التقاويم المقدسة ..


 

التقويم الوحيد الذي يتقاذف الكائنات الحية ومن ضمنها البشر في هذه الزاوية الصغيرة من الكون هو الليل والنهار، عدا ذلك جميع التقاويم والسنوات والأشهر انما هي تنظيم بشري للزمن الذي جعله الله مثل مجرى المياهودورتها في الطبيعة التي لاتتوقف ، واذا ماعرفنا بالفضول والمعرفة كيف يتكون الليل والنهار بفعل حركة الكواكب وحجب بعضها لبعض فان سر الحركة ذاتها يظل من المكنونات الغامضة وهي حركة طفيفة جدا في هذا السديم بالقياس الى النظام المهول الذي تسير عليه طبيعة الوجود ، ربما ينظم قومٌ حياتهم أو عباداتهم وفلكلورهم الشعبي بناءً عليها لكنها قطعا لايمكن ان تعد تقويما وجوديا شاملا ، ذلك ان التقاويم التي ابتكرها البشر وفرضوا قداستها على الناس، مع قليل من المراجعة تجدها من صنع أباطره ورهبان ومتأملين اشتقوا شيئا من شيء وأسسوا من بُناة أفكارهمفرضيات وطرقاً للقياس ، لابد أن تظل فرضيات طالما أن اليقين الالهي لم يتدخل فيها . فليس من المعقول ان

أن البشرية باسرها تخضع لنداء راهب رومانى فىمنتصف القرن السادس اسمه (ديونيسيوساكسيجونوس) حدد فيه ان يكون ميلاد السيد المسيح هوبداية التقويم البشري ، واننا فيما بعد نقيس اعمارنا ومناسباتنا وعملنا ويومياتنا وحياتنا برمتها على مسطرته ، ونقول ان هذا من صنع الله ، لاسيما اذا ماعرفنا ان هذا التقويم تحديدا هو امتداد لتقويم محلي روماني يبدأ من تاسيس روما ، وانه لم يبدأ من الصفر، بل ان العام 532 ميلادية تم اقرار ذلك . وليس من المعقول ابدا أن الله خالق الوجود يولي العناية لاشهر هذهالسنة ، باسماء آلهة متخيلة لدى الرومان مثل (يناير) و(مارس) وهم آلهة الحرب او أبريل ومايو ويونيو ويوليو (يوليوس قيصر ) وسلسلة من التعاريف يمكن للقاريء العودة الى الموسوعات العالمية لمعرفة معانيها كاملة ، فالتقاويم عموما تنظيم بشري مثل اللغة مثل بناء المساكن مثل ابتكار العجلة او الترانسستور او الطيرانوالقانون والاخلاق منجز بشري تربوي تنظيمي. وهي موجودة لدى جميع الاقوام البدائية منها والمتحضرة . لذلك تسقط ذريعة ان تكون حياتنا التي نظمناها كأي خلية طيور أو حشرات او كائنات اخرى ،مرتبطة بالله تعالى عن طريق هذه التقاويم سواء وضعها (أنبياء) أو الملوك الأباطرة ، انها ببساطة فعاليات تلتحق بالتنويع والظن والافتراض الذي يحيط حَيْرة الإنسان العابر الزائل مع زملائه من الكائنات الاخرى بهذا الوجود الذي لم ولن يتمكن كائن فيه منذ بدئه حتى اليوم من ادراك يقينه.

الذي أصله في هذه اللمحة الخاطفة من التأمل ،أن وجودنا نحن الذين نتنفس هذه الساعة على هذه الارض مستمر، لم يغادرنا عام ولم يأتنا عامٌ جديد !، بل اننا مازلنا نسبح في السائل (الأمنيوسي ) الذي يغذي الجنين في الرحم، لاتحكمنا تقاويم الفراعنة ولاتقاويم الرومان ولاتقاويم العقائد المبتكرة عبر التاريخ ولن يعني الله تعالى أن اننا في شهر جانفي أو طوبة أو يناير أو أمشير أو النمر أوالجدي أو ذي القعدة وأي من تقاويم الشعوب والاقوام . فنحن اليوم حتى هذه الساعة أحياءبلا أرقام ، وطالما تعاقب عليكم الليل والنهار وانتم أحياء فانتم بخير.

المقال السابقالمخالفة عيب
المقال التالىشعور وجداني نحو جذور الذاكرة عند الفنانة زينب عبد الكريم
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد