أَعْمَارُنَا مُدَّةُ ضَوْءٍ لِقَابِسٍ


 

نحن-الأرضيّين-لا نفتأ نبحث عن منافذ الضّوء حتّى نحيا إنسانيّتنا فلا نغرق في الظّلمة كما غرق الكون فيها قبل ولادة النّور. ألا ترى أنّ لنا سبحا ما دمنا في ضوء النّهار فإذا انسلخ كان ليلُنا وركودُنا؟، ألا ترى أنّ الأرض تدأب على الدّوران حول الشّمس كلّ سنة حتّى نعلم كم لبثنا عدد سنين؟

كنّا في طفولتنا الأولى نعبّ الضّوء شموسا نهاراتِ مرحنا وأقمارا مساءاتِ سمرنا، لا نرى له مصدرا غير ذلك النّجم الّذي نحاول النّظر إليه فنعشى، وذلك الكوكب الّذي نتأمّله فنرى فيه تصاوير أخيلتنا… واحتجنا أن تكبر فينا طفولتنا بين يدي أبوينا، واحتاج بعضنا أن يُبتلى بفقد أحدهما حتّى ندرك أنّ ضوء حياتنا موقوف على ذينك النّورين يمدّان أكواننا بالضّياء.

الأبوان مساحة ضوء ما يفتيان ينشرانها أمامنا؛ كلّ موقف من مواقف الحياة يقفانه فنشهد وقوفهما، كلّ كلمة في نصحنا أو توجيهنا أو تأنيبنا، كلّ بسمة رضا يبسمانها، كلّ نظرة عتاب يرسلانها، كلّ صبر يصبرانه، كلّ خوف يخافانه، كلّ رجاء يرجوانه، كلّ شوق يشتاقانه، كلّ أمل يأملانه، كلّ هوى ينازعهما وُلْدُهما – في جميع ذلك-سبب وغاية. يريدان بنَصَبِهما أن يُريحا، وبخوفهما أن يَقِيا، وبحاضرهما مستقبلَكَ وبحياتهما حياتَك.

هل ينبغي أن تصير أبا أو تصيري أمّا حتّى تعلما أنّكما تستضيئان بضوئهما، وأنّهما ركناكما الشّديدان تأويان إليهما؟، هل ينبغي أن تعرككما الحوادث وتسوطكما الحاجة وتُعوزكما الحيلة حتّى تنزاح عن أعينكما غشاوة فإذا انتما ترعويان وتبصران ما كان من سنا الرّوح ولُمع الفِكَرِ فيهما، وحتّى ينجاب عن روحَيكما ما ران عليهما فتدركا أنّ ساعاتِ عمركما هِبَة عُمريهما، وأنّ زادَكما في طريقيكما كلماتٌ من نور: دعاءٌ أو وصيّةٌ، وخيطٌ من ضوء: آثارُ أقدامهما…

واهًا لذينك الأبوين الجَدَّيْن كيف استحال العمر فيهما فِطَنا ثاقبات، وكيف استحال نَصَبُ الأيّام واللّيالي رَوْح رضا وسكينة، وكيف أُفْعما أبوّة وأمومة!. لولا هاتين العاطفتين يبثّانها في من حولهم، ويدسّانها في ضمائر أحبّتهم، ويشيعانها هالة من حُبّ وفِعل لتُهنا في عالم لا جذور فيه تشدّنا إلى الأرضِ مؤئلِ حُلُم لا ينفكّ يبدأ كفجرٍ.

ليس أرحب من زمان نجالس فيه آباءنا السّامقين كالنّخيل، المضيئين كالزّيتون، وليس أخصب من حياة تَمدّ من حياتهم خصبَها، وليس أضوأ من عقل استنار بنور عقولهم، وليس أهْدى من رأي منهم قبسنا… هم كتاب لا ننفكّ نقرأه؛ نعِي بعضه الآن ولا نعي جلّه إلّا في غدٍ، كتابٌ تكون به الحياة أغنى وأحفل، كتابٌ كلّما قرأنا فيه اتّسعت رؤانا فبان الطّريقُ… وكذا كلّ كتاب.

قد تُجْهد آباءَنا السّنون… ولكن لن تُجهدَهم حتّى يرتفع منهم المعنى، معنى أن تكون مُريدا، قادرا على الفعل والإبداع، معنى جَهِدُوا في بنائه وإنّك واجده في نفسك ما تبصّرتَ وتدبّرتَ، وما كابدتَ وعنِتَّ، ذاك جرحك الّذي يتسلّل منه النّور إلى باطنك على حدّ قول جلال الدّين الرّومي.

لولا هذا المعنى أكان لكرّ الأيّام معنى؟ لولا هذا المعنى أكان العيد عيدا؛ ” إنّما العيد هو المعنى الّذي يكون في اليوم لا اليوم نفسه… معنى الفرح بالحياة النّاجحة المتقدّمة” (1).

العيد ميلادُك كُلّ حُلم، وقدرتُك كلَّ فعل، وفعلُك كلَّ عزم. العيد فكرتك المُشرقة ونبوءتك المُرسَلَة، العيدُ صوتك وقد تردّد صداه، العيدُ خيرُك الّذي تينع له القلوب والعقول، العيد ضوؤك النّافذ يقبسه القابسُ. العيدُ جمالُ معنى لا زُخرفُ طَقْس.

أَحِبَّةَ الْحَرْفِ الْمُهَاجِرِ فِي الْمَدى *** مَنْ قَارئٌ يَقْفُو اللَّوَامِعَ والْجَدَا (2)؟

أمّهاتِنا، آباءَنا، معلّمينا، كُتُبَنا، أرواحَنا الشّفيفةَ المتوهّجةَ أنتم نوافذنا المُشرعةُ إلى النّور.

كلَّ عام وأعماركم مُدّةُ ضوءٍ لقابسٍ.

(1) مصطفى صادق الرّافعي. وحي القلم. المكتبة العصريّة. صيدا. بيروت. ج1. ص 27-28.

(2) العطاء.

المقال السابقحتام
المقال التالىالمخالفة عيب
قصي المليّح. 15/07/1964 تطاوين شهادة اختتام الدّروس في اللّغة والآداب العربيّة بدار المعلّمين العليا بسوسة. سنة 1989 أستاذ أوّل منذ سنة 1996 النّجاح في مناظرة انتداب متفقّدي المدارس الإعداديّة والمعاهد الثّانويّة 2005 النّجاح في مرحلة تكوين متفقّدي المدارس والمعاهد الثّانويّة 2007 متفقّد أوّل ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد