عن طريق المودة والتعاطف، وكان أثره في الحياة الروحية ، والعاطفية من خلال عاطفة الحب الفطرية التي سما بها ، وأسبغ عليها ثوبا من العفة ، مما دفع الكثير من الشعراء في نجد والحجاز وفي معظم بلاد المسلمين إلى إخصاب معاني الغزل ودفع بعضهم على ترويض نفسه لاحتمال الصبر على كرب الحب حتى اعتبر بعضهم أن حبه قدر من الله تعالى ليس لهم أن يقفوا في وجهه . ومن ذلك قول أحد الشعراء ، وإن كان موضوع القدر مختلف عن ذلك إنما هو رأي الشعراء :
فقلت له فيما قضى الله ما ترى عليّ وهل فيما قضى الله من ردّ
ب – الغناء الذي انتشر في الحواضر الإسلامية :
انتشر الغناء بسبب تدفق الموالي ، والأرقاء من الفتوح على الحواضر في مكة المكرمة ، والمدينة المنورة ، وانتشر الكثير من المغنين الذين لا حاجة لذكر أسمائهم وهذا ما يفسر نزوع شعراء الغزل في هذه الحواضر إلى الغزل الماجن على نقيض شعراء البادية الذين اتجهوا للغزل العفيف .
ج – الفراغ :
الذي نشأ بعد قيام الدولة الإسلامية بالقضاء على المنازعات القبلية وعصبياتها والفخر القبلي والهجاء القبلي ومنع شعراء نجد والحجاز من المشاركة بالأحداث السياسية
د – الثراء :
الذي تدفق عن طريق الفتوح الإسلامية ، وما أفاءته على المسلمين من غنائم ، وما أغدقه بنو أمية من مال على أشراف مكة المكرمة والمدينة المنورة والقبائل النجدية والحجازية إبعاداً لهم عن الحكم والسياسة ، وكذلك المال الذي جاء عن طريق التجارة بين الشام واليمن، وهذا ما جعل الناس ينغمسون في اللهو .
هـ – تطور المجتمع الحجازي:
بسبب اختلاط الأعاجم بالعرب وظهور نزعتين اجتماعيتين هما :
1 – نزعة زاهدة : تدعو إلى الاكتفاء من الدنيا بالقليل
2 – نزعة لاهية : تدعو إلى الانغماس بالشهوات ، والإكثار منها
حتى إن بعض الزهاد قالوا الغزل نازعين فيه إلى العفة . ومحاكاة الشعراء بعضهم في قول الغزل مع خلوهم من تجارب عشق حقيقية حتى قيل : إن الشاعر الأموي -كثير عزة -كان مدعيا ولم يكن عاشقا ، وإنما هو مدعياً للعشق ؛ وكما في تقليد شعراء كثر لمجنون ليلى في ادعاء الجنون في الحب .
ثانيا – أنواع الغزل في العصر الأموي :
شاع في العصر الأموي ثلاثة أنواع من الغزل :
1-( العفيف العذري ) ـ
2-(الصريح العمري ) ـ
3-(التقليدي النسيب ).
1ً- الغزل العفيف ((العذري)) :
آ -تعريف الغزل العذري:
ينسب الغزل العذري إلى قبيلة (عذرة ) القضاعية اليمنية التي كانت تنزل ( وادي القرى ) شمال الحجاز ، والتي كان أبناؤها مشهورين بهذا النوع من الغزل قبل الإسلام ، وقد ذكر ابن قتيبة في كتابه “الشعر والشعراء ” . أن الجمال والعشق في -عذرة -كثير وهو امتزاج للظاهرة البدوية مع العفة الإسلامية بحيث جعلت هذه الظاهرة منزهة عن الدوافع الجسدية ، وهو يختلف عن الحب –الأفلاطوني- الذي يقوم على النظرة الفلسفية كما يختلف عن الحب –الصوفي- الذي يتجه فيه المحب إلى الذات الإلهية وقد رأى الباحثون أن هذا الحب تجسيد لعقدة (المازوخية) القائمة على -التلذذ بالألم والعذاب- وإن كان البعض يرى أن في هذا الحب سمواً من خلال سماته التي تتمثل بالعفة وتوقد العاطفة والديمومة والوحدانية والمعاناة والشكوى والخضوع المطلق لسلطان المحبوب وتعني ملازمته والحرص على رضاه والقناعة به والإعراض عن أقوال العذال فيه وإكبار المرأة من خلال وصف محاسنها المعنوية والقيمية لا الجسدية ، فهو غزل نقي طاهر ممعن في النقاء والطهارة ، ويروى : ( أن سائلاً سأل رجلا من هذه القبيلة : ممن أنت؟ قال : من قوم إذا عشقوا ماتوا ) ، ويروى أيضا : ( أن سائلا سأل عروة بن حزام العذري صاحب عفراء : أصحيح ما يروى عنكم من أنكم أرقُّ الناس قلوباً ؟ فأجابه : نعم ، والله لقد تركت ثلاثين شاباً قد خامرهم الموت ومالهم داء إلا الحب) .
