في نقد القيم !


 

اختلفت الآراء والفلسفات والنظريات الملائمة للعلم من وقت لآخر، لكن ظهر أن العلم قد أعطى البرهان على وجود الله الخالق والذي قضى بقوانين الطبيعة التي تم اكتشافها. لقد كان الإنسان دوما المركز الأخلاقي للكون وغايات الله هي أساسا ذات علاقة بالجنس البشري، رغم معارضة بعض الفلاسفة والمفكرين لكونهم لا يعترفون بأن القوانين بحاجة إلى منزل للشرائع.
فقد كان العلم وسيلة لفهم العالم أما مع انتصار التقنية صار العلم تصورا لتغيير العالم ويعبر عن ذلك كارل ماركس في أطروحة عن فويرباخ: إن السؤال حول عائدية الحقيقة الهادفة إلى التفكير الإنساني ليس سؤالا نظريا بل هو سؤال عملي، فحقيقة الفكرة – أي واقعيتها وقوتها – يجب أن تظهر عمليا، فالجدل حول حقيقة أو عدم حقيقة فكرة منعزلة عن التجربة هو سؤال فلسفي، فالفلاسفة قاموا بتفسير العالم بأساليب مختلفة لكن المهمة الحقيقية هي تغييره.
لكن هل العلم والتقنية يساعد في تثبيت القيم أو بالعكس يساعد على القضاء عليها، فالعلم ساعد كثيرا في رفاهية الفرد لكن في نفس ساعد في تحطيمه وشقائه. فالكثير من الأمور أصبحت ممكنة بفضل العلم، لكن رغم تقدمه وكل خدماته لازال المرض والموت وهناك جنون واكتئاب … ورغم التغيرات التي شهدتها الأسرة إلا أنها لا زالت محور المجتمع إن لم نقل الكون، فالتربية والأخلاق لازالت هدفا منشودا وزيادة في سعادة الإنسان.
فحياة الإنسان لا يمكن أن تكون نعيما خالصا، والسماح للنفس بآمال مفخخة هو مراودة للخيبة. فالرجاء عقلانيا ليس بالقليل وما يمكن أن يحدث من أحسن سيحدث إذا كانت الرغبة فيه واسعة وباحترام للقيم الإنسانية. هناك شرّان أزليان يمكن للعلم إذا استخدم دون قيم أن يفاقم من سوءهما وهما الإستبداد والحرب.
لقد وهب العلم للبشرية نعما كثيرة لا تحصى وأحدث تضاؤلا كبيرا في معاناة الإنسان، أدى العلم أيضا إلى خفض مستويات الجريمة ومخالفة القانون بفضل الإنارة والتقنيات الحديثة للمراقبة والردع. كما أدى التقدم في التعليم إلى زيادة الإنتاج وتقليل بؤس الأفراد، أي هناك سعادة متفشية بين الناس أكثر من أي وقت مضى. وإذا ما استطاع الإنسان التخلص من الحرب وأسبابها، فإن السلم سيكون عاما رغم الفوارق الطبقية والاختلافات التي يحدثها الرأسمال.
وانتصار العلم في العديد من المجالات سبب كافي لعدم النظر إلى الوراء والتطرف في الفكر وكل محاولة لإعادة النظريات الفكرية إلى الوراء هي خطوة رجعية. وواحدة من أعظم المنافع التي قدمها العلم للمهووسين بالماضي أن بإمكانهم العيش بسلام حين ينظرون بتفاؤل إلى المستقبل. لأن العلم ببساطة لا يمكنه أن يقبل لا بالعبودية ولا بالاضطهاد ولا بالاستبداد.
وأحد لعنات الزمن الحديث لعنة الأفكار المتطرفة، فقد ابتليت جل المجتمعات بلعنة التطرف الديني والسياسي والطائفي …. وبدأت الحروب والتوسعات تارة باسم نشر الحضارة والديمقراطية لكن في النهاية كان التوسع من أجل سحق الآخر وبحثا عن حماية المصالح الذاتية.
فالعلم لم يعد رفيق القيم، والمحبة والأمانة الفكرية أشياء متناقضة في القاموس السياسي الحديث، فهناك وجهات نظر يمكن تبنيها لمشهد من المعاناة غير المحتملة، فإذا كنت همجيا فستستمتع بها وإن كنت جاهلا فسوف تتجاهلها وإن كنت عاطفيا ستقتنع بأنها ليست بالسوء المطلوب وإن كنت قيميا وتحس بمعاناة الآخرين فستحاول تفهم مصدر الشر بصورة واضحة لتحاول معالجته، لكن إن أعرت الآخرين اهتماما لما تفعل من أجل كلمة شكر أو لإرضائهم فأنت مفكر منافق .
خلاصة القول أن العلم بدون قيم لا ينفع وقيم بدون علم لا تنفع، وأمتنا العربية أضاعت الاثنان فهي ببساطة أمة لا تنفع، وربما بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الإيمان والقيم والهوية والإحساس بالانتماء والوطنية الخالصة. وأخيرا القضاء على الفساد والمفسدين من نخبة الحكام…..

لا تعليقات

اترك رد