شعور وجداني نحو جذور الذاكرة عند الفنانة زينب عبد الكريم


 

هنالك معادلة متبادلة بين حساسية الشعور الوجداني المقترن بالفكر الإدراكي وبين مستوى التنفيذ التطبيقي الإنتاجي الإبداعي الناتج كأنعكاس للمعادلة الأولى. تلك الخصائص من خلال متابعتي للفنانة التشكيلية – زينب عبد الكريم – تمتلكها بالمحورين المتكاملين، حيث تشير أفكارها المعرفية ومشاعرها الحساسة إلى وعي ناضج يتطابق مع ثيمات خطابها النصي التشكيلي. والعامل الأول ألذي تطرقنا له: الوجداني والفكري، ينمو ويتكاثف عبر المراحل الزمنية كلما كان هنالك صخب وإثارة لأحداث متزامنة لمجتمع محيط لها وللآخرين، ولكن تبقى الإستجابة لنمو المشاعر والإدراك الحسي بما يحتويه المقابيل (المنتج ألفني) مثلما نجده مجسدا في أعمال ألفنانة – زينب عبد الكريم – من حيث التكنيك والمعنى.

توحي أعمالها في الرسم بأن هنالك خبرة وميول نحتية مجسدة في مهارات التشكيل بنحويها الرسم والأحجار والصخور ببعده الثالث المدور. حيث نبع مع صيرورتها الإتجاهية ألفنية مبكراً، ومقترناً مع تطبيقات الرسم، كلها إيحاءات لمضامين لاتسمو ولاتسرح في فضاءات سرمدية، وغموض المعنى. ولا يقتصر على حدود الإيحاء السيمتري والأستاطيقي ( الشكلي والجمالي) وإنما خطاب نصي يستدعي إيصال المعنى لما تحمله من مشاعر مرتبطة بالميثلوجيا العابرة إلى عوامل جديدة معاصرة من أحداث ومؤثرات. منها يتعلق بأحداث العراق عبر عقود متوالية ومنها مايخص المرأة ومايحيطها من تركيبة إجتماعية عبر مراحلها الزمنية أيضاً. تلك الروافد والعوامل تشكل بنية التركيبة الأسلوبية وطوبوغرافية اللوحة لأعمالها الفنية الخاصة.

تلك العوامل والمؤثرات تنطق بألوان وتكوينات حداثية عن وطن مليء بالأوضاع والأجواء والأوجاع المؤلمة بخطاب إنساني شامل وهي في آخر ها أستقرت به كغيرها من عديد وعدة من الفنانين والأدباء وأصحاب الكفاءات والمواهب، لكن تبقى الهموم محمولة ومقترنة ومعايشة لمن يمتلك الحرص والمشاعر والوفاء لبلد تشتت أوصال خاماته الأصيلة. في أعمالها تجمع بين الأسترخاء والتمعن الروحي الجمالي وبين مؤثرات صخب الإثارة لما يرتبط بقضية وطنها “العراق” وفي جانب آخر يتعلق الأمر بما يخص مهام الفنانة زينب في أيحاء الوعي للمرأة لتكون ذات شأن يتناسب مع أهمية تركيبتها الإجتماعية ألتي تناصف المجتمع والتي تحتل الأرضية المحيطة والزراعة إلى نمو بذرات البراعم من الأجيال وتوجيههم التربوي والفكري والأخلاقي، وكلما تزداد المرأة وعياً وعمقاً وثقافة كلما تركزت قوة شخصيتها في الدور والشأن،

وفي الحقيقة لو عدنا تاريخياً لوجدنا أن المرأة في العصور الحضارية الأولى هي ألتي تحكم وهي ألتي تمثل الآلهات وغيرها من المفاهيم، وكما تنوه في قولها بأن (الفتاة يتعين عليها ان تكون قوية، تثقف نفسها لان الثقافة تجعل لها حصناً يحيط بها ويحميها، وعندما تقف أمام التخلف وهي تشير بكل ثقة لكل من يخطيء بحقها..التخلف الذي يحاول النيل منها ومن طموحها ولتعلم كل من يحمل صفات الذكورية وليست الرجولة، إنها جزء مهم في المجتمع وهي التي تكمل الحياة، ولولاها لما كان هناك رجل…إنها نصف المجتمع وهي التي تربي النصف الآخر … فالمرأة المتعلمة المثقفة في المنزل ستربي جيل مثقف واعٍ بالتعاون مع الرجل، فالإثنين مكملان للحياة لتأسيس مجتمع متحضر واع)

ولم تكن طرح المفاهيم المجسدة في أعمالها عن المرأة تخص الأمور العامة، وإنما أحداث معاصرة تخص التبدلات والتغيير في بعض الفقرات القانونية ل ( قانون الأحوال الشخصية ) العراقية ألتي تضمنت السماح بزواج الطفلة دون عمر ال16 سنة، تجسد ذلك في إحدى أعمالها ألتي جاءت رد فعل وإستجابة شعورية وحماسية لما يحصل من متغيرات مفاجئة لتلك القوانين للأحوال الشخصية، ولقد أشارت بعباراتها ألتي تفسر محتوى العمل الفني:(إغتصاب الأطفال باسم الزواج الشرعي .. هل يستمر الصمت لذبح البراءه والطفولة !!؟؟)

وتبقى المشاعر أيضا مجسدة نحو الحنين والتألم نحو البلد في أغلب كلماتها وعباراتها الشجية للأفصاح عن هواجس ألذات وثيماتها الفكرية داخل نصوصها البصرية والأبصار ية. منها في قولها:
(عندما تصمت الكلمات عن التعبير ويصرخ صداها عاليا ….
ستهرب خصلات من شعري لتعانق ضوء شمسك يا…وطني)

– إسلوبية الأداء –
في أعمال الفنانة – زينب عبد الكريم – سمات خاصة في طريقة الأداء الإتقاني وماينجم عن ذلك من تفرد وتشخيص يمكن الإشارة عنه بتوضيح وأستبيان لمنتوجها المظهري والشكلاني بالسمات العامة والتفصيلية لرؤاها البصرية، حيث تتسم الرؤية العامة للتكوينات، سمو التدرج الهارموني.. بعيدا عن التباينات اللونية المتضادة والتي تفصل بينهما حواجز الإختلاف الشكلي، وحتى الألوان المترابطة بين الفصائل المختارة لم تكن بتلك الصيغة المتعارف عليها أدائيا، وإنما تغطي على كل أبعادها المنظورية القريبة والبعيدة سمات العمق الفضائي المبتعد عن الإقترابات النصية، بشكل أوضح إن أعمالها يسودها التدرج العميق، لمنح العمل أكثر مسافة في التأمل والأمعان. وخاصة في عملها ألذي أشارت له بعباراتها الحماسية ألتي تدعو إلى المحبة والسلام وتجاوز الصراعات البشرية عبر الأزمان ألتي حولت الأنغام الجمالية للطبيعة( الأستاطيقيا) إلى صراعات محتدمة. تجسد ذلك الشعور بأنغام عملها ألذي إقترن مع عباراتها أدناه:

(قد يكون فهمي للحياة مثالي وحلم لا يلبث أن يتلاشى في واقع الحياة وبما أن الفن هو حلم إذا لما لا نحلم؟ ولنرى كيف ستكون حياتنا لو تسكن المحبة في حضن الأمان وكل العالم يعيش بسلام.
سؤال بريئ من كلمة واحدة أوجهها للجميع فهل له مجيب!!؟؟
هل؟
هل يستطيع العالم أن يبدل الرصاصه بقلم رصاص؟
والبندقية بـ إِزْمِيلُ نحات؟ والدبابه ب قيثارة؟ والصواريخ فرشاة وألوان؟
وقبل هذا وذاك هل يستبدل حقد الحاقدين الى وَدَّ ووئام ؟
هل؟ الأموال التي تنفق للحروب والسلاح تمنح لتبنى منها بيوت تاوي فيها الفقراء والمدارس والجامعات والمكتبات ومنتزهات وتزرع أشجار وننثر الزهور هنا وهناك والعصافير يكون لها مكان في حدائق بيوتنا وتعيش معنا بأمان!؟ و …. هل أغمضتم أعينكم فقط دقائق وتخيلتم يامن تعشقون الحروب والقتال يا لصوص هذا الزمان يامن تخسلون أيديكم بنهر من دماء الأبرياء وتنسون أن كل ماتملكوه بالحياة هي قطعة صغيرة من الأرض بطول قاماتكم وبحجمها يلتف قطعة قماش وهي نهايتكم فلما كل هذا الدمار !!!!!!!

فقط تخيلوا كيف ستكون حياتنا لو تسكن المحبة في حضن الامان وكل العالم يعيش بسلام). وفي أعمال أخرى هنالك صفات مختلفة في الأداء، لأن في العمل ألذي أرفقت قولها أعلاه تدعو إلى ما تتمناه من أمنيات السلام، حيث إنعكس ذلك الخطاب على صيغة العمل الهاديء والمتدرج في الإنسيابية والحركة. أما في أعمال أخرى هي تجسيد لواقع حصل في أثره المؤلم سواءاًفي التفجيرات أو الصراعات الإجتماعية عبر عقود من الزمن، ومنها خارطة العراق ألتي تتضمن رموز لتماثيل أثرية لوادي الرافدين في الشمال والوسط والجنوب، وتتخللها إنكسارات وفواصل في جوانب التشكيلة الديموغرافية. وأعمال أخرى تخاطب الفكر والروح الوجدانية على شكل دوائر كروية لمعالم الأرض وما يحتويها من أجساد وأرواح متقابلة. ومن ضمن خطاباتها ألفنية تجسد في معرضها الشخصي الثامن الذي أقامتها على قاعه Gallery Osebro في النرويج وكان بعنوان (روئ بابلية في التلمارك) والتلمارك ألتي هي مقاطعة بمملكة النرويج، كان المعرض بما أوضحته بأنه رسالة قدمت فيها بلدي بلد الحضارة والإبداع وحاولت أن اربط بابل الأسطورة والمجد الزائل بالحاضر وفق منظور فني لفنانة معاصرة. ولما حصل لبغداد من دمار، حيث الربط مابين مدينة كانت عاصمة العالم القديم وابتلعتها رمال التاريخ والتي كانت منارة المجد في القرن الوسطى، بينما العالم يغفو في سبات وظلمات.. ولكن شاء التاريخ ان يغتالها كما سالفتها فاندرست بين حطام الحروب.

*تخرجت من Nansenskolen(أكاديمية لحقوق الإنسان) قسم الفنون الجميلة في Lillehammer. النرويج 2011-2012..
* تخرجت من جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة. بغداد 1995
* تخرجت من معهد الفنون الجميلة. بغداد 1992
* حصلت على دبلوم في ترميم اللوحات من كلية ترميم. Ltomcl / كلية التشيك في عام 2006
* حصلت على شهادة في مشاركتها برنامج لحقوق الإنسان.استراليا 2008
* تلقيت العديد من الجوائز وكتب شكر وتقدير على منجزاتها ومشاركاتها في المعارض.
* عضو نقابة الفنانين النرويجي (NBK)، وعضوة في جمعية التشكيلين في تيليمارك (BI T) النرويج.
* المشاركة في العديد من المعارض: العراق وبولندا وفنلندا وفرنسا والأردن ولبنان واليابان وايطاليا والنرويج.
المعارض الشخصية:
|*المعرض الشخصي الأول ، بغداد 1990.
* المعرض الشخصي الثاني، بغداد 1992. معرض الشخصي الثالث “حاله تحول”، بغداد 1995. المعرض الشخصي الرابع، بغداد 1999 معرضان شخصيان في السفارة التشيكية في بغداد 2007. المعرض الشخصي الخامس في المركز الثقافي الفرنسي في بغداد 2008 المعرض الشخصي السادس في الصليب الأحمر ، النروج 2009. المعرض الشخصي الثامن في قاعه Osebro (روئ بابلية في التلمارك) النروج 2014.

شارك
المقال السابقالتقاويم المقدسة ..
المقال التالىهاملت (1964) : الفيلم السوفيتي العبقري!

ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تن....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد