المخرج قاسم حول .. رحلة البحث عن الخلود


 

حينما يتحدّث عن السينما تحسّه بجمالها ..حينما يتحدّث عن الانسانية تحسّه بقوتها ..عن المواقف ,الشجاعة,المسرح الرواية القصة ..له في كل هذا باع وأثر وخطاب ,لكن حينما تصل الى الموت فأنه يدعوك الى التوقف قليلا ويطلب بعض سنين لتكملة مشوار ومخطوطات وافلام يبغي تنفيذها ,مشوار سرد يقترب من الذاتية..اشكاليةيعيشها مبدعونا حينما يصلون الى مرحلة يظنون فيها انهم من افذاذالتاريخ وللبرهنة عن ذلك يحاولون طرح ذاتهم فيضيع منهم الكثير نتيجة تزاحم الصور والاحداث والافعال والافكار والعبث الذي رافق لحظات الجد, والايمان والكفر الذي لابدّ منه احيانا كما يرى البعض .اكثر من رحلة جال بها قاسم حول, ولكل رحلة خصوصيّة, كأن كل ماحدث لاينتمي لشخص واحد ,فهو تارة عراقي بامتياز ,وتارة فلسطيني واخرى جزائري ثم لبناني وهولندي ,ثم يرفض كل شيء ليبحث عن خلود كلكامشي لم يحقق منه سوى (بلّام وعاملة بار سيدورية), وهما شخصيّتان استدعاهما قاسم حول من التاريخ الىفيلمه المثير للجدل (بغداد خارج بغداد) محاولا فيه رسم ملامح الحاضرالغائبة عنده من ملامح الماضي الحاضرة امامه, متمثلتا بحالة البحث التي يقوم بها كلكامش بعد موت صديقه انكيدو,

ويتحوّل من رحلة الطاغية النصف الاله الى رحلة البحث عن الخلود .يحلم ويريد تحقيق احلامه كلها وهذا مازاده ارتباكا في بعض اعماله, لان عالم الاحلام يصعب تحقيقه كاملا في عالم السينما, الاّ على من كان له سبيلا ,واقصد من اكتملت عنده القدرة الفكريّة والقدرة البحثيّة والقدرة الحلميّة والقدرة التفوّقية والجنونية والعقلية والامنية والانتاجيةبطريقة اقرب للكمال وهذا مايستحيل تحقيقه في منطقتنا العربية على الاقل .قلق وعدم استقرار مدمّر يسكن هذا الرجل, فالموت منه قريب منذ دخوله عالم الاحياء حتى تجاوزه ال77 عام بنشاط وتنقّل ,وتماثلقليل, واختلاف كبير, وتنبّأ بالموت لأقرب اصدقائه (مكي البدري) بطل قصته (الحارس) اخراج خليل شوقي.كان ذلك في فيلم(الممثل وأنا)صوّره في غابات هولندا عن مخرج تجاوز ال(86) عاما يتناول الغربة والماضي والحنين الى الوطن , لصناعة اثر او جزءا من الخلود .اختار فيه صديق طفولته (انكيده), في امنية ان يتجاوز هذا العمر. الفيلمرسالة لبث الامل والشكوى والالم الى الله والناس والى من يستطيع انيصنع له الخلود .


ومات انكيدو (مكي البدري) ,وحالة رفض دفن انكيدو تحولت الى فنطازيا هروب من جثّة انكيدو المتعفّنة والمتروكة على الفراش, ليتم طرحها والكشف عن خفاياها الماضية وافكارهاالحاضرة لتعلن عن جزء من سر (بغداد خارج بغداد) في قصص متداخلة على شكل مشاهد لاتنتمي لموضوع واحد, الى مفردات لاواقعية .لاتجمعها وحدة زمان ومكان ,منها من زمن كلكامش :الحانة والمصباح وسيدوري و كلكامش البلام ,ومنها من مسعود العمارتليوجعفر لقلق زاده والكرامافون ,ومنها ضياع الحاضر والامريكان, اذتم جمع هذه الخلطة العجيبة لتنتج فيلم اراد له ان يعبّرعن جزء من الفوضى التي يعيشها قاسم حول في خطاب ذاتي غريب الشكل والملامح ,خطاب حلميّ لم تساعده التقنيّة في عرض احلامه في الشكل المناسب .

لقد قام قاسم حول بعمليّة( فلاش باك داخل فلاش باك )وجعلهما يعيشان في مستوى الحاضر محاولا ان يصنع صورة ثلاثيّة الابعاد دراميّا عقّدت الصورة كثيرا حينما افتقدت الى المنطق التقني الذي يركّز البناء الدرامي كمنطقا فنّيا مقبولا,ولم ينسى عشقهللفيلم التسجيلي فأراد ان يقحم المفاهيم التسجيلية السينمائية بطريقة سرد وروي كادت ان تكون متفرّدة لو تم التمعّن فيها جيدا .لقد واجه قاسم حول الموت اكثر من مرّة في اعماله التسجيلية التي صنعها مع منظمة التحرير الفلسطينية وتعوّد على التحاور والتجاور معه في افلامتسجيلية مهمة كما في افلام (غسان كنفاني ..الكلمة البندقية)1970,و(لن تسكت البنادق)1973 و(عائد الى حيفا) و(بيوتنا الصغيرة)و1974 و(الهوية الفلسطينية, وصبرا وشاتيلا ,ولماذا نزرع الورد لماذا نحمل السلاح, والنهر البارد ) .

وترك استشهاد انكيده الاول(غسان كنفاني ) اثرا كبيرا عنده ,كذلك غربته, وتغييّرالامكنة والازمنةوالانظمة التي هرب منها ثم عاد للعراق ليصنع فيلمه الوثائقي (الاهوار) والفيلم الروائي(بيوت في ذلك الزقاق). وهرب من جديد بعد ان رفض طلب النظام لتغييرالمشهد الاخيرمن (بيوت في ذلك الزقاق)لينفذه (محمد شكري جميل) .ويعدّ الفيلم واحدة من اهمخطواته الفنية على الاطلاق ,اذ تم فيه رسم ملامح اسلوبيّة ,وبناء سردي متميز ,وتقنيّة تنم عن فهم واضح للتعامل مع البيئة واعادةصناعتها سينمائيا في حدوتة بسيطة لكنها مهمّة للمجتمع الذي بدأ يعيش حياة مستقرة نوعا ما, لكن انهيار مجموعة من البيوت القديمة تسبّب مأساة في اوساط الفقراء. هاجر حول مرّة اخرى وعاد للفيلم التسجيلي الثوري وللكتابة الروائية والقصصية والسينمائية والصحفية والبحث عن مموّل لمشاريعه الكثيرة الكبيرة .

كما كتب حول وأخرج فيلم(المغني) الذي يتناول ليلة من ليالي ديكتاتور, ولم يحظى بقبول نقدي وجماهيري مناسبا لسخونة بعض المشاهد كما يرى البعض ,اولمباشرة المعالجة رغم انه حاول الابتعاد عن الشبه والاسماء عن الديكتاتور المعني (صدام حسين), لكن الفيلم بقي ضمن نطاق دائرة ضيقة تناولوتها السينما الاميركية كثيرا روائيا وتسجيليا بتقنية اهموأرقى, وهذا مايعترف به قاسم حول, اذ يقول في احد لقاءاته الصحفية (بالنسبة لي فيلم اميركي واحد كابوي يعادل كل الافلام العربية في تقنيته وبناء السيناريو فيه وفي تصويره وفي توليفه وفي دقة اداء ممثليه).

حصل قاسم حول على جوائز كثيرة عن افلامهالتسجيلية التي تتصف بالجرأة والشجاعة في اقتحام مواقع التنفيذ .حصل على الجائزة الذهبية عن فيلم المغني في تونس ,وكان حاضرا في مهرجانات عربية ودولية كثيرة كعضو او رئيس للجنة التحكيم ,وكاتب لاكثر من صحيفة عراقية وعربية ,يكتب وينظّر للسينما في كتب مثل (بستان السينما ,السينما حلم الواقع) ومجاميع قصصية ومسرحيات مثل (منامات,عودة السنونو,الكراج الخامس,مذكرات جواز سفر,العبائة السوداء ,الخندك)وغيرها وروايات(سوق مريدي ,وعلى ابواب بغداد, العزير)..قاسم حول مغامر في جزء كبير من حياته حينما كان من مؤسسي سينما الثورة الفلسطينية في السبعينات اذصنع الكثير من الافلام التسجيلية المهمة .

ومسالما احيانا حينما هرب من تكريم الحكومة له في السبعينات خوفا مما يلي التكريم ,ومغرورا حينما اراد ان يسجّل اسمه كشخصية من اهم شخصيات التاريخ كما جاء على لسان (سيدوري ) في فيلم (بغداد خارج بغداد) :رحل جاسم العبودي وجاء قاسم حول .اسهامات كبيرة لهذا الحول في الحياة والفن والثقافة اهمّها كل ما مضى والقادم يوحي بالاهم ..الى الخلود قاسم حول .

لا تعليقات

اترك رد