في الكتابة وما بعدها


 

في الكتابة عن المعاناة والألم والموت لذّة التنفيس عن المكبوت الأزلي ورونق الخلق وجمال التصوير والابتكار. في الكتابة فتنة لا تعادلها فتنة وعجب لا يعادله عجيب.

في ما بعد الكتابة بحث عن السكينة وعن جزر تطفو فوق الماء تكون ملاذا للغرقى في أحلامهم والمبعّدون في تصوّراتهم .وفي ما بعد الكتابة بحث عن بقية حرف أو شبح صورة أو طوق فكرة أو ضوء من بصيرة أوهمت بها الأقلام وجرفها الحبر لعلها تكون قشة النجاة من الغرق في قعر الموت .

في الكتابة لهو الكتّاب بها وفيها ولها. وفي الكتابة اصطناع للطريف تحشد له ألاف الوسائل لتحقيق كون تكمن لذّته في كونه لا يثبت إلاّ للأغبياء ولا يثق فيه إلاّ أدعياء الحرف والواهمون بأنهم أنبياء.

في ما بعد الكتابة تنكّر لرغبة الإنسان في أن يكون إله وتصميم على بشريته وإصرار على سطوة الطين وتمكين لجلال الغرائز من رقبة الفكر الخلّب. وفي ما بعد الكتابة اكتمال لدورة مقدّسة تكون شهادة على عجز الإنسان وانسحاقه في دواليب الطوباوية التي استنزفها اختراع الطرق واستبدّ بها العبث السوس.

في الكتابة شهادة الإنسان على الإنسان أنه لا يكون إلاّ كاملا سليل كمّل.وفي الكتابة إقرار بأنه خالق ثابت اليد ينسب إلى نفسه ما يسمو به عن الشريك. وفي الكتابة وبها يقيم الكاتب سيزيف شاهدا صادقا على مأساة الإنسان يتردّد بين القمة والحضيض يأسره التصميم والإيمان.ويستبدّ به

في ما بعد الكتابة خيبة الأمل واعتراف الكاتب بأنه مجرّد صبي عابث بالطين يلهو به ولا كرامة له ولو طار الطين من بين يديه مع الطيور.إنهاخيبة الأمل وعبثية الفعل وعجز المحاولة وارتماء في جحيم الكدح الذي لا طائل من ورائه.

في الكتابة وما بعدها فعل الزمان في هيكل الحياة. واجتماع ذكريات الصيحات التي دوت في الـأودية وآثار الجراح والقروح التي خلفتها الأدواء المتعاقبة على الجسد الهزيل. في الكتابة وما بعد الكتابة محاولة شريفة وفشل ذريع والتماس لمبرر الوجود. وفي الكتابة وما بعدها عزاء خاو وأمل مسطّح بلا أبعاد ورجاء بلا تأسيس.

ليس على الأرض أشقى ممن ادعى السعادة في الكتابة ووجد حرّ الشكّبعد انجلاء الريب ووقوعه في ضحضاح نار ما بعدها.

1 تعليقك

  1. في الكتابة أفعالٌ مُتحرّكة تُثابرُ لتتماهى و انْ في تقيّة مع شُخُوص نحسبهم نحن و ما هم بنحنو في كتابتك صديقي الجميل سعْيٌ حميم لرصد الصّدع المحموم الذي يشقُّ صدْرَ الذّات المتوزّعة بين قدَم مُقبلة على ” الأمام ” في تردّد و خشية كبيريْن و أُخرى ثابتة الى الخلْف تُثبط العزائم على نُدرتها و تصمّ اذانها عنْ ريح القاح..سيدي الفاضل، مُراوحتك بين الكتابة و ما بعد الكتابة تأصيل لكيان على رأي المسعدي لكنّه كيانٌ مهزوزٌ مُقطّع الأوصال لا روح فيه، كيانٌ لطالما نبّهتنا أنّ شرْطَ استوائه مُكتملا أن يُزيحَ عن العقل بلادة و عن العين غشاوة على رأي أهل الكلام ..
    سجّل أنّي ممتنّ و أنّي ككلّ مرّة ألقاني أمام نصّ باذخ قاعه يغلي و سطْحهُ حريّ بأن يكفينا حرجَ التنقيب عن سُبل النّجاة ..
    كلّ الودّ سيدي الكريم ..

اترك رد