عهد التميمي انتصرت لإسرائيل وليس للعرب


 

إنشغل الإعلام الغربي والعربي منذ أيام بالصبية الشقراء ذات الستة عشر ربيعا من قرية النبي صالح التي تعرضت لجيش الدفاع الإسرائيلي في نشاط مقاوم ضد إسرائيل. وقد ألقي القبض عليها وتتم حتى الآن محاكمتها على ما قامت به من نشاط وحركات وصفعات اعتبرها الجيش الإسرائيلي مخالفة للقانون. عهد التميمي فتاة عرفت منذ صغرها بمقاومة الوجود الإسرائلي وقيامها بالمظاهرات هي وعائلتها التي تعرضت أيضا للمحاكمات والإعتقالات على خلفية رفض الإستيطان. وقد إنشغل الإعلام بقصتها بعد ساعات قليلة على تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في صالح قرار يرفض تصرف ترامب حيال القدس.

ما يمكن أن نفهمه من قصة عهد التميمي اليوم، أن الإعلام باستطاعته التأثير وتغيير الإهتمامات والرؤى بصورة نافذة . فقد شكل الإعلام في واقعنا المعاصر عصب الحياة، ولا ينكر أحد مدى الانتشار الواسع للبث الإعلامي، وخصوصا المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي في تجاوزجميع الحدود وتخطي أقصى المسافات، حتى أصبح أثر الإعلام واضحا على كافة الأصعدة، ولا شك أن الشعوب في العالم، وخصوصا الشعوب العربية، من الطبقات المستهدفة لتغيير وعيها ونمط تفكيرها وخصوصا في قضيتي صراع الحضارات وتفوق إسرائيل والغرب، إذ لا يخفى أن للشعوب دائما تأثير على مجتمعاتها وبالتالي على مكانة بلادهم، سواء سلبا أو إيجابا، في الواقع المعاش.

وهناك نظرية لأحد كبار علماء الاتصال والإعلام ( والتر ليبمان ) تؤكد أن وسائل الإعلام فاشلة دائما فى توجيه الجماهير كيف يفكرون، ولكنها تنجح دائما فى إبلاغهم عما يجب أن يفكروا فيه. وهذا ما حصل تماما مع عهد التميمي والإعلام الإسرائيلي الذي أستطاع بجدارة وتفوق حتى على أدعية أفيخاي أدرعي وجمعاته المباركة وأصدقائه المتحدثين باللغة العربية من أن يفعلوه خلال تواجدهم على تطبيق تويتر في التأثير على العقلية العربية. فما حدث لعهد جعل الناس تفكر في داخلهم لماذا لم يقتلها الجيش الإسرائيلي؟..ولماذا لم يتم إهانتها أو الحكم عليها بسرعة كافية حتى لا تشجع غيرها على القيام بمثل تصرفاتها؟ ولماذا على الأقل لم يمحي ابتساماتها الكثيرة والمتعددة في المحكمة وخارجها؟..ولماذا تحظى بمحامين

ومدافعين عنها بشكل قانوني؟؟ .. لا شك أن تقديم الصورة الحقيقية للديمقراطية الإسرائيلية كان الهدف. وأن الدولة الإسرائيلية تعامل أسراها بصورة عادلة تتفوق على محيطها العربي الذي يعاني في غالبيته من القمع والإستبداد وزوار الفجر الذين يعتقلون الناس لمجرد تغريدة أو القيام بمظاهرة سلمية ليتم ايداعهم السجون بأقل الأحوال بدلا من تصفيتهم هم وعائلاتهم قبل أي محاكمة صورية.

لقد استطاعت إسرائيل التفوق، ليس عسكريا فقط، بل في مواجهة الرأي العام العربي من خلال تناقضات العرب أنفسهم وتخلفهم بكل المستويات، ومن خلال محاكمة العرب إعلاميا ومعنويا وتاريخيا في صورة وقف منها العرب موقف المتفرج لما يقدمه الإعلام الإسرائيلي..صحيح أنه مكروه بنسبة عالية ولكنها نسبة مشاهده وذلك بسبب قدراتها المهنية. فالإعلام الإسرائلي لا يتأثر بمن يتغير من الحكومات من اليمين واليسار، بل يملك رؤية واستراتيجية واضحة يستخدمها في الدفاع عن قضاياه ومعاركه ووجوده.

وفي تقرير لجريدة الشرق الأوسط في 29 مايو 2017 يؤكد المتابع للشأن الإسرائيلي مصطفى إبراهيم، أن النافذة الإعلامية المختلفة التي تقدمها إسرائيل جعلت منها مصدرا للأخبار. ويرى إبراهيم في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الاهتمام بما يقدمه الإعلام الإسرائيلي يشير إلى مدى تراجع الإعلام الفلسطيني والعربي في تقديم محتوى جيد للقارئ يشمل معلومات جديدة وذات مصداقية حول كثير من القضايا.

وبمقابل هذا الوجود الإسرائيلي في عمق الدول العربية يقف الإعلام العربي عاجزا بل مترددا وخائفا من تقديم أي رؤية عصرية لقضية الصراع مع إسرائيل، ناهيك عن توجيه عقل الشعوب نحو قضية بعينها أو التأثير على الفرد لصالح اتجاه وطني او أيدلوجية سياسية معينة ولكن هذا لا يجب أن يلغى مبدأ التفكير والتحليل وطرح هذه القضايا الهامة للنقاش الجماهيرى والنخبوي أيضا باختلاف أفكارهم وانتمائتهم السياسية والاجتماعية، وعدم الإكتفاء بحصر القضية الفلسطينية الإسرائيلية بخانة مع التطبيع أو ضد التطبيع، فالمسألة أعمق بكثير ومرت بمراحل تاريخية وسياسية واقتصادية تستوجب دراستها وتحليلها بعيدا عن الإتهام بالخيانات

والعمالة. فعلينا، إما مواجهة الواقع أو حمل العصي والسيوف لرمي اليهود في البحر كما كانت أحلام العرب منذ نشوء إسرائيل.

لقد أكتفى الإعلام العربي وحتى الإسلامي بأسلمة القضية وتدميرها دينيا، وربطها مع قضايا أخرى وتحالفات سياسية وتنازلات إقليمية. وبقى الشعب العربي مهدور الكرامة لا يملك حريته، فالقيود عليه أكثر من أن تحصى والممنوعات والمحذورات شلت عقله عن التفكير والإبداع، لذا فمن الطبيعي والحتمي أن ينتج عن هذا الوضع شعوب ضعيفة عاطفية تنظر الي القضية كما تم النظر اليها منذ 1400 سنة ماضية بأنها مجرد صراع ديني بين المسلمين واليهود.

عهد التميمي اليوم، لم تنتصر للعرب ولا للقدس، بل انتصرت لإسرائيل بصورة غير مباشرة وربما مباشرة.. لقد قدمت الكثير في قضيتها من أجل حقوقها، ولكنها قدمت الأكثر حين جعلت المشاهد العربي يتسائل ويفكر عن حقوق الإنسان في إسرائيل، وربما على إستحياء ومكابرة ، بأن إسرائيل تحاكم الأسرى في الغالب، وأن عهد لم تتعرض للإغتصاب أو الأذى كما يحدث في بعض مجتمعاتنا، وأن عهد لو كانت في دولة خليجية أو عربية أو إسلامية لكان أهلها اليوم يبحثون عن بقية جسدها لدفنه، وأن القضية الفلسطينية الإسرائلية مصيرها هو السلام والحوار وإقامة دولة علمانية تحفظ حقوق الشعبين.

المقال السابقباخع نفسه
المقال التالىتفاحة آدم
عبدالعزيز القناعي مواطن كويتي حاصل على شهادات عليا في مجال إدارة المعلومات ومؤلف لديواني شعر وكاتب صحفي منذ 1989 في العديد من الصحف الورقية والإلكترونية. شارك في كتابة العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بالمعلومات ونقد الفكر الديني كما أنه المالك لقناة التنوير على اليوتيوب وله برامج تنويرية في قناة....
المزيد عن الكاتب

6 تعليقات

  1. عهد التميمي غير مسؤولة عن فشل العرب و حكوماتهم
    الحكومات العربية هي التي انتصرت لإسرائيل بفكرها المتحجر و سياساتها القمعية
    لا تلوموا عهد التي تدافع عن كرامتها و كرامة وطنها بل لوموا أنفسكم

  2. و هذا ينطبق تماماً على كافة تفاصيل المواجهات سواء في الضفة الغربية او قطاع غزه او حتى داخل الكنيست يكفي ان تستمع للشتائم التي يلقيها الأعضاء العرب في نقاشاتهم و الإسرائيليين يبتسمون، عضو الكنيست “أحمد الطيبي” رفع الآذان داخل الكنيست.
    تخيل ان يقوم مسيحي او يهودي او من اي ديانه بالصلاة في احد شوارع عالمنا الاسلامي.
    سوف يقطع في الشارع بعد سحله.

اترك رد