ولم تقف موجة الغزل العذري لهذا العصر عند عذرة وحدها ، فقد شاع في بوادي نجد والحجاز ، وخاصة بين بني عامر ، حتى أصبح ظاهرة عامة تحتاج إلى تفسير ، ولا شك في أن تفسيرها يرجع إلى الإسلام الذي طهر النفوس وبراها من كل إثم ، بعد أن كانت نفوساً ساذجة ًلم تعرف الحياة المتحضرة في مكة المكرمة ، والمدينة المنورة ؛ ولا ما يطوى فيها من لهو وعبث ، وهي من أجل ذلك لم تعرف الحب الحضري المترف ولا الحب الذي تدفع إليه الغرائز ، فقد كانت تعصمها بداوتها وتدينها بالإسلام الحنيف ومثاليته السامية من مثل هذين اللونين من الحب، وإنما تعرف الحب العفيف السامي الذي يصبي المحب بناره ، ويستقر بين أحشائه ، حتى ليصبح كأنه محنة أو داء لا يستطيع التخلص منه ولا الانصراف عنه . وفي كتاب الأغاني من هذا الغزل مادة وفيرة نقرأ فيها لوعة هؤلاء المحبين وظمأهم إلى رؤية معشوقاتهم ظمأ لا يقف عند حد ، ظمأ نحسُّ فيه ضرباً من التصوف ، فالشاعر لا يني يتغنى بمعشوقته ، متذللا متضرعا متوسلاً ، فهي ملاكه السماوي ، وكأنها فعلاً وراء السحب ، وهو لا يزال يناجيها مناجاة شجية ، يصور فيها وجده الذي ليس بعده وجد وعذابه الذي لا يشبهه عذاب ، وتمضي الأعوام لا ينساها ، بل يذكرها في يقظته ويحلم بها في نومه ، وقد يصبح كهلاً ، أو يصير إلى الشيخوخة ، و لكن حبها يظل شاباً في قلبه ، لا يؤثر فيه الزمن ولا يرقى إليه السلوان ، حتى ليظل يغشى عليه ، بل حتى ليجن أحيانا جنوناً , وإذا كان الشاعر الجاهلي يعيش متمثلا الفروسية والمرأة ، فإن الشاعر في العصر الأموي قد عايش مبدأً جديداً رفع من شأن المرأة وبوأها مكانة مرموقة لأسباب كثيرة ذلك أن الشعر الغزلي قد تطور في هذا العصر لأسباب عدّة :
يقول جميل بثينة :
لا والذي تسجد الجباه له مالي بما دون ثوبها خبـــر
ولا بفيها ولا هممت به ما كان إلا الحديث والنظر
ويقول كثير عزة :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثّلُ لي ليلى بكل سبيل
ويقول جميل بثينة :
لقد فضلت حسناً على الناس مثلما على ألف شهر فضلت ليلة القدر
ويقول ابن حزام :
وإني لأهوى الحشر إذا قيل إنني وعفراء يوم الحشر ملتقيان
فيا ليت محيانا جميعا وليتنـــا إذا نحن متنا ضمّنا كفنان
ويقول جميل بثينة :
وماذا دها الواشون إلا كرامة عليّ وما زالت مودتها عندي
ب – سمات الغزل العذري :
إذ كان الغزل العذري صدى للخيبة والإخفاق في الوصول إلى المحب ، وصدى للمعاناة الصادقة في هذا الحب ، فإن هذا اللون من الشعر قد تلون بالحزن واليأس الذي صفاه الشعور الديني ومازجه ضرب من الإذعان لقضاء الله تعالى

ولقد أدرك الإسلام العالم العذري ونظم علاقة الرجل بالمرأة بما هي ثمرة من ثمار العفة، وقد يكون الحرمان من الدوافع الجوهرية لقيام العذرية التي تتشكل تعاليمها من الحديث عن الحبيبة والذي لا ينفصل عن الفهم العميق للطرف الآخر عاطفة وطباعا نظرا لتما هي العذري وحبيبته في روح واحدة .

فبما أن الشاعر هو قيثارة نفسه وصدى لقبيلته نجد أن الشاعر العربي عندما عبَّر عن مكنونات وخوالج القبيلة كان ضميرا لها يعكس أزماتها ورغباتها ، ولما كان قيثارة نفسه نجد في شعره تعففا ” وهذا الغزل العفيف الذي هو في حقيقة الأمر مرآة صادقة لطموح هذه البادية إلى المثل الأعلى في الحب من جهة ولبراءتها من ألوان الفساد التي كانت تغمر أهل مكة والمدينة من جهة أخرى
فالحب العذري يحتاج إلى شروط نشأة وتطور منها:مساهمة القبيلة في إقصاء الجسد الأنثوي والحيلولة دون منحه صيغته الطبيعية للتفاعل والتحقُّق، فهذا المنع والتعطيل لفاعلية علاقة العشق وتحققها عبر المسلك الطبيعي، الزواج، هو الذي يجعل اللغة تأخذ دور الفاعلية التعويضية وتستعير لتقوم بتفجير المعجم وتوليد الخيال.
وقد اتسم هذا اللون من الشعر بــــــــــ :
1 – العفة :
التي تمنع الشاعر العذري أن يتحدث عن فتاة شائنة ، أو عن أمور تخدش الحياء أو تلوث الطهر الأنوثي . حسب الشاعر أن يكون قريباً ممن يحب يحدثه وينظر إليه فقط
يقول جميل بن معمر:
لا والذي تسجد الجباه له ما لي بدون ثوبها خبر
ولا بفها ولا هممت به ما كان إلا الحديث والنظر
2 – توقد العاطفة :
وذلك بسبب الهوى المشبوب المتوقد دون فتور على مر الأيام ، يقول جميل بن معمر :
وهل هكذا يلقى المحبون مثلما لقيت بها أم لم يجد أحد مثلي؟
3 – الديمومة :
لكون هذا الحب شعلة دائمة التوقد ، فهو لا يسلو حبيبته ولا يعرض عنها . يقول كثير عزة :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل
4 – الوحدانية في الحب :
لأن الشاعر العذري يقف فؤاده على امرأة واحدة لا يحب سواها يقول الشاعر قيس بن ذريح :
فتنكر عيني بعدها كل منظر ويكره سمعي بعدها كل منطق
5 – المعانة والشكوى المتصلة :
إذ لا يتذوق الشاعر العذري طعم الراحة لما يعانيه من عذاب حبه اليائس ، فإذا هجره المحبوب ضاقت به الدنيا ، وتحولت حياته إلى جحيم مستعر ، يقول المجنون في ذلك :
فوا كبدا من حب من لا يحبني ومن زفرات ما لهن فناء
6- الخضوع المطلق لسلطان المحبوب :
بحيث يذعن الشاعر الغذري لهوى محبوبته دون تذمر ، فهي كالسحر لا يستطيع منه فكاكا ، يقول مجنون ليلى :
هي السحر إلا أن للسحر رقية وإني لا ألفي لها الدهر راقيا
7- تمني ملازمة المحبوب: طيلة الدهر ، وحتى بعد الممات ، يقول ابن حزام :
وإني لأهوى الحشر إذ قيل إنني وعفراء يوم الحشر ملتقيان
فيا ليت محيانا جميعاً وليتنا إذا نحن متنا ضمَّنا كفنان
8- القناعة في الحب :
فهو لا يرجو من محبوبته سوى النظر، والحديث والأماني والنظرة العابرة , يقول جميل بن معمر:
وإني لأرضى من بثينة بالــذي لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بلا و بألا أستطيع وبالمنــــى وبالأمل المرجوّ خاب آملــه
وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي أواخره ما نلتقي وأوائلـــه
9- الحرص على رضى المحبوب :
فهو لا يرجو سوى رضى محبوبته بحيث يقدم في سبيل ذلك أي أمر يطلب منه ، يقول جميل بنمعمر:
ولو أرسلت يوما بثينة تبتغي يميني ولو عزت عليّ يميني
لأعطيتها ما جاء يبغي رسولها وقلت لها بعد اليمين سليني
10- الإعراض عن قول العذال :
فهو يسخر من عاذليه ومن أقوال الوشاة ولوم اللائمين ونصائحهم التي لا تزيده إلا تعلقا بمن يحب :
وما زادها الواشون إلا كرامة عليّ وما زالت مودتها عندي
11- وصف محاسن المحب :
بما يلائم الهوى العفيف من القدود والعيون
مفلجة الأنياب لو أن ريقها يداوى به الموتى لقاموا من القبر
12 – إكبار المرأة :
لأن الشاعر العذري لا يرى في المرأة وسيلة لتحقيق المتع الحسية، فهي شطر من روحه لا يعيش دونها.
13 – التأثر بالمعاني الإسلامية والقرآنية :
في إثراء الجانب الفكري كجعل جميل بن بثينة فضل بثينة على النساء كفضل ليلة القدر على سائر الليالي
لقد فضلت حسناً على الناس مثلما على ألف شهر فضلت ليلة القدر
ج – الخصائص الفنية للشعر العذري :
1 – تشابه أساليب الشعراء.
2- تشابه معاني الشعراء.
3- عدم اتضاح شخصية فنية متميزة للشاعر.
4- بروز الشعر العذري كتيار سائد في الحجاز.
5- محاكاة كل شاعر لمن سبقوه في هذا الفن .
6- الإغارة على معاني الغير من الشعراء السابقين ، والمعاصرين.
7- الإغارة على أساليب الغير من الشعراء السابقين ، والمعاصرين .
8- جريان شعرهم على الطبع دون التصنع .
9- إيثار السهولة ، والبساطة في التعبير.
10- لا تأنق ولا تنقيح لهذا النوع من الشعر.
11 -تصوير المواجد بأقرب لفظ ، وأيسر عبارة.
12- مجانبة الألفاظ الغريبة المستكرهة.
13- مراعاة الرقة ، والعذوبة.
14- توفير القيم الموسيقية للشعر.
15-الحرص على الصراحة .
16- صدق التصوير.
17- بروز الطابع البدوي في الشعر .
18- سذاجة المعاني ، وعفويتها .
19- التجديد في المعاني الغزلية .
20- الوحدة العضوية للنص الغزلي .
21- جاء بناء القصيدة أشد تماسكاً، وتلاحماً .
22- بروز صدى القرآن الكريم في معاني الشعر العذري .
23- التشابه في معاني القصائد.
24-تهذيب الألفاظ الشعرية .
25- إثراء الصور الشعرية .
26- اشابه طرق الأداء الشعري .
2ً- الغزل الصريح ((العمري ))
نظراً لاعتماد الأمويين سياسة صرف الناس عن الخلافة ، فقد أغدقوا على أبناء الحجاز الأموال ، وأعادوا خارطة العصبية القبلية إلى واقع الجزيرة ؛ فاتجه قسم كبير من أبناء الحجاز إلى اللهو والترف والتألق في المأكل والملبس والمسكن ؛ فانتشر الغناء وكثرت المغنيات وغلب علـى قسم كبير مـن شعراء مكة المكرمة ، والمدينة المنورة الغزل الصـريـح الذي يتحسس جمال المرأة جسدياً ، ولكنه على رأي الأدباء بقي أسير دوافع جمالية لا دوافع جنسية، إذ أن كثيراً من هؤلاء الشعراء يجدون متعة في مجالسة النساء والتحدث إليهن وإن كان ذلك من الحرمات في التشريع الإسلامي ، ولا يتعدون ذلك وإن كان ذلك محرماً شرعاً ، وقد اتسم هذا الغزل الصريح بسماتٍ متمثلة بالصراحة في وصف علاقة الشاعر بفتاته ، وتصوير محاسنها ، ووصف معاناته بعاطفة سطحية سريعة الانطفاء ، ذلك أن هؤلاء الشعراء تعلقوا بأكثر من امرأة واحدة ، إضافة إلى نزعة الاستعلاء التي تستحوذ على نفوسهم ، من ذلك قول عمر بن أبي ربيعة في محاسن محبوبته
غادة تفتر عن أشنبها حين تجلوه أقاح ٍوأوبر
ولها عينان في طرفيهما حورٌ منها وفي الجيد غيد
وأيضاً قوله :
ثم قالت للتي معها لا تديمي نحــوه النظـرا
خالسيه يا أخت في خفر فـوعيت القـــول إذ وقــرا
إنه يا أخت يصرمنا إن قضى من حاجة وطرا
وقد برز من شعراء هذا الاتجاه : ( عمر بن أبي ربيعة ، عبد الله بن عمر العرجي ، الحارث بن خالد المخزومي ، أبو دهبل الجمحي ، عبد الله بن محمد الأنصاري)
أ-ماهية الغزل الصريح -العمري:
الغزل الصريح الذي كان يصدر عن شعراء الحواضر كعمر بن أبي ربيعة والأحوص والعرجي لا يمثل عاطفة الحب بدلالتها الدقيقة فالحب إنما هو رباط عاطفي بين شخصين يرغب كل منهما في ملازمة صاحبه ولا يبغي عنه بديلا أما التعلق بعديد من النساء في أن واحد فلا يصح أن يسمى حبا وكذلك تلك العاطفة الآنية السريعة الذبول والانطفاء ليست من الحب في شيء فالحب يبنى على التعلق بامرأة واحدة وعلى استمرار هذه العاطفة وصدقها نعم نحن لا نذهب إلى أن هذه العاطفة ينبغي أن تكون سرمدية لكي تستحق أن تسمى حبا ولكن الاستمرار سمة أساسية من سمات الحب الصادق والتقلب العاطفي ليس من آيات هذا الحب
فغزل عمر وإضرابه لم يكن إذن صدى بالمعنى الذي حددناه وإنما كان صدى الغريزة الجنسية والشهوة والميل الفطري إلى الجنس الآخر وكان هؤلاء الشعراء ينشدون لدى المرأة المتعة العابرة واللهو ومن هنا كانت عواطفهم سرعان ما يدب إليها الملال والفتور بدافع الارتواء والإشباع فتنطفئ جذوتها فلا يلبثون أن يتحولوا إلى امرأة أخرى خليقة بأن تعيد الحرارة إلى عواطفهم .
على أنه من الإنصاف أن نسجل هنا ملاحظتين :
الأولى – أن هؤلاء الشعراء لم تكن دوافعهم جنسية محضة وإنما كان إلى جانبها دوافع جمالية تعلل سعيهم وراء النساء فالشاعر كان إذا وقعت عينه على نموذج للجمال الرائع فتن به كما يفتن كل ذي حس جمالي بتمثال أبدع النحات في تصويره أو بلوحة من روائع الفن ويؤكد هذا التعليق .
والثانية- أن ما ينشده هؤلاء الغزليون من النساء لم يكن دائما ً المتعة الجنسية , وإنما كانوا يجدون كذلك متعة كبيرة من مجالسة النساء والتحدث إليهن , ويقنعون في غالب الأحيان بمتعة الحديث لا يتوخون شيئا ً سواها فإن كل ما يتصل بالمرأة كان يبعث فيهم اللذة والنشوة , وهم في هذا الجانب يقتربون من شعراء الغزل العذري الذين كانوا يجدون في مناجاة من أحبوا لذة أي لذة , ويصور هذه اللذة التي كان يجدها في مناجاة شعراء الغزل الصريح في محادثة النساء ما رواه أبو الفرج في الأغاني عن عمر فقد روى عنه قوله : لقيتني فتاتان مرة فقالت لي أحداهما : ادن مني يا بن أبي ربيعة أسر إليك شيئا ً فدنوت منها ودنت الأخرى فجعلت تعضني , فما شعرت بعضِّ هذه من لذّة تلك . وقد بينا آنفا أننا لا ينبغي أن نضع حدودا صارمة بين غزل العذريين وغزل عمر وإضرابه , فما كان غزل الحضريين غزلا ً إباحيا فاحشا ً , على نحو ما نجد في الشعر العباسي , وما كانت البيئة الحجازية ولا العصر الذي وجدوا فيه ليسمح بظهور ذلك اللون من الغزل الإباحي . وقد يتصور بعضهم أن هؤلاء الشعراء كانوا يطلقون العنان لشهواتهم لا يحد من جماحها رادع من دين أو خلق أو رقابة اجتماعية , وهذا التصوير يباين الحقيقة ونحن نجد في أخبارهم ما ينبئ بأخذهم بأسباب الحيطة والتوقي لئلا يتهموا بتحدي مجتمعهم , كما كانت المبادئ الدينية والخلقية تفرض عليهم أحيانا كبح جماح شهواتهم على أنهم كانوا يحظون بقسط من الحرية في صلاتهم العاطفية أوفى من القسط الذي كان يحظى به شعراء البادية , ولكن هذه الحرية لها حدود تقف عندها , وهي تخضع لرقابة المجتمع الإسلامي في عصر قريب من عصر النبوة وفي بيئة كانت إلى حين قريب مهد الرسالة المحمدية . ونحن نجد الأحوص على ما عرف به من فساد الخلق – يصرح بأنه لا يتحرش ولا يعرض في غزله لجاراته ولا لنساء خلاته , رعاية لواجب الصداقة ولما أمره الله به :
ثنتان لا أدنو لوصلهما عرس الخليل وجارة الجنب
أما الخليل فلست فاجعه والجار أوصاني به ربي
وأوجه الاختلاف الأصيلة بين هذين الضربين من الغزل إنما تتجلى في السمات التي نجدها في كل منهما .
ب-سمات الغزل الصريح :
1- الصراحة في وصف علاقة الشاعر بفتاته
لم يكن الشاعر الحضري يتحرج من وصف صلاته بالمرأة التي يهواها , ومن التصريح بما يعف الشاعر العذري عن ذكره , فقد كانت بيئته تتيح له من حرية القول ما لم تتيح مثله بيئة البادية للشاعر البدوي , على نحو ما نجد في قول عمر بن أبي ربيعة:
وناهدة الثديين قلت لها : اتكي على الرمل من جبانة لم توسد
فقالت : على اسم الله أمرك طاعة وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
فما زلت في ليل طويل ملثما لذيذ رضاب المسك كالمتشهد
فلما دنا الإصباح قالت : فضحتني فقم غير مطرود وإن شئت فازدد
ومع ذلك فإننا لا نجد في هذا الغزل تهتكا وصورا ً فاحشة كالتي نجدها في شعر المجان في العصر العباسي , وكثير من هذا الغزل ينحو نحو غزل جميل وأصحابه في جنوحه إلى العفة سواء في اللفظ أم في تصوير العواطف . فالصراحة التي تتحدث عنها صراحة نسبية بالقياس إلى تعفف أهل البادية . وقد نحا عمر بن ربيعة وأصحابه في تصوير صلاتهم بالنساء منحى قصصيا ً في كثير من قصائدهم , وهذا القصص يذكرنا بامرئ القيس في حديثه عن مغامراته وفي وصف تعرضه للنساء واتصاله بهن .
2- وصف محاسن المحبوب :
كان الشاعر العذري ربما وصف محاسن فتاته ليقيم الدليل على أنه محق في تعشقه لها , ولكن وصف المحاسن كان في شعر الحضريين غرضا ً أساسيا ً لا تخلو منه قصيدة من قصائدهم , وذلك لأن تعلقهم إنما كان بهذه المفاتن , فقد كانت مظاهر الجمال الخارجية تجتذب انتباههم قبل جوانبه الداخلية , ومن هنا نجدهم وقفوا على وصفها الجانب الأكبر من شعرهم وهم يصورون المرأة في الصورة التي تجد ذوق أبناء ذلك العصر , والتي يجدون فيها المثل الأعلى لجمال الأنثى , كما نجدهم يعنون بوصف نواح من جسد المرأة ربما يعف عن وصفها الشعراء العذريون , على نحو ما نجد في قول عمر :
غادة تفتر عن أشنبها حين تجلوه أقاح أو برد
ولها عينان في طرفيهما حور منها وفي الجيد غيد
طفلة باردة القيظ إذا معمعان الصيف أضحى ينتقد
سخنة المشتى لحاف للفتى تحت ليل حين يغشاه الصرد
3- وصف معاناة الشاعر :
يلتقي الغزل العمري بالغزل العذري في هذه السمة , فهي سمة عامة في الغزل الأموي , وهي التي تجعله يختلف عن الغزل الجاهلي الذي يدور حول الأوصاف المادية أكثر مما يدور حول وصف المواجد والأحاسيس . بيد أن الشاعر الحضري لم يكن دائما ً في تصوير مواجده , شأن الشاعر العذري . فتراه يذرف الدموع من شدة الوجد , ويصف أرقه وسهده وما لقيه من عناء في حبه , ونحو ذلك مما وجدناه لدى الشاعر العفيف . فإذا سمعنا الأحوص يقول مثلا ً :
وما زلت من ذكراك حتى كأنني أميم بأفياء الديار سليب
أبثك ما ألقى وفي النفس حاجة لها بين جلدي والعظام دبيب
فلا تتركي نفسي شَعاعا فإنها من الحزن قد كادت عليك تذوب
خيل إلينا انه محب صادق الصبابة يكاد العشق يودي به , ومثل هذا كثير في شعر عمر وأصحابه , وهو في شعرهم لون من الافتنان في التصرف بالمعاني الغزلية الشعرية , وربما نمّ أحيانا عن معاناة صادقة ولكنه في جله بادي التكلف لا يصدر عن عاطفة صادقة مشبوبة .
4- سطحية العاطفة وسرعة انطفائها :
لم يعرف من شعراء الغزل الصريح في دلالته الحقيقية الصادقة التي وجدناها عند شعراء الغزل العفيف , وإنما عرفوه تعلقا بالمفاتن الجسدية الظاهرة وإرضاء لنزوات الجنس , ومن هنا كانت عاطفتهم إزاء من تغزلوا بهن تتسم بالسطحية والضحالة , ويعوزها الصدق والعمق , وهي تبدو متكلفة فاترة في جل ما تقرأه من غزلهم , وإن وصف هؤلاء الشعراء معاناتهم في حبهم – على ما قدمنا – فإن هذا الوصف اقتضته الصناعة الشعرية أكثر مما اقتضته المعاناة الصادقة . ومثل هذه العاطفة الفاترة القريبة الغور مآلها إلى الانطفاء السريع . هي أشبه بشهاب لا يكاد يسطع نوره حتى ينطفئ ويبتلعه الظلام , أو ماء ضحل لا يكاد يتعرض لوقد الهاجرة حتى يجف , ومن هنا كان الشاعر الحضري يبدو في غزله عابثا ً أكثر من هجادا ً , وهو يحاول أن يعوض عن نضوب العاطفة بوصف محاسن فتاته ومفاتنها الجسدية , أو بإطالة الحوار بينه وبين فتاته , ومن هنا أيضا كان تقلب الشاعر الحضري بين العديد من النساء , يحاول بهذا التنقل أن يشيع الحرارة في عواطفه وأن يبعد السأم عن نفسه الطرفة الملول .
5- التعلق بأكثر من امرأة واحدة :
بسبب من سطحية العاطفة وسرعة انطفاء حب الشاعر الحضري الماجن نراه لا يتعلق بامرأة واحدة يقف عليها شعره – شأن الشاعر العذري – وإنما كان همه التنقل من امرأة إلى أخرى , لا يكاد يمل محبوبة حتى يسعى إلى أخرى , فالشاعر الحضري لم يعرف صورته المثالية التي عرفها الشاعر البدوي , ولهذا وجدنا عاطفته آنية سريعة الانطفاء فالشاعر العمري فراشة تقف على الزهرة فإذا ارتوت من رحيقها غادرتها إلى زهرة أخرى , إذا استهوته محاسن امرأة تعلق بها أول الأمر تعلقا خيل إليه أنه سيلازمه طوال حياته , فلا يكاد يلقاها ويعاشرها حينا من الدهر حتى يدب إليه الملال فيسلوها ويمضي باحثا عن سواها . فالمرأة في نظر عمر وأصحابه لا تعدو أن تكون وسيلة للاستمتاع واللهو , وليست جزءا من حياة الشاعر ووجوده لا يطيق له فراقا ً , شانها عند الشاعر العذري . والعاطفة المبنية على اللهو والاستمتاع من شانها أن تكون سريعة الانطفاء قصيرة العمر , وحسبنا أن نذكر أسماء طائفة من النساء اللاتي أحبهن عمر وتغزل بهن للتحقق من صحة ما ذكرناه , فمنهن فاطمة بنت محمد بن الأشعث , وزينب بنت موسى , والثريا بنت علي , وهند بنت الحارث وليلى بنت الحارث , وكلثم بنت سعد , فهو كما يتحدث عن نفسه مولع بالحسن يتبعه أنى رآه , وكان ينتهز مناسبة الحج ليلقى النساء وقد جئن من مختلف بقاع الدولة الإسلامية يقضين فريضتهن , فلا تكاد عينه تقع على فتاة حسناء حتى يتعلق بها ’ ويدفعه هذا الإعجاب إلى التغزل بجمالها , حتى لقد تمنى لو أن الحج فريضة يؤديها المسلم كل يومين :
ليت ذا الدهر كان حتما علينا كل يومين حجة واعتمارا
وكان عمر عارفا ً باقتداره على مفارقة المرأة التي يتعلق بها , ويصور هذا الاقتدار قوله في بعض شعره :
وكم من خلة أعرضت عنها لغير قلى وكنت بها ضنينا
أردت بعادها فصددت عنها ولو جن الفؤاد بها جنونا
والنساء كذلك كن يعرفن في عمر هذه الخصلة وسرعة تحوله عن المرأة إذا قضى وطره منها , فكن يصطنعن ألوانا من الحيل ليبقين على صحبته , على نحو ما نجد في هذه الأبيات :
ثم قالت للتي معها : لا تديمي نحوه النظرا
خالسيه أخت في خفر فوعيت القول إذ وقرا
إنه يا أخت يصرمنا إن قضى من حاجة أو وطرا ً
6- النزعة الاستعلائية :
في حين وجدنا الشاعر العذري ينقاد إلى سلطان محبوبه وتتوارى شخصيته وراء شخصية من يحب , ولا يجد غضاضة في إظهار التذلل له , نجد أن زعيم الشعراء الحضريين عمر بن أبي ربيعة وأصحابه كانوا يقفون من محبوبتهم وقفة المستعلي في كثير من الأحيان , وكان يدفعهم إلى هذا الاستعلاء أمور عديدة منها ما كان لهم من نسب عريق ومكانة اجتماعية رفيعة , ولا غرو فإن عمر وجل شعراء الغزل الصريح كانوا من كرام أبناء قريش والأنصار , فكان أبو عمر من سراة قريش البارزين , وكان يسمى ( العدل ) , لأنه – فيما ذكروا – كان يكسو الكعبة من ماله سنة وتكسوها قريش سنة . والعرجي كان يمت بنسبه إلى عثمان بن عفان , والحارث بن خالد كان من أشراف بني مخزوم . ومن دواعي الاستعلاء كذلك وفرة النساء في المجتمع الحضري وكثرتهن من الإماء والقيان المجتلبات , فلم تكن المرأة عزيزة المنال في ذلك المجتمع شأنها في المجتمع البدوي , وعمر خاصة توافرت له إلى جانب ما ذكرنا دواع أخرى تحمله على أن يستعلي على النساء اللاتي اتصل بهن فقد توافر له الشباب والجمال والثراء , فضلا عن نشأته المدللة المرفهة في حجور النساء , تلك النشأة التي ولدت فيه عقدة النرجسية ودفعته إلى الإعجاب المفرط بنفسه وجماله , فلا غرو أن نراه يصف تعلق النساء به أكثر مما يصف تعلقه بهن , وأن يصور لنا في شعره تحرش النساء به حتى في مواسم الحج :
قالت لها أختها تعابثها : لنفسدن الطواف في عمر
قومي تصدي له ليعرفنا ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها : قد غمزته فأبى ثم اسبطرَّت تسعى على أثري
ولا غرو أن يرى نفسه قمراً في نظر النساء بحسن طلعته :
بينما ينعتنني أبصرنني دون قيد الميل يعدو بي الأغر
قالت الكبرى : أتعرفن الفتى قالت الوسطى : نعم هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتها : قد عرفناه وهل يخفى القمر
وربما وجدناه يصف وجد النساء به وما يلقين من عناء في حبه وكأنه هو المعشوق لا العاشق :
قلت : من أنت ؟ فقالت : أنا من شفه الوجد وأضناه الكمد
وليس ثمة أمر اشق على فتياته من فراقه لهن :
تقول إذ أيقنت أنّي مفارقها : يا ليتني مت قبل اليوم يا عمر
ولا حساسة برفعة منزلته كان لا يختار من النساء إلا الارستقراطيات وقل أن وجدناه يتغزل بفتاة من سواد الناس بل كان يتعمد أن يعرض لمن يأتين مكة في مواسم الحج من الشريفات السريات ليتغزل بهن . ونحا الحارث بن خالد نحو عمر في التغزل بالنساء ذوات المنزلة الرفيعة ، فكان جل غزله في عائشة بنت طلحة وليلى بنت أبي مرة ولكنه لم يكن يستعلي على محبوباته استعلاء عمر فتلك الخصيصة تبرز خاصة في شعر أبي ربيعة .
ج-الخصائص الفنية للغزل الصريح :
إن جل الخصائص الفنية التي وجدناها في الغزل العذري هي خصائص مشتركة للغزل الإسلامي بقسميه ومن ذلك رقة الألفاظ وعذوبتها والعفوية في النظم ومجانبة التكلف والغرابة اللفظية ونحو ذلك ولكن النوعين يتباينان بعد ذلك في طائفة من الخصائص تتصل ببيئته كل منهما ففي الغزل العذري يتجلى الطابع البدوي من حيث اختيار الألفاظ وبساطة المعاني وسذاجتها ومن حيث الصور المنتزعة من البيئة البدوية أما في غزل عمر وأصحابه فالطابع الحضري واضح في هذه الجوانب ولكن الفوارق تبقى مع ذلك هينة لان البيئتين لم تكونا عصرئذ متباعدتين كل التباعد من حيث مشاهدهما ونمط الحياة فيهما . ويتجلى الطابع الحضري خاصة في موضوع هذا الغزل وهو المرأة , فالمرأة في شعر جميل وأصحابه هي تلك المرأة البدوية التي تنهض مبكرة لتزاول الأعمال المنوطة بها , والبعيدة عن الترف والتأنق , وهي في شعر الحضريين امرأة منعمة مترفة تنهض من نومها مكسالا في الضحى ولا يناط بها ما يناط بالمرأة البدوية من أعمال خشنة مضنية تفسد جمالها . وإذا استقبلها فاحت منها شتى روائح العطور التي كانت تجتلب من بلاد الهند والروم , ووقعت عينك على ألوان من الحلي تزين جيدها وأذنيها ومعصميها وإليك هذه الصورة التي أبرز فيها عمر فتاته :
والزعفران على ترائبها شرق به اللبات والنحر
وزبرجد ومن الجمان به سلس النظام كأنه جمر
وبدائد المرجان في قرن والدر والياقوت والشذر
ونلاحظ في هذا الغزل ما لاحظناه في الغزل العذري من نواحي التجديد بالقياس إلى ما كان عليه الغزل في العصر الجاهلي , ومنها وحدة الغرض في القصيدة وصيرورة الغزل غرضا رئيسيا ً من أغراض الشعر , حتى أننا لنرى شعراء يختصون بالغزل لا يكادون يجاوزونه إلى أغراض أخرى . فلم يؤثر عن عمر إلا مقطوعات قليلة في غير هذا الموضوع , وحين طلب إليه أن يقول شيئا ً في المديح كان جوابه أنه لا يمدح الرجال وإنما يمدح النساء . وهذا التفرغ لفن الغزل أتاح للشعراء الغزليين تجديد هذا الفن وتطويره وابتكار الجديد من المعاني فيه , ولا سيما عمر . وهذا التجديد يبيح لنا الزعم بأن فن الغزل عرف غاية ازدهاره وتألقه في العصر الأموي . ومن المحقق أن النصيب الأوفى من هذا التجديد يحظى به عمر , فهو رائد الغزليين في جميع العصور , فقد فرغ لهذا الفن الذي عرفه الجاهليون في صورته الساذجة البسيطة ودفعه وضعته في مقدمة الفنون الشعرية المزدهرة , وعرف النقاد والشعراء لعمر هذا الفضل فقال الفرزدق حين سمع شيئا ً من نسيبه : هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطاته وبكت الديار ووقع هذا عليه . بل إن جميلا زعيم العذريين أقر به بالتقدم في فن مخاطبة النساء ووصفهن , وفي الأغاني خبر مطول مروي عن مصعب بن عبد الله الزبيري يعدد فيه ما ابتكره عمر من المعاني الغزلية , وهو من النصوص النقدية النادرة في تقويم الشعر , وقد مثل أبو الفرج لكل معنى بأبيات من شعر عمر . ومن مناحي تجديده التي ذكرها سهولة شعره وحسن الوصف ودقة المعنى , واستنطاق الربع وإنطاق القلب , واثبات الحجة , وطلاوة الاعتذار , وتبخيل المنازل ، والى هذا كله نضيف ميزة عمر الأولى وهي تطويره القصص الغزلي الذي كان بدأه امرؤ القيس في الجاهلية , حتى تحولت القصيدة عند عمر أحيانا إلى شبه مسرحية شعرية تتوافر فيها جل مقوماتها من حدث وعقدة وحل العقدة ونحوها , ويتجلى هذا خاصة في رائيته التي أولها :
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر
على أن الطابع الحواري في قصائده قد أفقد أسلوبه أحيانا شيئا ً من جزالته ومتانة تراكيبه . وحين نوازي بين شعراء الغزل العذري وشعراء الغزل الصريح في الخصائص الفنية نرى أن شعر الفئة الأولى كان أقرب إلى النفس وأنفذ إلى القلوب لما فيه من عفوية وصدق وبعد عن التكلف , في حين أن الصنعة الشعرية في شعر الفئة الثانية كانت أكثر اتقانا في المعاني الغزلية أوفى , وعلى أي حال فإن نهضة الغزل في العصر الأموي مدينة إليهما جميعا ً .
د-مقارنة بين الغزل العفيف والصريح:
الغزل العذري غزل نقي طاهــر ممعن فـي النقاوة والطهارة وهـو يعود إلى بني عذرة إحدى قبائل قضاعة ولم تقتصر موجة الغزل العذري على قبيلة عذرة وحدها بل شاع في بادي نجد والحجاز حتى أصبح ظاهرة عامة ، ويرجع تفسير انتشار هذا الغزل يعود إلى ظهور الإسلام الذي طهّر النفوس وبرأها من كل إثم ، ومن أهم السمات التي تطبع هـذا الغزل لوعة المحبين وظمأهم إلـى رؤية معشوقاتهم ظمأ لا يقف عنـد حدّ ظمأ نحس فيه ضربا مـن التصوف وهـو دائم بدوام الحياة ومرافق للحياة حتى الممات كقول الشاعر قيس بن ذريح:
تعلّق روحي روحها قبل خلقنا ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا وليس إذا متنا بمنصرم العهد
ولكنه باقٍ علـى كلّ حادث وزائرنا فـي ظلمة القبر واللحد
على عكس الغزل الصريح الذي يتسم بالآنية والتجدد وعدم الصدق في العاطفة كقول عمر بن أبي ربيعة :
ثم قالت للتي معهــا لا تديمي نحـوه النظـرا
إنه يا أخت يصر منا إن قضى من حاجة وطرا
أما الليل عند شعراء الغزل العذري فهو مصدر الهموم والآلام واللوعة والأحزان حتى أنهم يمضـون الليل كله يحلمـون بالأحبة ويتمنـون أن تتحـول الأحلام إلـى حقيقة فيقـول قيس بن ذريح:
وإني لأهوى النوم في غير حينه لعلّ لقــاء فــي المنام يكــون
تحدثنـي الأحـلام أنـي أراكم فيا ليت أحلام المنام يقين
أما عند الشعراء الصريحين فالليل ليل الفرح واللعب والعبث حتى أنهم تحنوا أن يطول أكثر لأن الحب عاش في هذه الليالي ونما في ظلامها كقول عمر بن أبي ربيعة :
سمون يقلن ألا ليتنا نرى ليلنا دائما أشهرا
أما الصفة الأساسية الفارقة بين الغزلين تتضـح مـن خلال إقبال الشعراء الصريحـين إلـى وصف المحـاسن الجسدية والتغني بها و بالتلذذ بمتعهـا فتطــرقوا إلــى وصف لباسهن وحديثهن وعطورهن وزينتهن كقول عمر بن أبي ربيعة :
وحسانا جـواريا خفـرات حافظات عند الهوى الأحسابا
سحرتني الزرقاء من مارون إنما السحر عنـد زرق العيون
وتضوع المسك الذكي وعنبر مـن جيبها قـد شابه كافـور
أما الشعراء العذريون فلم يهتموا بهذه الأمور بل اقتصروا على وصف مشاعرهم وعذابهم ولوعتهم في الحب لقول قيس بن ذريح :
لقد عذبتني يا حبّ ليلى فقع إما بموت أو حيــاة
فإن الموت أروح من حياة تدوم على التباعد والشتات
والحب عند العذريين مصدر الشقاء والحرمان والألم والحرارة كقول قيس بن ذريح :
إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى ومــن حُـرَقٍ تعتادني وزفيـر
ومن ألم للحب في باطن الحشا وليل طويل الحزن غير قصير
ولكنه لا يشكل أي ألم أو لوعة للشعراء الصريحين بل إنه مصدر المتعة والترف والترويح عن النفس وبذلك يتحلى بعدم صدق العاطفة كما أنهم لا يكتفون بمحبوبة واحدة . من ذلك كله نخلص إلى القول إن الغزل الصريح غزل يعتمد الحب الذي يؤمن باللحظة ، ولا يفكر بالديمومة يؤمن باللهو والعبث ويكره الجد والمعاناة بعكس الغزل العذري الذي يتسم بالبقاء واللوعة والألم الغزير الذي يلحق بالمحبين وهو غزل عفيف لا يتطرق إلى المسائل المادية التي تطرق لها الغزل الصريح ، وبها يسمو العذري فوق الصريح ، ويعلو عليه ويكون تأثيره في النفوس أقوى وأوجع وأقرب إلى النفوس السامعة أو القارئة .
3ً- الغزل التقليدي : ( النسيب )
وهو الشعر الذي كان به الشعراء يصدرون به قصائدهم جريا على سنن القصيدة العربية الجاهلية والذي لا يمثل شعوراً صادقا ًإزاء المرأة ، لأنه ضرب من الصناعة الشعرية.

لا تعليقات

اترك رد