الرقص التعبيري والكيروكراف في المسرح العراقي

 
الصدى الرقص الايقاعي في المسرح العراقي
الصدى الرقص الايقاعي في المسرح العراقي

بدأت عروض الرقص الدرامي أو التعبيري تتخذ لها مكانة متميزة في الساحة المسرحية العراقية كفن له اشتراطاته الابداعيه والجمالية ونسقه الدلالي المعبر،قدمت كعروض منفردة أو في مهرجانات محلية وعربيه وعالميه وحاز البعض منها جوائز مهمة في الداخل والخارج .هذه العروض بكل ما احتوت عليه من البانتومايم والمايم والرقص الحر والرقص التعبيري أو الدرامي والحركي اتخذت من الجسد وسيلة أساسية في التعبير عن الأفكار والهواجس الإنسانية المختلفة والتي وجدت في هذا الفن الفتي مساحة واسعة وحرية كبيرة في التعبير لانعتاقها إلى حد كبير من شروط العرض الكلاسيكية والتقليديه ولقابليتها استيعاب عناصر فنيه أخرى في لحمتها العلاماتيه مثل الفيلم السينمائي واستخدام الداتا شو والموسيقى حتى الصاخب منها أو الشعبي وفنون الشارع والإضاءة الحادة وغيرها من عناصر العرض المسرحي الاساسيه باستثناء الحوار .حيث المساحة حرة في العمل والتلقي معا في التعبير والتأثير معا .

حينما بدا الفنان منعم سعيد والفنان محسن الشيخ في إرساء قواعد فن البانتومايم في العراق كانا في الحقيقة يؤسسان لإطلاق مشروع تجريبي في فتح مغاليق طاقات الجسد التعبيريه وأنا اعتبر أن البانتومايم هو الأب الشرعي في العراق لإطلاق هذا الفيض من التجارب على الجسد ولعروض الرقص الدرامي فهو موجود فيه وبقوة رغم الاختلاف الفني في الأداء فالجسد هو الحامل الأساس للرمز والدلاله .ويعد الفنان طلعت السماوي صاحب الريادة في هذا الفن حيث أسس فرقة حملت اسم مردوخ ليقدم عرضه الأول على مسرح الرشيد عام 2000 بعنوان خطوات انسان.صمم طلعت السماوي عدد من العروض كان أخرها عرضان قدمهما في بغداد في 2012 في المعهد الثقافي الفرنسي والذي حملا عنوان وجوه القمر وصفر زائد صفر يساوي صفر والذي قدم فيهما الصراع على السلطة في تقنيات جسديه متناسقة مع الإضاءة. وكان من تلاميذ الفنان طلعت السماوي علي طالب وانس عبد الصمد ومحمد مؤيد وهم تلامذة نجباء حملوا على عاتقهم خوض مسيرة الفن الجديد والصعب لتأتي أعمال الفنان انس عبد الصمد الجادة والواعية لاشتراطات هذا الفن وتنوعاته ركنا مهما في تأسيس المنهج فكانت عروضه التي قدمها تعبر عن فهم حقيقي لكل حركة على الخشبة ولكل عناصر العرض الأخرى . كما أن أعمال محمد مؤيد مع فرقة الرقص التعبيري مؤسسا ومدربا وراقصا فيها أيضا تميزت باندفاعها نحو التجريب بوصفه فاعلا في الحركة المسرحية العراقية وخاصة في عرضي تذكر ايها الجسد ولم أزل أتلو اللذان يمثلا نقطة مضيئة في المسرح العراقي وقد انسجمت فيه الإضاءة مع الحركة بشكل فائق وجميل ومعبر . اما فرقة صرخة جسد أولى فقد قدمت أولى عروضها وهو عرض حمل نفس الاسم ،صرخة جسد الذي عرفت بها وعرفت نفسها بأنها فرقة اختصت بالتمثيل الصامت أو( البدي تكنيك) أو الرقص التعبيري كما قدمت عروض كثيرة منها
1- مسرحية ( صرخة الجسد )
2- مسرحية ( البخيل )
3-مسرحية ( في انتظار كودو )
4-مسرحية ( دكتور فاوست )
5-مسرحية ( فصيل على طريق الموت )
6-مسرحية ( الأمل أو مدينة الظلام )
7-مسرحية ( ثورة الفلاحين )
8-مسرحية ( ثورة الموتى )
9-مسرحية ( الأشباح )

.وفرقة مسرح الدمى للتمثيل التي قدمت عروضا نالت الإعجاب عن جدارة واستحقاق لما فيها من جده للوصول إلى أقصى حالات التعبير وخاصة عرض صور من بلادي فقد ارتكزت على خلفيه علميه وبحثيه جاده ليرسي صاحبها ومؤسسها الدكتور احمد محمد عبد الأمير اسلوبا له خصوصيته الابداعيه . أما في الموصل فقد قدمت فرقة مسرح قرة قوش بغديدا مسرحية الخطيئة الأولى والتي تناولت موضوع نزول الإنسان إلى الأرض مستفيدا من عناوين الحكاية الشعبيه مثل الشجرة المحرمة وخطيئة الإنسان الأول في أكل الثمرة المحرمة . كما ان هناك جهود تستحق أن تذكر وان كانت جهود فرديه على مستوى التمثيل او تصميم الكيروكراف او كتابة السيناريو مثل الفنان ضياء الدين سامي والفنان سامر دشر علي والفنان ذو الفقار خضر وللأخير عملان مميزان ومهمان الأول بعنوان (و.ه.م) الذي عرض في مهرجان بابل الأول عام 2006 ونال أفضل إخراج ، وله من أدائه أيضا عرض بعنوان( شك ) كيروكراف احمد محمد عبد الأمير .

عرض ثورة الفلاحين من النص إلى الجسد *

إن مهمة تحويل اللغة المكتوبة والحكاية الى لغة حركيه تعتمد الجسد في التوصيل ألعلاماتي، تعتمدها رسالة للمتلقي المشحون بفكر قبلي من إن اللغة التي سوف يتلقاها ويفهم اشاراتها هي لغة الحوار المنطوق . أن تحويل حكاية نص مسرحي عالمي مثل ثورة الفلاحين للكاتب الاسباني لوب دي فيغا هو عمل مخاطرة فنيه قام شباب فرقة صرخة جسد لتعلو صرخات ثورة الأداء الجميل فان الإيحاء والتعبير عن طريق الجسد وتكويناته والتشكيل البصري من الصعوبة بمكان وصف الفعل والحدث المسرحي مرتكزا على حركة الممثل ومرونته متلازمة مع المبنى الحكائي للعرض وبشكل دال وجمالي في آن ومتناغما مع الموسيقى . اخرج العرض سمير إبراهيم والمسرحية تدور أحداثها في القرن الخامس عشر حيث كان الفساد يعم البلاد ولكشف احد أهم مراحل التغيير في حياة الشعوب وهو الثورة على الظلم ضد استبداد النظم الدكتاتورية .يبدأ العرض بالكشف عن حالة تمرد وثورة على الصنم حيث يحُمل الممثل الذي يعتلي المنصة وبحركات موحده للمجموعة الغاضبة مبعثها الرغبة في التحرر يحمل ويرمى ويبعد بطرقة وكأنها تركله فيتدحرج إلى خارج المسرح من جهة اليمين ويتم اختيار البديل ليعتلي المنصة وبإقرار وتأييد جماعي غير أن هناك تبعات ومصائب تلت هذا التنصيب فالسلطة الجديدة ما أن تستقر على عرشها حتى تبدأ بزرع الفتنه وزرع الأحقاد بين الناس ونشر الشرور التي افرزها حب السلطة وتلك الشرور تبدأ بالتناسل وتستفحل وتستشري لتطال المنتفضين والمتمردين على الظلم أنفسهم لتصنع منهم آلات قتل وفتك لقتل بعضها البعض وتفتك ببعضها البعض حتى ان الوضعيات وحركات التي اتخذتها أجساد الممثلين مثل وضعية الأفعى المتأهبة تدل على التحول الحيواني البشع للإنسان . إذا فالسلطة الجديدة تستبيح دماء الأبرياء وتستلذ بالقتل غارقة فيه حيث تمثل الحركة المنفردة لشخصية الحاكم الجديد والأكياس المتدليه الممتلئة بالدم وبرقصات معبرة مع شق هذه الأكياس ليغرق المشهد بدموية صارخة رغم أن هذا المشهد قد طال أكثر مما يجب وكاد يصيبه الفتور .وإذا ما انتبه الشعب إلى حقيقة حاكمهم الجديد استجمعوا قواهم مرة أخرى لاستئصال هذا الجزء السام حيث أحاط الممثلون بشخصية الحاكم وتمكنوا من إبعاده . ولكن هل تنتهي الحكاية هنا ؟ لا ففي اللحظة التي يدرك فيها الجميع فراغ مكان الحاكم /الصنم ذلك المكان الساحر حتى تبدأ رحلة السباق نحوه في فورة من شهوة للسلطة فورة محمومة ومجنونة للوصول إليه حيث مثل المشهد الأخير الثميه الثانية بعد الرغبة في التحرر من الاستبداد وهي الرغبة والنزعة السلطوية وما تخلفه من تشوهات في البنية الانسانيه للفرد أخلاقيا وعاطفيا وللمجتمع ككل وقد استخدم المخرج لذلك أغنية الختام ذات إيقاع متسارع ومجنون .
لقد تشكل نص ثورة الفلاحين بصريا وعبر حركات الجسد وتلويناته والتكوينات التي شكلها الممثلون كمجموعه أو بشكل منفرد في انسجام مع الموسيقى والإضاءة مع قطع بسيطة من الديكور تحركت الأجساد بمرونة وسلاسة ليتحول الجسد الحي إلى سينوغرافيا ولغة وحوار حاور من خلالها المتلقي وكشف له عن خبايا النص وإشاراته بشكل جمالي واني

عرض صور من بلادي *

الجسد ينحت المعنى

عرض صور من بلادي لمخرجه الدكتور احمد محمد عبد الامير(الذي قدم ضمن مهرجان أيام مسرحيه للمركز العراقي للمسرح) زاوج بين فن الظل والمايم واضعا الجسد في أقصى طاقاته التعبيريه كاشفا الطاقة الكامنة للذات عن طريق الإيماءة الذكية والصورة المعبرة . في العرض أكثر من صورة سحبتنا إلى مناخات الألم والوجع العراقي . أفاد المخرج من فن الظل والذي هو عنوان العرض أساسا في انجاز مشروعه الدلالي والجمالي في هذا العرض حيث لعب على موضوعة الحجوم عن طريق استثمار الإضاءة التي شكلت عنصرا فعالا في انتاج المعنى ومن خلال الدمى الصغيرة المستخدمه السيارة والرشاش . لقد خلق شبكه من العلاقات من خلال الاضاءة واللعب بالحجوم ، علاقات مكانيه وزمانيه لتصبح وسيلة التعرف على الواقع /الفكرة مثل الاعلى / الاسفل ،البعيد /القريب ،المنفتح /المغلق، ليظهر روح المكان في تواصل عميق بين الحركة والشكل تلك النماذج المتواشجه خلقت جوا مميزا ومعبرا عن صفات الشخصية الثقافية والاجتماعية والعقائدية والاخلاقيه .وخاصة ذلك المشهد الذي عبر عن التمسك بكرسي الوظيفة / السلطة الذي يصل إلى درجه إن يحرق كل شيء دونه فكان لمشهد الإحراق جماليه خاصة .ثم الإشارة إلى تلك الثروة التي تسببت وبسبب من جشع المسؤلين إلى صنع الفرقة والاقتتال بين أبناء الشعب الواحد الذي سرعان ما ينتبه لها ليرمي هذه السلطة بالحجارة وواضح كيف أفاد من الإضاءة في تقليص حجم المستغل .ان المخرج وهو ينقلنا من صورة لأخرى لم ينس أن يدين القتل والإرهاب في مشهد تدمير الاسلحه وعقد السلام بين الشخصيات في فرحة غامرة وفي محالة لفتح الباب ، الباب الذي يرمز النور والانفتاح والحرية والمستقبل وتنظيف ما خلفه الإرهاب من خراب ودمار . ولكن هل قوى الظلام والظلمة أقوى ؟ هكذا يبدو في العرض رغم ما تخللها من اضاءات تكشف عن بعض حركة بطيئة للحياة . وبين التوليف بين الصور والانسيابية في التجسيد / السرد الإيمائي والرقص في تحولات وتكنيك أدائي وإخراجي كان لنسق منظومة الوحدات الدلالية التشكيلية والايقاعيه والبصرية في إطار الصراع العام الذي حاول العرض الكشف عنه ربط موضوعي رغم التنقل من صورة لأخرى فقد جمعت بينها الألم والهم والوجع الإنساني للحالة العراقية بكل تنوعاتها وهي الثيمة الأساس التي قامت عليها ونهضت عليها بنية العرض .لقد اجتهد المخرج والممثلون لخلق تناغم بين الحكايات في تحولاتها الفكرية والنفسيه حيث أثث الخشبة لبناء هذه الثيمة بالجسد وحركاته وتكويناته وخيال الظل والداتا شو .وتمكن العرض من خلق التوازن الإيقاعي بين الصورة والصوت ليحقق بذلك اهم عوامل نجاح الإبداعي وهو شد المتلقي وادخاله في لعبة البحث ورحلة الحفر في أعماق الحدث غير متناسيا الرمز العراقي المهم كما بدا به العرض ينهي به وهو تشكيل تابلوه نصب الحرية معززا عراقيه الألم .

ليس أخيرا

الرقص التعبيري في العراق هو ظاهرة تجريبية متميزة مازالت تنمو وتتطور على يد مؤسسيها ومبدعيها راقصين ومخرجين فرقا وإفرادا هواة ومحترفين أكاديميين وتحث الخطى نحو إثبات الهوية والمنهج لتتخذ شكلها المتكامل والناضج لهذا اعتبر إن هذه هي نتائج أولى ربما ستتغير بنمو وتطور ونضج التجارب والرؤى.
إذن بالإضافة إلى العناصر التي أدخلت إلى فن الرقص التعبيري وهو الإفادة من استخدام السلايد والداتا شو وادخال فنون الظل والمايم والموسيقى والأغاني الشعبية والإضاءة وغيرها فقد تميزت العروض العراقية باستثمار الرموز العراقية ألمعروفه والتي لها دلاله واضحة لدى المتلقي مثل تكوينات نصب الحرية في صور من بلادي والصنم في ثورة الفلاحين والشجرة المحرمة في عرض الخطيئة الأولى وغيرها. كما أن الموضوعات التي قدمت تدور محاورها بالإضافة إلى الموروث الشعبي كما فعل المخرج نشأة مبارك في مسرحيته الخطيئة الأولى وهو مافعله الرائد طلعت السماوي أيضا ومازال البعد الفلسفي بعيدا،فقد تناولت
على الأغلب الصراع على السلطة و الظلم والفساد والإرهاب والقتل وهو أمر مهم أن نكشف عن الوجع الإنساني الخاص بنا فما زالت تشظيات الواقع العراقي حاضرة تحفر في الذاكرة والمخيال وتلقي بضلالها على الأداء حتى بات الكثير من العروض وبسبب هذه الثيمات المتكررة أن تكررت وتشابهت إلى حد كبير في الحركات الراقصة ووضعيات الجسد المختلفة ماتزال بحاجه إلى الدراسة المتعمقه لاكتشاف المميز والمختلف من الأداء.. ورغم المركزية للجسد في التوصيل الدلالي أحاط بعض العروض صخب غير مبرر للموسيقى إربك فعل التوصيل إلى المتلقي كما أن الإفادة من المجال الحركي للجسد كانت مفقودة بسبب التركيز على الأداء والتعبير، إلا إن التشكيل الجماعي بالإضافة جمالية التكوينات وتعبيريتها فأنها كانت اقدر على شد المتلقي عكس الأداء المنفرد كما في عرض (رايت بغداد )وخاصة لوحة الحلاج .كما شكلت الإضاءة عنصرا فعالا في إبراز القدرة التعبيريه ومساهما رئيسا في إنتاج ألدلاله في أكثر من عرض رقص تعبيري.

إشارات
* مقال سابق للكاتبة نشر في جريدة المدى
* ورقه نقدية قدمتها الكاتبة في مهرجان أيام مسرحيه 2013

لا تعليقات

اترك رد