عيد رأس السنة

 

في البدء اقول .. كل عام والأمة العربية بكل اطيافها بألف خير واسأل الله اني يجعل ايامكم مليئة بالسعادة والفرح .. ونحن نشهد هذه الايام احتفالات رأس السنة ووجدت انه من المناسب التطرق في مقالي المتواضع لهذا الاسبوع عن اعياد رأس السنة في العصور القديمة وكيف كان ابناء بلاد الرافدين خلال عصور قبل الميلاد تحديدا يحتفلون بعيد رأس السنة في كل مراحلهم السومرية او البابلية او الاشورية رغم وجود بعض الاختلافات لاسيما في عدد الايام التي يقام فيها هذا الاحتفال إلا ان كيفية وتكوينات الاحتفال واحدة والتي كانت لا تقصر على يوم واحد او خمسة ايام كما هو متعارف عليه في ايامنا بل كان الاحتفال يستمر لمدة احد عشر يوماً او اثنا عشر يوماً .

يعود الاحتفال بعيد رأس السنة الجديدة إلى عصور مبكرة من حضارة بلاد الرافدين ، فقد وردت إشارات في النصوص المسمارية إلى إن هذه الاحتفالات كانت معروفة في المدن العراقية القديمة في حدود منتصف الالف الثالث ق.م في مدينة اور ولكن بحلول الالف الاول قبل الميلاد ،أصبح هذا العيد اكثر تعقيدا وأطول اياما ، يطلق عليه عيد راس السنة البابلية (عيد الاكيتو) الذي اصبح شائعاً في كل من بلاد بابل وآشور في نهاية العصر البابلي القديم (2000– 1500 ق.م) واستمرت على نحو متواصل حتى القرن الثاني ق.م .

ان مراسيم هذا العيد كان تدور في الاساس حول نقطتين مهمتين الأولى: قصة الخليقة البابلية . والثاني : هي الزواج المقدس(بين الاله تموز والإلهة عشتار) اذ كان يقوم الملك او الكاهن الاعلى بتقمص شخصية الزوج الاله تموز ، بينما تقوم الكاهنة العظمى بدور الزوجة الالهة عشتار في احتفال كبير يعرف باسم (الزواج المقدس) حيث تشير هذه الفكرة الى معاني الخصب وتجدد الحياة بوجودهما سويا.

تعتبر الاحتفالات بالسنة الجديدة (الاكيتو) واحدة من اكثر الاعياد والمهرجانات الدينية الاجتماعية الشعبية قدما وعالمية والتي كان يشارك فيها الالهة والملك وجماهير المدينة ، ومن اوسع التقاطعات عبر الثقافات والعصور، حيث تؤشر الاحتفالات والملاحظات الطقسية مرور الفصول او عودة الشمس، وقد كان يحتفل بعيد اكيتو في العصر السومري طبقا للدورة النباتية لموسم الحصاد والبذار وكلاهما كان يؤشر بداية السنة . وقد جرت العادة على اقامة الاحتفال بعيد الاكيتو كل عام حسب التوقيت البابلي القمري في الاول من نيسان وابتداء من العصر البابلي القديم ولغاية اليوم الحادي عشر منه.

وأن قوة أي طقس او فعالية معينة تكمن في رموزه ومحتواه الاجتماعي وقابليته على التغيير. اذ كان عيد الاكيتو تحمل رموز ومعاني تجعله اكثر تأثيرا في الطبقات الشعبية ، اذ كانت احتفالاته تتبنى التكافل من خلال تقديم الطعام والشراب والولائم حيث كانت المعابد توزع اللحم ومواد غذائية اخرى يستمتع المواطن المتوسط الحال والفقير باللحم ووسائل الترف الاخرى كما كان الاكيتو مناسبة رائعة لزيادة فرحة الملك وهو يتباهى بثروته وانجازاته في الحرب والحملات العسكرية وبالأسرى والغنائم من مواطني الامم المخضوعة التي كانت تشترك بالموكب ، كما كان الملك بنفس الوقت يحاول ان يعرض قوته وهيبته وسيطرته من خلال هذا الاحتفال المهيب مقرونا بإثارة المشاعر الدينية وتذكير الناس بأنه ممثل الاله على الارض. ان احتفالات اكيتو كانت فرصة للمرح والفرح وإقامة العلاقات الاجتماعية .

كانت الطقوس اليومية تبدأ بوقت مبكر بينما لا يزال الظلام مخيما على الارض عندما ينهض الكاهن الاكبر (شيشكالو sesgallu) كل يوم وهو يحيي الشمس المشرقة عند الفجر ، وان الحدث اليومي لظهور الشمس ونجوم اخرى في الافق هو امر مهم جدا ، وكانت الايام الاربعة الاولى من هذا العيد مخصصة لإقامة الصلوات وقراءة التراتيل والأناشيد الدينية في معبد ايساكلا الخاص باله مردوخ ، ان اوقات النهوض لأيام عيد اكيتو تبدأ في اليوم الاول عند الساعة السادسة فجرا، وفي اليوم الثاني عند الرابعة فجرا، والثالث عند الساعة 20/3 فجرا ، واليوم الرابع عند الساعة 40 /2 فجرا، اذ يبدأ الكاهن في هذا اليوم بقراءة قصة الخليقة البابلية كاملة . وفي اليوم الخامس عند الساعة الثانية فجرا. اذ كان هذا اليوم مخصص لطقوس التطهير ورش المعبد بالماء المقدس وترديد التراتيل المعينة ثم حرق البخور ومن ثم يذبح كبشا ويمسح بدمه جدران المعبد لأجل ان يزيل ذنوب السنة بأكملها.

في هذا اليوم يصل موكب الملك الى المعبد وتبدأ عملية الاعتراف امام الاله بتأكيد عدم ارتكابه اي ذنب او اهمال اي عمل من شأنه حماية البلاد . وفي اليوم السادس يصل موكب الاله نابو(ابن الاله مردوخ) قادما من مدينة بورسبا ، كما وتصل الى بابل مواكب اخرى الالهة من الوركاء ونفر وكوثى وكيش.

اما مراسيم الايام الخمس الاخرى فلم يصلنا شيء منها الى حد الان ، لكن كل النصوص المسمارية كان تشير الى مشاركة الملك في كل مراسيم الاحتفال ولا يقوم اي احتفال إلا بحضوره أو وجود نائب عنه ، لان الملك كان يرأس مواكب الاحتفال التي تسير خلال بوابة عشتار متوجها من معبد ايساكلا الى بيت اكيتو الذي كان يقع على مقربة من قناة خارج اسوار المدينة حيث تتم هناك باقي الطقوس . وعلى ما يبدو ان الايام المتبقية كانت للجزء الثاني من الاحتفال وهو اقامة طقوس الزواج المقدس الذي اشرنا اليه سابقا بينما يبدأ آخر طقس من اليوم حوالي 40 دقيقة قبل المغيب وينتهي عندما تكون الشمس في الأفق بعدها يخيم الظلام على البلاد وتغلق بوابة المعبد .

المقال السابقالفقر تحدي العراق في العام الجديد
المقال التالىعذرا عزيزتي المرأة
خمائل شاكر ابو خضير الجنابي .. كاتبة عراقية الشهادات • بكالوريوس اداب / تاريخ / جامعة بغداد 2001-2002م • ماجستير تاريخ القديم /جامعة بغداد/كلية الاداب 2008م • دكتوراه فلسفة في التاريخ القديم/جامعة بغداد/كلية الاداب2014م. الخبرات • تدريسية في كلية الاداب / جامعة الامام جعفر الصادق(ع) مدة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد