باخع نفسه


 

باخع نفسه أي مهلكها و خاذلها أو قاتلها غمّا و همّا و هي مفردة قرأنية تحتمل و تحثّ على ترك التأسّف.فكيف يخذل المرء نفسه؟

لماذا نأسف على مفارقة الأصحاب و مفارقة الأوطان و تبيضّ أعيننا من الحزن على فراقهم و تنزل دمعتنا على غربة الخلاّن و الأحباب فنظلّ دوما نحترق..

و هل الحزن و الغمّ انتحار بطئ للنفس المجروحة التى تأكلنا و قد اتّخذنا قرار الرّحيل. الرّحيل عن بلد لم نشعر فيه يوما أننا من متساكنيه و لم نستطب العيش فيه.نرحل عن حلم و عن حبّ كان يوما من ورق ثمّ تاه في السّراب و احترق..نرحل عن ذكور كنّا نظنّهم رجالا و عن نساء ظننّاهم اناثا و عن المستحيل فقدنا الدّليل حتى صار الانزواء هو الحلّ البديل

ما أشدّ ايلاما للنفس أن نعذّبها أسفا و قهرا و حرمانا و ندما غير مأسوف عليه و أنت الّذى لا تنحنى رغم اصابتك بمرض الأشتياق…لماذا تحوّل فاعلك من موقعه حتّى أصبح يشاهدك التلفاز و يقرأك الكتاب و يفكّرك الموضوع و

يرسمك الهدف و تحاكيك اللغة و فى النهاية يترصدّك الموت و يضيّعك الزمن فتحتاج فقط الى سرير لتنام..

قلت يا نفسي ما رأيك لو نتبادل الأدوار فأنا أطعمك و أنت تشبع و أنا أشرب القهوة و أنت تحترق. و أنا أقضّى الليل وحدى و أنت تجهّز عينيك للسّفر.أنا أبقى وحيدا و أنت تحاول هذا السّفر.و أنا أهتمّ بك و أنت تهملنى..أنا أقول و أنت تصمت.أكون حرّا و أنت تكون مسجون.أنادي عليك و لا تجيب.أكون الحبّ و تكون الحبيب.

بائع الجرائد لا يقرأ. و الخبّاز جسده نحيل.و طبيب القلب مدمن سجائر. و صديقي يثرثر بالوفاء و هو خائن عميل..الكاتب في بلادنا لا يقرأ و المغنّى حزين..و بائع الورد يذبل ,لا يستقيم. و نحن نعيش في كذبة كبيرة نصدّقها و نظنّ أنّنا صادقون.

و فى الحقيقة نحن أحياء و لكن ميّتون..ننفض عن الأمس غبار الحنين.يا قمرا لا يجيد غير أرباكى, دعمى لوحدي أهنّئ نفسي و لو لحين..فدعنى وحيدا مللت العجن و مللت العجين.

طلبت الهاتف الذكيّ و عرفت أنىّ اليوم غبيّ .

هواتف تعطينا ثقافة البهجة و نحن لا نملك غير ثقافة الحزن.عبيد و نحسب أنفسنا أحرارا.

حين كتب نزار قبانى لحبيبته (أعلنت عليك الحبّ)ماتت كلّ قلوب العرب و أعلنت على بعضها الحرب.

جهلنا تسمية الأشياء بمسمياتها..أشياء كثيرة لا تحفل بها جلساتنا , محبّتنا,رحمتما و تفاهمنا..فلم نعد مثلما كنّا و لم تعد العين زرقاء و لم تنفع مفردات العزاء للأعزّاء و لم نعد في الصداقة أوفياء…يا نفسي باخعك يعذّبك و يحترمك و تعلّقه الصّلابة على الصّليب…و باخع نفسه مازال ضميره حيّا و ليس له في الدّنيا نصيب..ألم أقل من قبل .أنت لا تستطيع لوحدك تغيير العالم لأنك لست المصلوب فوق الصّليب.

لا تعليقات

اترك رد