فلسفة العلوم و النظام الديمقراطي

 
الصدى-فلسفة-العلوم

نميِّز عادة ً بين العلم و الديمقراطية. لكن الحقيقة هي أنهما كيان واحد لا ينفصل لأنهما عملية تصحيح متواصلة لِما نظن و نعتقد. فلا علوم بلا ديمقراطية , و لا ديمقراطية بلا علوم.

يعتبر الفيزيائي لي سمولن أن العلم ديمقراطي بالفعل. فالعلماء يشكّلون جماعة ذات نظام ديمقراطي . مثل ذلك أن لكل عالِم صوتا ً واحدا ً في انتخاب هذه النظرية العلمية أو تلك على أنها صادقة ما يجعل الاختيار العلمي للنظريات شبيها ً بالانتخاب الديمقراطي لرئيس الدولة و النواب . يوضح سمولن أيضاً تطابق العلم مع النظام الديمقراطي قائلا ً إن العلماء يتناقشون و يتصارعون فيما بينهم ، لكنهم يتفقون على أن الأجيال الجديدة من العلماء ستقرر مَن كان على صواب. هذا يطابق ما يحدث في الديمقراطية حيث يتناقش السياسيون و الأحزاب و يتنافسون لاكتساب العدد الأكبر من الأصوات، وفقط أصوات المستقبل تقرر فشل أم نجاح الإدارات السياسية الحالية و الماضية. كما أن كل عالِم حر في بناء نظريته العلمية تماما ً كما تضمن الديمقراطية حرية كل فرد. يضيف سمولن قائلا ً إنه لا يوجد منهج علمي موحَّد ، بل العلماء يستغلون أي منهج يخوّلهم الإجابة على أسئلتهم . وبذلك عليهم الموافقة على أخلاقيات مشتركة كأن يُظهروا نتائج أفكارهم و مشاهداتهم كما هي و أن يبحثوا عن الحقائق بحرية و أن يحترموا العلماء الآخرين و مواقفهم العلمية من دون أن ينسوا الثورة على تعاليم السلطات المعرفية التقليدية. هكذا كل عالِم حر لكنه مرتبط بجماعة من خلال احترامه للعلماء الآخرين. هذا يوافق حرية الأفراد في النظام الديمقراطي و ارتباطهم العضوي من خلال احترام حقوق بعضهم البعض. هكذا العلم ديمقراطي ( Lee Smolin: The Trouble With Physics. 2007 . Houghton Mifflin Harcourt ) .

من غير الممكن الفصل بين العلم و الديمقراطية و الوجود. فمثلا ً , النظريات العلمية المعاصرة تؤكد على أنه توجد أكوان ممكنة متنوعة. هذه الأكوان ليست المجرات المختلفة في عالمنا ، بل هي منفصلة عن عالمنا و عن بعضها البعض ، و كل كون منها له حقائقه و قوانينه الطبيعية المختلفة عن حقائق و قوانين الأكوان الممكنة الأخرى. مثل على ذلك أن الفيزيائي آلن غوث يقول إن الكون قد نشأ من العدم من جراء التقلبات الكمية التي تصيب الفراغ. يتكوّن العدم من طاقات متعارضة و بذلك تختزل بعضها البعض فيتشكل العدم. و بسبب التقلب الكمي الذي يصيب العدم ، إذن على الأرجح نجت طاقة من العدم و لم يحدث اختزالها ما أدى إلى نشوء عالمنا. يضيف آلن غوث قائلا ً : بما أن عالمنا وُلِد من نقطة في العدم ، و بما أن العدم يتشكل من نقاط عدة إن لم تكن لامتناهية في العدد ، إذن من الممكن أن تنمو أكوان ممكنة عديدة إن لم تكن لامتناهية في العدد من نقاط العدم المختلفة. هكذا يصر الفيزيائي ” غوث ” على أرجحية وجود أكوان ممكنة عديدة و متنوعة ( Alan Guth : The Inflationary Universe . 1998 . Basic Books ) . هذا يرينا أن الديمقراطية تحيا في نبض الكون. فكل الأكوان الممكنة متساوية في تحققها و وجودها ولا تفضيل لكون على آخر في العلم و الوجود تماماً كما لا تفضيل لفرد أو معتقد أو سلوك على آخر في النظام الديمقراطي , و بذلك العلم ديمقراطي بامتياز تماماً كالوجود. من المنطلق ذاته , تعتبر نظرية ميكانيكا الكم العلمية أن الجُسيم كالإلكترون يعبر من كل الممرات الممكنة حين يعبر من نقطة إلى أخرى , و بذلك تتساوى كل المسارات كما يتساوى كل الأفراد في الحقوق و الواجبات و أمام القانون في النظام الديمقراطي. هكذا العلم يقرأ الوجود على ضوء مبادىء الديمقراطية فالكون ديمقراطي كالعلوم.

بالإضافة إلى ذلك , العلم عملية تصحيح مستمرة تماماً كالديمقراطية. لذا لا يقينيات في العلم و الديمقراطية ما يحررنا من مسلّماتنا المُسبَقة , و بذلك يغدو كل من العلم و الديمقراطية عملية تحرر من سجون يقينياتنا الكاذبة. فالنظريات العلمية الجديدة تُستبدَل بالنظريات العلمية القديمة كاستبدال نظرية أينشتاين العلمية بنظرية نيوتن و اعتبار نظرية أينشتاين هي الأصدق. كما تتعرض النظريات العلمية لتعديل مستمر على ضوء نتائج الاختبارات العلمية. من هنا , العلم عملية تصحيح دائمة. لكن هذا ما يحدث بالضبط في الديمقراطية. في النظام الديمقراطي تستبدَل السياسات القديمة و تحل مكانها سياسات جديدة من خلال استبدال ممثلي الشعب كالرؤساء و النواب. و بذلك الديمقراطية هي أيضاً عملية تصحيح مستمرة كالعلم. ففي الأنظمة الديمقراطية ثمة انتخاب دوري لممثلي الشعب كي لا يحتكر السلطة فرد ما أو جماعة فتزول بذلك الحريات و الحقوق الإنسانية. على هذا الأساس , من جراء كون الديمقراطية عملية تصحيح دائمة للسياسات تضمن الديمقراطية الحريات و الحقوق الإنسانية بفضل القضاء على إمكانية احتكار السلطة. و كما تنجح الديمقراطية في التخلص من احتكار السلطة تنجح أيضاً في القضاء على احتكار الحقائق و المعارف. فالنظام الديمقراطي لا يُعرِّف ما هي الأخلاق الحقة و ما هي المعرفة الصادقة بل يدع لكل فرد حرية أن يختار معتقداته و تصرفاته شرط أن لا يعتدي على حقوق الآخرين. من هنا , الديمقراطية نقيض اليقينيات المُحدَّدة سلفاً كالعلم الذي يضمن لكل عالِم حرية التفكير و إنتاج نظرياته العلمية. فاليقين قاتل العلم و الديمقراطية لأنه يجعلنا سجناء ما نعتقد فيُزيل استمرارية البحث عن معارف جديدة و سياسات اجتماعية و اقتصادية أفضل.

بما أن العلم كالديمقراطية عملية تصحيح مستمرة لِما نعتقد , إذن يتطابق العلم مع الديمقراطية. و بذلك تشكّل العلوم و الديمقراطية حقلا ً وجودياً واحداً لا يتجزأ. و لذا لا علوم من دون ديمقراطية كما لا ديمقراطية من دون علوم. من هنا , فقط الشعوب التي تحيا ضمن الديمقراطية تتمكن من إنتاج العلم , و فقط الشعوب القادرة على إنتاج العلوم قادرة على صناعة الديمقراطية. فكل من العلم و الديمقراطية عملية تحرر من اليقينيات المُسبَقة ما يؤدي إلى ضمان الحريات و الحقوق الإنسانية. فحين نتحرر من يقينياتنا بفضل العلم و الديمقراطية ( لكونهما عمليات تصحيح دائمة للمعتقدات ) نتحرر حينها من تعصبنا لِما نعتقد و بذلك نحترم حقوق الآخرين و حرياتهم. و من الطبيعي أن يتجه التاريخ الإنساني نحو تحقيق الديمقراطية و صياغة العلوم فالكون ذاته ديمقراطي كالعلم. لا وجود من دون ديمقراطية تماماً كما لا وجود من دون علوم. وجود من دون ديمقراطية وجود من دون مضمون. و وجود من دون مضمون وهم بلا وجود.

المقال السابقكُلكم أثمار شجرة واحدواحدة وأوراق غصن
المقال التالىالناظر الى السماء
حسن عجمي كاتب و شاعر و مفكر له سبعة عشر كتاباً في اللغة العربية و كتابان في اللغة الانكليزية. من كتبه السوبر حداثة و السوبر مستقبلية و السوبر تخلف. و يركز في فلسفته على تحليل العلم و اللغة و ارتباطهما بتطور المجتمع أو تخلفه. فكرته الأساسية تتمحور حول لا محددية العالم و إمكانية المعرفة. و يؤكد في أبح....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد