حاولت أن أكون


 

كانت حفلة رائعة .. اقتصرت على المقربين من الأهل و أصدقاء العروسين .. في صالة صغيرة وفخمة .. وطقوس تناسب سنّيهما ..
ذلك ماكنت أحدث نفسي به و أنا أقود عائدة لبيتي .. آخر الصديقات اليوم دخلت عش الزوجية .. هذا ماجعل أنظار الصديقات و أزواجهن بالمجمل تتجه نحوي .. في نظرات تحمل مزيجاً من الرثاء و العطف و الحب والحسد معاً .. كوني العازبة الوحيدة بالمجموعة ..
تعالت الأصوات ضاحكة ..
– لم يبق غيرك يامها .. متى نحتفل بك ؟
– متى تلتقين بمن يلحقك بقطار الزواج قبل فوات الأوان .. ؟
– كتاباتك قد أتلفت قلبك .. توقفي قليلاً وانظري حولك .. قد تجدينه ؟
– ربما هو موجود لكنك لم تلمحيه لانشغالك الدائم .. ؟
– كان علي أن استمع لكل هذا وابتسم .. و أعيد ذات الجواب .. سأعثر عليه يوماً .. ربما هو ينتظرني على رصيف فرح ما .. أو تحت ظل حلم عابر .. أو ربما يتسلل عبر خصلة من أنوار الصباح .. أو هارباً من ظفيرة الشمس ووهجها .. قد يتساقط كقطرة ندى تدحرجت من على خد الورد ..
ليعلو ضحكهم من جديد .. مها توقفي عن الحلم !!
مشفقة تقولها سلوى أقرب الرفقة لروحي ..
يرتفع صوت ضحكتي بفرح حتى أنه ليصاحب الموسيقى في ترانيمها …
ركنت سيارتي و صعدت للبيت .. رائحة الهدوء تعم المكان .. لاشيء خارج المألوف ولا صوت يتنافى مع الطبيعة ..
قبل الانتهاء من ترتيب ملابسي .. كانت سلوى على الهاتف تطمئن علي ..
– أتعلمين متى ستكونين بخير .. قالت !؟
– رددت متسائلة : متى .. !؟
– حين تتوقفين عن كتابة النهايات الحزينة .. أجابت .. اكتبي الفرح وسترين أن مسار حياتك سيتغير .. و أن طريقك سيعيد ترتيب حجارته و خطواتك تعيد ضبط موسيقاها ..
– لكنني أكتب الواقع .. أجبتها ..
– لا ياصديقتي .. ليس كل الواقع فرحاً ولا كل الواقع حزناً ..
الواقع كشجرة توت عتيقة ..ضاربة في عمق الأرض .. تحمل الثمار ملء أغصانها .. بعض حباتها حلوة ناضجة .. و أخرى لاتنضج تبقى قاسية رغم كل عوامل الطبيعة .. و ثالثة تتساقط لضعفها فلا تحتمل أرق نسمات الهواء .. لتدوسها أقدام العابرين دون روية .. عليك أنت أن تختاري من الواقع مايتماشى معك ..
أغلقت الهاتف و دخلت سريري .. لأصحو متأخرة عن موعد مهم مع ناشر صديق ..
غادرت على عجل بعد أن اعتذرت منه على الهاتف لتأخري .. رد مازحاً ستدفعين الثمن نصف روايتك ..أتم قائلاً لاعليك سأعطيك بعضاً من الوقت على حساب ضيفي ..
دخلت مكتب الناشر مستعجلة و أنا اكرر اعتذاري .. ثوان قبل أن أنتبه لضيفه .. يقف مُرَحِباً ..
كان متوسط الطول .. خارجا من سمرة الأرض .. صافي النظرات كمياه نهر عانق مواسم الربيع ..
بعض الناس يشعلون النار في قلوب الأخرين و هو كان ماهراً في إشعال الحريق ..
بدأت أشعر أن للزمن وزنا خارج عتبة قلبي .. و أن له رائحة اشتياق مرّ ..وصوت يشبه صوت أنفاسي المتوترة و أنا أضع يدي في كفه .. لحظة توقف الزمن عندها …
جلست على الكرسي المقابل له وسط طقوس الترحيب من صديقي الناشر والتي لم أعِ شيئا منها ..
كنت أقف لحظتها على أعتاب قلب رجل غريب .. أتجسس على موسيقى قلبه .. و أشتعل برغبات غامضة تجذبني إلى عمق روحه ..
هو .. !!
نعم هو ..!!
هذا هو من سأحدثه عني … سأخبره بأنني قبله كنت عاجزة عن الحب ..
و انني عرفت الكثيرين .. لكنني لم أدخل قلب أحدهم .. ولم يطأ عتبة قلبي أحد منهم .. لم أكن عاجزة عن التمييز … لكن قلبي لم يحلق يوماً ..
سأقرأ له مدوناتي .. و أحدثه عن أحلامي ..
سأقول له بأن نبوءة صديقتي هي من جمعتنا ..
ياإلهي بما أفكر .. ؟
لابد من أنني مصابة بالهذيان .. و أعاني اندفاع القلب الأهوج في حالة حب مفاجئة وثرية .. كأحلام فراشة .. أو كحكايا النجمات في بلاط القمر ..
فجأة .. سقطت الستارة ..
وعدت بصفعة قوية من هذياني لأرض الواقع على صوته يتحدث على الهاتف مخاطباً طفله الصغير .. مستمعاً لطلباته ..
– أتعلمون .. ؟
لم تكن صديقتي مخطئة ..
لم يسبق لي أن كتبت نهاية سعيدة في حياتي .. وكذا باتت رواياتي ..

لا تعليقات

اترك رد